بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴿1﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلَا ٱلْهَدْىَ وَلَا ٱلْقَلَٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًۭا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا۟ ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا۟ ۘ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴿2﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَٰمَ دِينًۭا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍۢ لِّإِثْمٍۢ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿3﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَكُلُوا۟ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴿4﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ ۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حِلٌّۭ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّۭ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍۢ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلْإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ﴿5﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًۭا فَٱطَّهَّرُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍۢ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿6﴾
التفسير:
يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلىالقول في تأويل قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة يعني بذلك جل ثناؤه : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم على غير طهر الصلاة , فاغسلوا وجوهكم بالماء , وأيديكم إلى المرافق . ثم اختلف أهل التأويل في قوله : إذا قمتم إلى الصلاة أمراد به كل حال قام إليها , أو بعضها ؟ وأي أحوال القيام إليها ؟ فقال بعضهم في ذلك بنحو ما قلنا فيه من أنه معني به بعض أحوال القيام إليها دون كل الأحوال , وأن الحال التي عنى بها حال القيام إليها على غير طهر . ذكر من قال ذلك : 8857 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا عبيد الله , قال : سئل عكرمة عن قول الله : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق فكل ساعة يتوضأ ؟ فقال : قال ابن عباس : لا وضوء إلا من حدث . 8858 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , قال : سمعت مسعود بن علي الشيباني , قال : سمعت عكرمة , قال : كان سعد بن أبي وقاص يصلي الصلوات بوضوء واحد . 8859 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا سفيان بن حبيب , عن مسعود بن علي , عن عكرمة , قال : كان سعد بن أبي وقاص يقول : صل بطهورك ما لم تحدث . 8860 - حدثنا أحمد بن عبدة الضبي , قال : أخبرنا سليم بن أخضر , قال : أخبرنا ابن عون عن محمد , قال : قلت لعبيدة السلماني : ما يوجب الوضوء ؟ قال : الحدث . 8861 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن واقع بن سحبان بن يزيد بن طريف أو طريف بن يزيد أنهم كانوا مع أبي موسى على شاطئ دجلة , فتوضئوا فصلوا الظهر , فلما نودي بالعصر , قام رجال يتوضئون من دجلة , فقال : إنه لا وضوء إلا على من أحدث . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن سعيد , عن قتادة , عن طريف بن زياد - أو زياد بن طريف - عن واقع بن سحبان : أنه شهد أبا موسى صلى بأصحابه الظهر , ثم جلسوا حلقا على شاطئ دجلة , فنودي بالعصر , فقام رجال يتوضئون , فقال أبو موسى : لا وضوء إلا على من أحدث . * - حدثنا ابن بشار وابن المثنى , قالا : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , قال : سمعت قتادة يحدث عن واقع بن سحبان , عن طريف بن يزيد - أو يزيد بن طريف - حدثنا قال : كنت مع أبي موسى بشاطئ دجلة فذكر نحوه . * - حدثنا ابن بشار وابن المثنى , قالا : ثنا عبد الرحمن بن مهدي , قال : ثنا شعبة , عن قتادة , عن واقع بن سحبان , عن طريف بن يزيد - أو يزيد بن طريف - عن أبي موسى , مثله . 8862 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا أبو خالد , قال : توضأت عند أبي العالية الظهر أو العصر , فقلت : أصلي بوضوئي هذا , فإني لا أرجع إلى أهلي إلى العتمة ؟ قال أبو العالية : لا حرج . وعلمنا : إذا توضأ الإنسان فهو في وضوئه حتى يحدث حدثا . 8863 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا ابن هلال , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب , قال : الوضوء من غير حدث اعتداء . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا أبو داود , قال ثنا أبو هلال , عن قتادة , عن سعيد , مثله . 8864 - حدثني أبو السائب , قال : ثنا أبو معاوية عن الأعمش , قال : رأيت إبراهيم صلى بوضوء واحد , الظهر والعصر والمغرب . 8865 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا عثام , قال : ثنا الأعمش , قال : كنت مع يحيى , فأصلي الصلوات بوضوء واحد , قال : وإبراهيم مثل ذلك . 8866 - حدثنا سوار بن عبد الله , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا يزيد بن إبراهيم , قال : سمعت الحسن سئل عن الرجل يتوضأ فيصلي الصلوات كلها بوضوء واحد , فقال : لا بأس به ما لم يحدث . 8867 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضع , قال : ثنا عبيد , عن الضحاك , قال : يصلي الصلوات بالوضوء الواحد ما لم يحدث . 8868 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال ثنا زائدة عن الأعمش , عن عمارة , قال : كان الأسود يصلي الصلوات بوضوء واحد . 8869 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة يقول : قمتم وأنتم على غير طهر . 8870 - حدثنا أبو السائب , قال : ثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن عمارة , عن الأسود : أنه كان له قعب قدر ري رجل , فكان يتوضأ ثم يصلي بوضوئه ذلك الصلوات كلها . 8871 - حدثنا محمد بن عباد بن موسى , قال : أخبرنا زياد بن عبد الله بن الطفيل البكائي , قال : ثنا الفضل بن المبشر , قال : رأيت جابر بن عبد الله يصلي الصلوات بوضوء واحد , فإذا بال أو أحدث توضأ ومسح بفضل طهوره الخفين . فقلت : أبا عبد الله أشيء تصنعه برأيك ؟ قال : بل رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه , فأنا أصنعه كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع . وقال آخرون : معنى ذلك : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم من نومكم إلى الصلاة . ذكر من قال ذلك : 8872 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني من سمع مالك بن أنس , يحدث عن زيد بن أسلم , قوله : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة قال : يعني : إذا قمتم من النوم . * - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب أن مالك بن أنس , أخبره عن زيد بن أسلم , بمثله . 8873 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قوله : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم قال : فقال : قمتم إلى الصلاة من النوم . وقال آخرون : بل ذلك معني به كل حال قيام المرء إلى صلاته أن يجدد لها طهرا . ذكر من قال ذلك : 8874 - حدثنا حميد بن مسعدة قال : ثنا سفيان بن حبيب , عن مسعود بن علي , قال : سألت عكرمة , قال : قلت يا أبا عبد الله , أتوضأ لصلاة الغداة ثم آتي السوق فتحضر صلاة الظهر فأصلي ؟ قال : كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق . * - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , قال : سمعت مسعود بن علي الشيباني , قال : سمعت عكرمة يقول : كان علي رضي الله عنه يتوضأ عند كل صلاة , ويقرأ هذه الآية : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الآية . 8875 - حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة , قال : ثنا أزهر , عن ابن عون , عن ابن سيرين : أن الخلفاء كانوا يتوضئون لكل صلاة . 8876 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن حميد , عن أنس , قال : توضأ عمر بن الخطاب وضوءا فيه تجوز خفيفا , فقال : هذا وضوء من لم يحدث . 8877 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثني وهب بن جرير , قال : أخبرنا شعبة , عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال , قال : رأيت عليا صلى الظهر ثم قعد للناس في الرحبة , ثم أتي بماء فغسل وجهه ويديه , ثم مسح برأسه ورجليه , وقال : هذا وضوء من لم يحدث . 8878 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , عن مغيرة , عن إبراهيم : أن عليا اكتال من حب فتوضأ وضوءا فيه تجوز , فقال : هذا وضوء من لم يحدث . وقال آخرون : بل كان هذا أمرا من الله عز ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به أن يتوضئوا لكل صلاة , ثم نسخ ذلك بالتخفيف . ذكر من قال ذلك : 8879 - حدثني عبد الله بن أبي زياد القطواني , قال : ثنا يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا أبي , عن ابن إسحاق قال : ثني محمد بن يحيى بن حيان الأنصاري ثم المازني , مازن بني النجار , فقال لعبيد الله بن عبد الله بن عمر : أخبرني عن وضوء عبد الله لكل صلاة , طاهرا كان أو غير طاهر , عمن هو ؟ قال : حدثتنيه أسماء ابنة زيد بن الخطاب , أن عبد الله بن زيد بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل حدثها : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة , فشق ذلك عليه , فأمر بالسواك , ورفع عنه الوضوء إلا من حدث . فكان عبد الله يرى أن به قوة عليه , فكان يتوضأ * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة بن الفضل , عن ابن إسحاق , عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال : ثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري , قال : قلت لعبيد الله بن عبد الله بن عمر , أخبرني عن وضوء عبد الله لكل صلاة ! ثم ذكر نحوه . 8880 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا يحيى وعبد الرحمن , قالا : ثنا سفيان , عن علقمة بن مرثد , عن سليمان بن بريدة , عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة , فلما كان عام الفتح , صلى الصلوات بوضوء واحد , ومسح على خفيه , فقال عمر : إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله ! قال : " عمدا فعلته " 8881 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , عن سفيان , عن محارب بن دثار , عن سليمان بن بريدة , عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة , فلما كان يوم فتح مكة , صلى الصلوات كلها بوضوء واحد * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن محارب , بن دثار , عن سليمان بن بريدة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ , فذكر نحوه . * - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا معاوية بن هشام , عن سفيان , عن علقمة بن مرثد , عن ابن بريدة , عن أبيه , قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات كلها بوضوء واحد , فقال له عمر : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم , صنعت شيئا لم تكن تصنعه ؟ فقال : " عمدا فعلته يا عمر " * - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا معاوية , عن سفيان , عن محارب بن دثار , عن سليمان بن بريدة , عن أبيه , قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة , فلما فتح مكة , صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد 8882 - حدثنا محمد بن عبيد المحاربي , قال : ثنا الحكم بن ظهير , عن مسعر , عن محارب بن دثار , عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد فإن ظن ظان أن في الحديث الذي ذكرناه عن عبد الله بن حنظلة , أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة , دلالة على خلاف ما قلنا من أن ذلك كان ندبا للنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه , وخيل إليه أن ذلك كان على الوجوب ; فقد ظن غير الصواب , وذلك أن قول القائل : أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا , محتمل من وجوه لأمر الإيجاب والإرشاد والندب والإباحة والإطلاق , وإذ كان محتملا ما ذكرنا من الأوجه , كان أولى وجوهه به ما على صحته الحجة مجمعة دون ما لم يكن على صحته برهان يوجب حقية مدعيه . وقد أجمعت الحجة على أن الله عز وجل لم يوجب على نبيه صلى الله عليه وسلم ولا على عباده فرض الوضوء لكل صلاة , ثم نسخ ذلك , ففي إجماعها على ذلك الدلالة الواضحة على صحة ما قلنا من أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يفعل من ذلك كان على ما وصفنا من إيثاره فعل ما ندبه الله عز ذكره إلى فعله وندب إليه عباده المؤمنين بقوله : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق الآية , وأن تركه في ذلك الحال التي تركه كان ترخيصا لأمته وإعلاما منه لهم أن ذلك غير واجب ولا لازم له ولا لهم , إلا من حدث يوجب نقض الطهر . وقد روي بنحو ما قلنا في ذلك أخبار : 8883 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثني وهب بن جرير , قال : ثنا شعبة , عن عمرو بن عامر , عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بقعب صغير , فتوضأ . قال : قلت لأنس : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة ؟ قال : نعم . قلت : فأنتم ؟ قال : كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد 8884 - حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي , ثنا عيسى بن يونس , عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي , عن أبي غطيف , قال : صليت مع ابن عمر الظهر , فأتى مجلسا في داره , فجلس وجلست معه , فلما نودي بالعصر دعا بوضوء فتوضأ , ثم خرج إلى الصلاة , ثم رجع إلى مجلسه ; فلما نودي بالمغرب دعا بوضوء فتوضأ , فقلت : أسنة ما أراك تصنع ؟ قال : لا , وإن كان وضوئي لصلاة الصبح كافيا للصلوات كلها ما لم أحدث , ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات " , فأنا رغبت في ذلك * - حدثني أبو سعيد البغدادي , قال : ثنا إسحاق بن منصور , عن هريم , عن عبد الرحمن بن زياد , عن أبي غطيف , عن ابن عمر , قال : قال رسول الله : " من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات " وقد قال قوم : إن هذه الآية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم إعلاما من الله له بها أن لا وضوء عليه , إلا إذا قام إلى صلاته دون غيرها من الأعمال كلها , وذلك أنه كان إذا أحدث امتنع من الأعمال كلها حتى يتوضأ , فأذن له بهذه الآية أن يفعل كل ما بدا له من الأفعال بعد الحدث عدا الصلاة توضأ أو لم يتوضأ , وأمره بالوضوء إذا قام إلى الصلاة قبل الدخول فيها . ذكر من قال ذلك : 8885 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا معاوية بن هشام , عن سفيان , عن جابر بن عبد الله بن أبي بكر , عن عمرو بن حزم , عن عبد الله بن علقمة بن وقاص , عن أبيه , قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراق البول نكلمه فلا يكلمنا ونسلم عليه فلا يرد علينا , حتى يأتي منزله فيتوضأ كوضوئه للصلاة , فقلنا : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم نكلمك فلا تكلمنا ونسلم عليك فلا ترد علينا ! قال : حتى نزلت آية الرخصة : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة الآيةالصلاة فاغسلواالقول في تأويل قوله تعالى : فاغسلوا وجوهكم اختلف أهل التأويل في حد الوجه الذي أمر الله بغسله , القائم إلى الصلاة بقوله : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ; فقال بعضهم : هو ما ظهر من بشرة الإنسان من قصاص شعر رأسه , منحدرا إلى منقطع ذقنه طولا , وما بين الأذنين عرضا . قالوا : فأما الأذن وما بطن من داخل الفم والأنف والعين فليس من الوجه ولا غيره , ولا أحب غسل ذلك ولا غسل شيء منه في الوضوء . قالوا : وأما ما غطاه الشعر منه كالذقن الذي غطاء شعر اللحية والصدغين اللذين قد غطاهما عذر اللحية , فإن إمرار الماء على ما على ذلك من الشعر مجزئ عن غسل ما بطن منه من بشرة الوجه ; لأن الوجه عندهم هو ما ظهر لعين الناظر من ذلك فقابلها دون غيره . ذكر من قال ذلك : 8886 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا عمر بن عبيد , عن معمر , عن إبراهيم , قال : . يجزئ اللحية ما سال عليها من الماء . * - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا شعبة , قال : ثنا المغيرة , عن إبراهيم , قال : يكفيه ما سال من الماء من وجهه على لحيته . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن شعبة , عن المغيرة , عن إبراهيم , بنحوه . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا أبو داود , عن شعبة , عن مغيرة , عن إبراهيم , بنحوه . 8887 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن مغيرة في تخليل اللحية , قال : يجزيك ما مر على لحيتك . 8888 - حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني , قال : ثنا مصعب بن المقدام , قال : ثنا زائدة , عن منصور , قال : رأيت إبراهيم يتوضأ , فلم يخلل لحيته . * - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن إدريس , عن سعيد الزبيدي , عن إبراهيم , قال : . يجزيك ما سال عليها من أن تخللها . 8889 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , عن شعبة , عن يونس , قال : . كان الحسن إذا توضأ مسح لحيته مع وجهه . * - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن إدريس , قال : ثنا هشام , عن الحسن , أنه كان لا يخلل لحيته . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا ابن المبارك , عن هشام , عن الحسن أنه كان لا يخلل لحيته إذا توضأ . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن إسماعيل , عن الحسن , مثله . 8890 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , عن أشعث , عن ابن سيرين , قال : ليس غسل اللحية من السنة . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن عيسى بن يزيد , عن عمرو , عن الحسن أنه كان إذا توضأ لم يبلغ الماء في أصول لحيته . 8891 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن أبي شيبة سعيد بن عبد الرحمن الزبيدي , قال : سألت إبراهيم أخلل لحيتي عند الوضوء بالماء ؟ فقال : لا , إنما يكفيك ما مرت عليه يدك . * - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , قال : سألت شعبة عن تخليل اللحية في الوضوء , فقال : قال المغيرة : قال إبراهيم : يكفيه ما سال من الماء من وجهه على لحيته . 8892 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا حجاج بن رشدين , قال : ثنا عبد الجبار بن عمر : أن ابن شهاب وربيعة توضئا , فأمرا الماء على لحاهما , ولم أر واحدا منهما خلل لحيته . 8893 - حدثنا أبو الوليد الدمشقي , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : سألت سعيد بن عبد العزيز , عن عرك العارضين في الوضوء , فقال : ليس ذلك بواجب , رأيت مكحولا يتوضأ فلا يفعل ذلك . 8894 - حدثنا أبو الوليد أحمد بن عبد الرحمن القرشي , قال : ثنا الوليد , قال : أخبرني سعيد بن بشير , عن قتادة , عن الحسن , قال : ليس عرك العارضين في الوضوء بواجب . * - حدثنا أبو الوليد , قال : ثنا الوليد , قال : أخبرني إبراهيم بن محمد , عن المغيرة , عن إبراهيم , قال : يكفيه ما مر من الماء على لحيته . 8895 - حدثنا أبو الوليد القرشي , قال : ثنا الوليد , قال : أخبرني ابن لهيعة , عن سليمان بن أبي زينب , قال : سألت القاسم بن محمد كيف أصنع بلحيتي إذا توضأت ؟ قال : . لست من الذين يغسلون لحاهم . 8896 - حدثنا أبو الوليد , قال : ثنا الوليد , قال أبو عمرو : ليس عرك العارضين وتشبيك اللحية بواجب في الوضوء . ذكر من قال ما حكينا عنه من أهل هذه المقالة في غسل ما بطن من الفم والأنف : 8897 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن عبد الملك بن أبي بشير , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : لولا التلمظ في الصلاة ما مضمضت . 8898 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن إدريس , قال : سمعت عبد الملك يقول : سئل عطاء , عن رجل صلى ولم يمضمض قال : ما لم يسم في الكتاب يجزئه . 8899 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , عن مغيرة , عن إبراهيم , قال : ليس المضمضة والاستنشاق من واجب الوضوء . 8900 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا الصباح , عن أبي سنان , قال : كان الضحاك ينهانا عن المضمضة والاستنشاق في الوضوء في رمضان . 8901 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن إدريس , قال : سمعت هشاما , عن الحسن , قال : إذا نسي المضمضة والاستنشاق , قال : إن ذكر وقد دخل في الصلاة فليمض في صلاته , وإن كان لم يدخل تمضمض واستنشق . 8902 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن شعبة , قال : سألت الحكم وقتادة , عن رجل ذكر وهو في الصلاة أنه لم يتمضمض ولم يستنشق , فقال : يمضي في صلاته . ذكر من قال ما حكينا عنه من أهل هذه المقالة من أن الأذنين ليستا من الوجه : 8903 - حدثني يزيد بن مخلد الواسطي , قال : ثنا هشيم , عن غيلان , قال : سمعت ابن عمر يقول : الأذنان من الرأس . * - حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير , قال : ثنا أبو مطرف , قال : ثنا غيلان مولى بني مخزوم , قال : سمعت ابن عمر يقول : الأذنان من الرأس . * - حدثنا الحسن بن عرفة , قال : ثنا محمد بن يزيد , عن محمد بن إسحاق , عن نافع , عن ابن عمر , قال : الأذنان من الرأس , فإذا مسحت الرأس فامسحهما . * - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرني غيلان بن عبد الله مولى قريش , قال : سمعت ابن عمر سأله سائل , قال : إنه توضأ ونسي أن يمسح أذنيه , قال : فقال ابن عمر : الأذنان من الرأس . ولم ير عليه بأسا . * - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا أيوب بن سويد . ح , وحدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن جميعا , عن سفيان , عن سالم أبي النضر , عن سعيد بن مرجانة , عن ابن عمر , أنه قال : الأذنان من الرأس . * - حدثني ابن المثنى , قال : ثني وهب بن جرير , قال : ثنا شعبة , عن رجل , عن ابن عمر , قال : الأذنان من الرأس . 8904 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا حماد بن سلمة , عن علي بن زيد , عن يوسف بن مهران , عن ابن عباس , قال : الأذنان من الرأس . 8905 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن الحسن وسعيد بن المسيب , قالا : الأذنان من الرأس . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن سعيد , عن قتادة , قال : الأذنان من الرأس عن الحسن وسعيد . * - حدثنا أبو الوليد الدمشقي , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : أخبرني أبو عمرو , عن يحيى بن أبي كثير , عن ابن عمر , قال : الأذنان من الرأس . * - حدثنا أبو الوليد , قال : ثنا الوليد , قال : أخبرني ابن لهيعة , عن أبي النضر , عن ابن عمر , مثله . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن عيسى بن يزيد , عن عمرو , عن الحسن , قال : الأذنان من الرأس . 8906 - حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع , قال : ثنا حماد بن زيد , عن سنان بن ربيعة , عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة أو عن أبي هريرة ; شك ابن بزيع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الأذنان من الرأس " 8907 - ثنا أبو كريب , قال : ثنا معلى بن منصور , عن حماد بن زيد , عن سنان بن ربيعة , عن شهر بن حوشب , عن أبي أمامة , قال : الأذنان من الرأس قال حماد : لا أدري هذا عن أبي أمامة أو عن النبي صلى الله عليه وسلم . * - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا أبو أسامة , قال : ثني حماد بن زيد , قال : ثني سنان بن ربيعة أبو ربيعة عن شهر بن حوشب , عن أبي أمامة , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الأذنان من الرأس " 8908 - حدثنا أبو الوليد الدمشقي , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : أخبرني ابن جريج وغيره , عن سليمان بن موسى , أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الأذنان من الرأس " 8909 - حدثنا الحسن بن شبيب , قال : ثنا علي بن هاشم بن البريد , قال : ثنا إسماعيل بن مسلم , عن عطاء , عن أبي هريرة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الأذنان من الرأس " 8910 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا سفيان بن حبيب , عن يونس , أن الحسن , قال : الأذنان من الرأس . وقال آخرون : الوجه : كل ما دون منابت شعر الرأس إلى منقطع الذقن طولا , ومن الأذن إلى الأذن عرضا , ما ظهر من ذلك لعين الناظر , وما بطن منه من منابت شعر اللحية النابت على الذقن وعلى العارضين , وما كان منه داخل الفم والأنف , وما أقبل من الأذنين على الوجه . كل ذلك عندهم من الوجه الذي أمر الله بغسله بقوله : فاغسلوا وجوهكم وقالوا : إن ترك شيئا من ذلك المتوضئ فلم يغسله لم تجزه صلاته بوضوئه ذلك . ذكر من قال ذلك : 8911 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثني محمد بن بكر وأبو عاصم , قالا : أخبرنا ابن جريج , قال : أخبرني نافع : أن ابن عمر كان يبل أصول شعر لحيته , ويغلغل بيده في أصول شعرها حتى تكثر القطرات منها . * - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا سفيان بن حبيب , عن ابن جريج , قال : أخبرني نافع مولى ابن عمر : أن ابن عمر كان يغلغل يديه في لحيته حتى تكثر منها القطرات . * - حدثنا عمران بن موسى , قال : ثنا عبد الوارث , عن سعيد , قال : ثنا ليث , عن نافع , عن ابن عمر : كان إذا توضأ خلل لحيته حتى يبلغ أصول الشعر . 8912 - حدثنا ابن أبي الشوارب , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا معلى بن جابر اللقيطي , قال : أخبرني الأزرق بن قيس , قال : رأيت ابن عمر توضأ فخلل لحيته . * - حدثنا يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا ليث , عن نافع : أن ابن عمر كان يخلل لحيته بالماء حتى يبلغ أصول الشعر . 8913 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن بكر , قال : ثنا ابن جريج , قال : أخبرني عبد الله بن عبيد بن عمير : أن أباه عبيد بن عمير كان إذا توضأ غلغل أصابعه في أصول شعر الوجه يغلغلها بين الشعر في أصوله يدلك بأصابعه البشرة . فأشار لي عبد الله كما أخبره الرجل , كما وصف عنه . 8914 - حدثنا أبو الوليد , قال : ثنا الوليد , قال : ثنا أبو عمرو , عن نافع , عن ابن عمر : أنه كان إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك , وشبك لحيته بأصابعه أحيانا ويترك أحيانا . 8915 - حدثنا أبو الوليد , وعلي بن سهل , قالا : ثنا الوليد , قال : قال ثنا أبو عمرو , وأخبرني عبدة , عن أبي موسى الأشعري نحو ذلك . 8916 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن مسلم , قال : . رأيت ابن أبي ليلى توضأ فغسل لحيته وقال : من استطاع منكم أن يبلغ الماء أصول الشعر فليفعل . 8917 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا سفيان بن حبيب , عن ابن جريج , عن عطاء , قال : حق عليه أن يبل أصول الشعر . 8918 - حدثنا ابن أبي الشوارب , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا شعبة , عن الحكم , قال : كان مجاهد يخلل لحيته . * - حدثنا حميد , قال : ثنا سفيان , عن شعبة , عن الحكم , عن مجاهد : أنه كان يخلل لحيته إذا توضأ . * - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن الحكم , عن مجاهد , مثله . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن شعبة , عن الحكم , عن مجاهد , مثله . 8919 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا أبو داود الحفري , عن سفيان , عن ابن شبرمة , عن سعيد بن جبير , قال : ما بال اللحية تغسل قبل أن تنبت فإذا نبتت لم تغسل ؟ . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا عبيد الله , عن نافع , عن ابن عمر : أنه كان يخلل لحيته إذا توضأ . 8920 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن عنبسة , عن ليث , عن طاوس , أنه . كان يخلل لحيته . 8921 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن إسماعيل , عن ابن سيرين , أنه كان يخلل لحيته . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا ابن المبارك , عن هشام , عن ابن سيرين , مثله . * - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : سألت شعبة , عن تخليل اللحية في الوضوء , فذكر عن الحكم بن عتيبة : أن مجاهدا كان يخلل لحيته . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن عمرو عن معروف , قال : رأيت ابن سيرين توضأ فخلل لحيته . * - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن إدريس , قال : ثنا هشام , عن ابن سيرين , مثله . 8922 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن سفيان , عن الزبير بن عدي , عن الضحاك , قال : رأيته يخلل لحيته . 8923 - حدثنا تميم بن المنتصر , قال : أخبرنا محمد بن يزيد , عن أبي الأشهب , عن موسى بن أبي عائشة , عن زيد الخدري , عن يزيد الرقاشي , عن أنس بن مالك , قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فخلل لحيته , فقلت : لم تفعل هذا يا نبي الله ؟ قال : " أمرني بذلك ربي " * - حدثنا تميم , قال : أخبرنا محمد بن يزيد , عن سلام بن سلم , عن زيد العمي , عن معاوية بن قرة أو يزيد الرقاشي , عن أنس , قال : وضأت النبي صلى الله عليه وسلم , فأدخل أصابعه من تحت حنكه , فخلل لحيته , وقال : " بهذا أمرني ربي جل وعز " * - حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي , قال : ثنا المحاربي , عن سلام بن سلم المديني , قال : ثنا زيد العمي , عن معاوية بن قرة , عن أنس بن مالك , عن النبي صلى الله عليه وسلم , نحوه . * - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا أبو عبيدة الحداد , قال : ثنا موسى بن شروان , عن يزيد الرقاشي , عن أنس , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هكذا أمرني ربي " . وأدخل أصابعه في لحيته , فخللها 8924 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا معاوية بن هشام وعبيد الله بن موسى , عن خالد بن إلياس , عن عبد الله بن رافع , عن أم سلمة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ , فخلل لحيته 8925 - حدثنا علي بن الحسين بن الحر , قال : ثنا محمد بن ربيعة , عن واصل بن السائب , عن أبي سورة , عن أبي أيوب , قال : " رأينا النبي صلى الله عليه وسلم توضأ , وخلل لحيته " 8926 - حدثنا أبو هشام الرفاعي , قال : ثنا زيد بن حباب , قال : ثنا عمر بن سليمان , عن أبي غالب , عن أبي أمامة : " أن النبي صلى الله عليه وسلم خلل لحيته " 8927 - حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني , قال : ثنا سفيان , عن عبد الكريم أبي أمية : أن حسان بن ثابت المزني رأى عمار بن ياسر توضأ وخلل لحيته , فقيل له : أتفعل هذا , فقال : إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله 8928 - حدثنا أبو الوليد , قال : ثنا الوليد , قال : ثنا أبو عمرو , قال : أخبرني عبد الواحد بن قيس , عن يزيد الرقاشي وقتادة : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم , كان إذا توضأ عرك عارضيه , وشبك لحيته بأصابعه " 8929 - حدثنا أبو الوليد , قال : ثنا الوليد , قال : أخبرني أبو مهدي بن سنان , عن أبي الزاهرية , عن جبير بن نفير , عن النبي صلى الله عليه وسلم , نحوه . 8930 - حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي , قال : ثنا محمد بن عبيد الطنافسي أبو عبد الله , قال : ثني واصل الرقاشي , عن أبي سورة هكذا قال الأحمسي عن أبي أيوب , قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ تمضمض ومسح لحيته من تحتها بالماء " ذكر من قال ما حكينا عنه من أهل هذه المقالة في غسل ما بطن من الأنف والفم : 8931 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن ابن أبي نجيح , قال : سمعت مجاهدا يقول : الاستنشاق شطر الوضوء . 8932 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن شعبة , قال : سألت حمادا عن رجل ذكر وهو في الصلاة أنه لم يتمضمض ولم يستنشق , قال حماد : ينصرف فيتمضمض ويستنشق . 8933 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا الصباح , عن أبي سنان , قال : قدمت الكوفة فأتيت حمادا فسألته عن ذلك , يعني عمن ترك المضمضة والاستنشاق وصلى فقال : أرى عليه إعادة الصلاة . 8934 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا شعبة , قال : كان قتادة يقول : إذا ترك المضمضة أو الاستنشاق أو أذنه أو طائفة من رجله حتى يدخل في صلاته , فإنه ينفتل ويتوضأ , ويعيد صلاته . ذكر من قال ما حكينا عنه من أهل هذه المقالة من أن ما أقبل من الأذنين فمن الوجه , وما أدبر فمن الرأس : 8935 - حدثنا أبو السائب , قال : ثنا حفص بن غياث , قال : ثنا أشعث , عن الشعبي , قال : ما أقبل من الأذنين فمن الوجه , وما أدبر فمن الرأس . * - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثني شعبة , عن الحكم وحماد , عن الشعبي في الأذنين : باطنهما من الوجه , وظاهرهما من الرأس . * - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن الحكم , عن الشعبي , قال : مقدم الأذنين من الوجه , ومؤخرهما من الرأس . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن شعبة , عن الحكم وحماد , عن الشعبي بمثله , إلا أنه قال : باطن الأذنين . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن حماد , عن الشعبي بمثله , إلا أنه قال : باطن الأذنين . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن حماد , عن الشعبي , بمثله . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن الشعبي , قال : باطن الأذنين من الوجه , وظاهرهما من الرأس . 8936 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا أبو تميلة . ح , وحدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , قالا جميعا : ثنا محمد بن إسحاق , قال : ثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة , عن عبيد الله الخولاني , عن ابن عباس قال : قال علي بن أبي طالب : ألا أتوضأ لكم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : قلنا : نعم . فتوضأ , فلما غسل وجهه , ألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه , قال : ثم لما مسح برأسه مسح أذنيه من ظهورهما وأولى الأقوال بالصواب في ذلك عندنا قول من قال : الوجه الذي أمر الله جل ذكره بغسله القائم إلى صلاته : كل ما انحدر عن منابت شعر الرأس إلى منقطع الذقن طولا , وما بين الأذنين عرضا مما هو ظاهر لعين الناظر , دون ما بطن من الفم والأنف والعين , ودون ما غطاه شعر اللحية والعارضين والشاربين فستره عن أبصار الناظرين , ودون الأذنين . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب وإن كان ما تحت شعر اللحية والشاربين قد كان وجها يجب غسله قبل نبات الشعر الساتر عن أعين الناظرين على القائم إلى صلاته , لإجماع جميعهم على أن العينين من الوجه , ثم هم مع إجماعهم على ذلك مجمعون على أن غسل ما علاهما من أجفانهما دون إيصال الماء إلى ما تحت الأجفان منهما مجزئ ; فإذا كان ذلك منهم إجماعا بتوقيف الرسول صلى الله عليه وسلم أمته على ذلك , فنظير ذلك كل ما علاه شيء من مواضع الوضوء من جسد ابن آدم من نفس خلقة ساتره لا يصل الماء إليه إلا بكلفة ومؤنة وعلاج , قياسا لما ذكرنا من حكم العينين في ذلك . فإذا كان ذلك كذلك , فلا شك أن مثل العينين في مؤنة إيصال الماء إليهما عند الوضوء ما بطن من الأنف والفم وشعر اللحية والصدغين والشاربين ; لأن كل ذلك لا يصل الماء إليه إلا بعلاج لإيصال الماء إليه نحو كلفة علاج الحدقتين لإيصال الماء إليهما أو أشد . وإذا كان ذلك كذلك , كان بينا أن غسل من غسل من الصحابة والتابعين ما تحت منابت شعر اللحية والعارضين والشاربين وما بطن من الأنف والفم , إنما كان إيثارا منه لأشق الأمرين عليه من غسل ذلك وترك غسله , كما آثر ابن عمر غسل ما تحت أجفان العينين بالماء بصبه الماء في ذلك , لا على أن ذلك كان عليه عنده فرضا واجبا . فأما من ظن أن ذلك من فعلهم كان على وجه الإيجاب والفرض , فإنه خالف في ذلك بقوله منهاجهم وأغفل سبيل القياس ; لأن القياس هو ما وصفنا من تمثيل المختلف فيه من ذلك بالأصل المجمع عليه من حكم العينين , وأن لا خبر عن واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب على تارك إيصال الماء في وضوئه إلى أصول شعر لحيته وعارضيه , وتارك المضمضة والاستنشاق إعادة صلاته إذا صلى بطهره ذلك , ففي ذلك أوضح الدليل على صحة ما قلنا من أن فعلهم ما فعلوا من ذلك كان إيثارا منهم لأفضل الفعلين من الترك والغسل . فإن ظن ظان أن في الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , أنه قال : " إذا توضأ أحدكم فليستنثر " دليلا على وجوب الاستنثار , فإن في إجماع الحجة على أن ذلك غير فرض يجب على من تركه إعادة الصلاة التي صلاها قبل غسله , ما يغني عن إكثار القول فيه . وأما الأذنان فإن في إجماع جميعهم على أن ترك غسلهما أو غسل ما أقبل منهما على الوجه , غير مفسد صلاة من صلى بطهره الذي ترك فيه غسلهما , مع إجماعهم جميعا على أنه لو ترك غسل شيء مما يجب عليه غسله من وجهه في وضوئه أن صلاته لا تجزئه بطهوره ذلك , ما ينبئ عن القول في ذلك مما قاله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرنا قولهم إنهما ليسا من الوجه ; دون ما قاله الشعبي .وجوهكم وأيديكم إلىالقول في تأويل قوله تعالى : وأيديكم إلى المرافق اختلف أهل التأويل في المرافق , هل هي من اليد الواجب غسلها أم لا ؟ بعد إجماع جميعهم على أن غسل اليد إليها واجب . فقال مالك بن أنس وسئل عن قول الله : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق أترى أن يخلف المرفقين في الوضوء ؟ قال : الذي أمر به أن يبلغ " المرفقين " , قال تبارك وتعالى : فاغسلوا وجوهكم فذهب هذا يغسل خلفه ! فقيل له : فإنما يغسل إلى المرفقين والكعبين لا يجاوزهما ؟ فقال : لا أدري ما لا يجاوزهما ; أما الذي أمر به أن يبلغ به فهذا : إلى المرفقين والكعبين . حدثنا يونس , عن أشهب عنه . وقال الشافعي : لم أعلم مخالفا في أن المرافق فيما يغسل كأنه يذهب إلى أن معناها : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى أن تغسل المرافق حدثنا بذلك عنه الربيع . وقال آخرون : إنما أوجب الله بقوله : وأيديكم إلى المرافق غسل اليدين إلى المرافق , فالمرفقان غاية لما أوجب الله غسله من آخر اليد , والغاية غير داخلة في الحد , كما غير داخل الليل فيما أوجب الله تعالى على عباده من الصوم بقوله : ثم أتموا الصيام إلى الليل لأن الليل غاية لصوم الصائم , إذا بلغه فقد قضى ما عليه . قالوا : فكذلك المرافق في قوله : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق غاية لما أوجب الله غسله من اليد . وهذا قول زفر بن الهذيل . والصواب من القول في ذلك عندنا : أن غسل اليدين إلى المرفقين من الفرض الذي إن تركه أو شيئا منه تارك , لم تجزه الصلاة مع تركه غسله . فأما المرفقان وما وراءهما , فإن غسل ذلك من الندب الذي ندب إليه صلى الله عليه وسلم أمته بقوله : " أمتي الغر المحجلون من آثار الوضوء , فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل " فلا تفسد صلاة تارك غسلهما وغسل ما وراءهما , لما قد بينا قبل فيما مضى من أن لك غاية حدت ب " إلى " فقد تحتمل في كلام العرب دخول الغاية في الحد وخروجها منه . وإذا احتمل الكلام ذلك لم يجز لأحد القضاء بأنها داخلة فيه , إلا لمن لا يجوز خلافه فيما بين وحكم , ولا حكم بأن المرافق داخلة فيما يجب غسله عندنا ممن يجب التسليم بحكمه .المرافق وامسحواالقول في تأويل قوله تعالى : وامسحوا برءوسكم اختلف أهل التأويل في صفة المسح الذي أمر الله به بقوله : وامسحوا برءوسكم فقال بعضهم : وامسحوا بما بدا لكم أن تمسحوا به من رءوسكم بالماء إذا قمتم إلى الصلاة . ذكر من قال ذلك : 8937 - حدثنا نصر بن علي الجهضمي , قال : ثنا حماد بن مسعدة , عن عيسى بن حفص , قال : ذكر عند القاسم بن محمد مسح الرأس , فقال : يا نافع كيف كان ابن عمر يمسح ؟ فقال : مسحة واحدة . ووصف أنه مسح مقدم رأسه إلى وجهه . فقال القاسم : ابن عمر أفقهنا وأعلمنا . 8938 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : سمعت يحيى بن سعيد , يقول : أخبرني نافع أن ابن عمر كان إذا توضأ رد كفيه إلى الماء ووضعهما فيه , ثم مسح بيديه مقدم رأسه . 8939 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن بكير , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : أخبرني نافع : أن ابن عمر كان يضع بطن كفيه على الماء ثم لا ينفضهما ثم يمسح بهما ما بين قرنيه إلى الجبين واحدة , ثم لا يزيد عليها في كل ذلك مسحة واحدة , مقبلة من الجبين إلى القرن . * - حدثنا تميم بن المنتصر , قال : ثنا إسحاق , قال : أخبرنا شريك , عن يحيى بن سعيد الأنصاري , عن نافع , عن ابن عمر : أنه كان إذا توضأ مسح مقدم رأسه . 8940 - حدثنا تميم بن المنتصر , قال : أخبرنا إسحاق , قال : أخبرنا شريك , عن عبد الأعلى الثعلبي , عن عبد الرحمن بن أبي ليلى , قال : يجزيك أن تمسح مقدم رأسك إذا كنت معتمرا , وكذلك تفعل المرأة . 8941 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا عبد الله الأشجعي , عن سفيان , عن ابن عجلان , عن نافع , قال : رأيت ابن عمر مسح بيافوخه مسحة . وقال سفيان : إن مسح شعره أجزأه ; يعني واحدة . 8942 - حدثنا أبو هشام , قال : ثنا عبد السلام بن حرب , قال : أخبرنا مغيرة , عن إبراهيم , قال : أي جوانب رأسك مسست الماء أجزأك . 8943 - حدثنا أبو هشام , قال : ثنا علي بن ظبيان , قال : ثنا إسماعيل بن أبي خالد , عن الشعبي , مثله . * - حدثنا الرفاعي , قال : ثنا وكيع , عن إسماعيل الأزرق , عن الشعبي , مثله . 8944 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا أيوب , عن نافع , قال : . كان ابن عمر يمسح رأسه هكذا , فوضع أيوب كفه وسط رأسه , ثم أمرها على مقدم رأسه . 8945 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا يزيد بن الحباب , عن سفيان , قال : إن مسح رأسه بأصبع واحدة أجزأه . 8946 - حدثنا أبو الوليد الدمشقي , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : قلت لأبي عمرو : ما يجزئ من مسح الرأس ؟ قال : أن تمسح مقدم رأسك إلى القفا أحب إلي . * - حدثني العباس بن الوليد , عن أبيه , عنه , نحوه . وقال آخرون : معنى ذلك : فامسحوا بجميع رءوسكم . قالوا : إن لم يمسح بجميع رأسه بالماء لم تجزه الصلاة بوضوئه ذلك . ذكر من قال ذلك : 8947 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : ثنا أشهب , قال : قال مالك : من مسح بعض رأسه ولم يعم أعاد الصلاة بمنزلة من غسل بعض وجهه أو بعض ذراعه . قال : وسئل مالك عن مسح الرأس , قال : يبدأ من مقدم وجهه , فيدير يديه إلى قفاه , ثم يردهما إلى حيث بدأ منه . وقال آخرون : لا يجزئ مسح الرأس بأقل من ثلاث أصابع , وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد . والصواب من القول في ذلك عندنا , أن الله جل ثناؤه أمر بالمسح برأسه القائم إلى صلاته مع سائر ما أمره بغسله معه أو مسحه , ولم يحد ذلك بحد لا يجوز التقصير عنه ولا يجاوزه . وإذ كان ذلك كذلك , فما مسح به المتوضئ من رأسه فاستحق بمسحه ذلك أن يقال : مسح برأسه , فقد أدى ما فرض الله عليه من مسح ذلك لدخوله فيما لزمه اسم ما مسح برأسه إذا قام إلى صلاته . فإن قال لنا قائل : فإن الله قد قال في التيمم : فامسحوا بوجوهكم وأيديكم أفيجزئ المسح ببعض الوجه واليدين في التيمم ؟ قيل له : كل ما مسح من ذلك بالتراب فيما تنازعت فيه العلماء , فقال بعضهم : يجزيه ذلك من التيمم , وقال بعضهم : لا يجزئه , فهو مجزئه , لدخوله في اسم الماسحين به . وما كان من ذلك مجمعا على أنه غير مجزئه , فمسلم لما جاءت به الحجة نقلا عن نبيها صلى الله عليه وسلم , ولا حجة لأحد علينا في ذلك إذ كان من قولنا : إن ما جاء في آي الكتاب عاما في معنى فالواجب الحكم به على عمومه حتى يخصه ما يجب التسليم له , فإذا خص منه شيء كان ما خص منه خارجا من ظاهره , وحكم سائره على العموم . وقد بينا العلة الموجبة صحة القول بذلك في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . والرأس الذي أمر الله جل وعز بالمسح بقوله به : وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين هو منابت شعر الرأس دون ما جاوز ذلك إلى القفا مما استدبر , ودون ما انحدر عن ذلك مما استقبل من قبل وجهه إلى الجبهة .برءوسكم وأرجلكم إلىالقول في تأويل قوله تعالى : وأرجلكم إلى الكعبين اختلفت القراء في قراءة ذلك , فقرأه جماعة من قراء الحجاز والعراق : وأرجلكم إلى الكعبين نصبا . فتأويله : إذا قمتم إلى الصلاة , فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق , وأرجلكم إلى الكعبين , وامسحوا برءوسكم . وإذا قرئ كذلك كان من المؤخر الذي معناه التقديم , وتكون " الأرجل " منصوبة , عطفا على " الأيدي " . وتأول قارئو ذلك كذلك , أن الله جل ثناؤه إنما أمر عباده بغسل الأرجل دون المسح بها . ذكر من قال : عنى الله بقوله : وأرجلكم إلى الكعبين الغسل : 8948 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا خالد الحذاء , عن أبي قلابة : أن رجلا صلى وعلى ظهر قدمه موضع ظفر , فلما قضى صلاته , قال له عمر : أعد وضوءك وصلاتك . 8949 - حدثنا حميد , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا إسرائيل , قال : ثنا عبد الله بن حسن , قال : ثنا هزيل بن شرحبيل , عن ابن مسعود , قال : خللوا الأصابع بالماء لا تخللها النار . 8950 - حدثنا عبد الله بن الصباح العطار , قال : ثنا حفص بن عمر الحوضي , قال : ثنا مرجى , يعني ابن رجاء اليشكري , قال : ثنا أبو روح عمارة بن أبي حفصة , عن المغيرة بن حنين : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يتوضأ وهو يغسل رجليه , فقال : " بهذا أمرت " 8951 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن واقد مولى زيد بن خليدة , قال : سمعت مصعب بن سعيد , يقول : رأى عمر بن الخطاب قوما يتوضئون , فقال : خللوا . 8952 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : سمعت يحيى , قال : سمعت القاسم , قال : كان ابن عمر يخلع خفيه , ثم يتوضأ فيغسل رجليه , ثم يخلل أصابعه . 8953 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن الزبير بن عدي , عن إبراهيم , قال : قلت للأسود : رأيت عمر يغسل قدميه غسلا ؟ قال : نعم . 8954 - حدثني محمد بن خلف , قال : ثنا إسحاق بن منصور , قال : ثنا محمد بن مسلم , عن إبراهيم بن ميسرة , عن عمر بن عبد العزيز أنه قال لابن أبي سويد : بلغنا عن ثلاثة كلهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يغسل قدميه غسلا , أدناهم ابن عمك المغيرة 8955 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا الصباح , عن محمد , وهو ابن أبان , عن أبي إسحاق , عن الحارث , عن علي , قال : اغسلوا الأقدام إلى الكعبين . * - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن خالد , عن أبي قلابة : أن عمر بن الخطاب رأى رجلا قد ترك على ظهر قدمه مثل الظفر , فأمره أن يعيد وضوءه وصلاته . 8956 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن محمد بن إسحاق , عن شيبة بن نصاح , قال : صحبت القاسم بن محمد إلى مكة , فرأيته إذا توضأ للصلاة يدخل أصابع رجليه يصب عليها الماء , قلت : يا أبا محمد , لم تصنع هذا ؟ قال : رأيت ابن عمر يصنعه . 8957 - حدثنا أبو كريب وابن وكيع , قالا : ثنا ابن إدريس , قال : سمعت أبي , عن حماد , عن إبراهيم في قوله : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين قال : عاد الأمر إلى الغسل . 8958 - حدثني الحسين بن علي الصدائي , قال : ثنا أبي , عن حفص الغاضري , عن عامر بن كليب , عن أبي عبد الرحمن , قال : قرأ علي الحسن والحسين رضوان الله عليهما , فقرءا : وأرجلكم إلى الكعبين فسمع علي رضي الله عنه ذلك , وكان يقضي بين الناس , فقال : " وأرجلكم " , هذا من المقدم والمؤخر من الكلام . 8959 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبد الوهاب بن عبد الأعلى , عن خالد , عن عكرمة , عن ابن عباس , أنه قرأها : فامسحوا برءوسكم وأرجلكم بالنصب , وقال : عاد الأمر إلى الغسل . 8960 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبدة وأبو معاوية , عن هشام بن عروة , عن أبيه أنه قرأها : وأرجلكم وقال : عاد الأمر إلى الغسل . 8961 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن المبارك , عن قيس , عن عاصم , عن زر , عن عبد الله : أنه كان يقرأ : وأرجلكم بالنصب . 8962 - حدثنا محمد بن الحسين قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قوله : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين فيقول : اغسلوا وجوهكم , واغسلوا أرجلكم , وامسحوا برءوسكم ; فهذا من التقديم والتأخير . 8963 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حسين بن علي , عن شيبان , قال : أثبت لي عن علي أنه قرأ : وأرجلكم . ثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن هشام بن عروة , عن أبيه : وأرجلكم رجع الأمر إلى الغسل . 8964 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن خالد , عن عكرمة , مثله . 8965 حدثني المثنى , قال : ثنا الحماني , قال : ثنا شريك , عن الأعمش , قال : . كان أصحاب عبد الله يقرءونها : وأرجلكم فيغسلون . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن أبي إسحاق , عن الحارث , عن علي , قال : اغسل القدمين إلى الكعبين . 8966 - حدثني عبد الله بن محمد الزهري , قال : ثنا سفيان بن عيينة , عن أبي السوداء , عن ابن عبد خير , عن أبيه , قال : رأيت عليا توضأ , فغسل ظاهر قدميه , وقال : لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك , ظننت أن بطن القدم أحق من ظاهرها 8967 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , قال : ثنا عبد الملك , عن عطاء , قال : لم أر أحدا يمسح على القدمين . 8968 - حدثني المثنى , قال : ثني الحجاج بن المنهال , قال : ثنا حماد , عن قيس بن سعد , عن مجاهد أنه قرأ : وأرجلكم إلى الكعبين فنصبها , وقال : رجع إلى الغسل . 8969 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا جابر بن نوح , قال : سمعت الأعمش يقرأ : وأرجلكم بالنصب . 8970 - حدثني يونس , قال : أخبرنا أشهب , قال : سئل مالك عن قول الله : وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين أهي " أرجل
وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴿7﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز ذكره : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: (182) واذكروا نعمة الله عليكم أيها المؤمنون، بالعقود التي عقدتموها لله على أنفسكم، واذكروا نعمته عليكم في ذلك بأن هداكم من العقود لما فيه الرضا، ووفقكم لما فيه نجاتكم من الضلالة والرَّدَى في نِعم غيرها جَمّة. كما:-11550 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " واذكروا نعمة الله عليكم " قال، النعم: آلاءُ الله.11551 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.* * *وأما قوله: " وميثاقه الذي واثقكم به " فإنه يعني: واذكروا أيضا أيها المؤمنون، في نعم الله التي أنعم عليكم=" ميثاقه الذي واثقكم به "، وهو عهده الذي عاهدكم به. (183)* * *واختلف أهل التأويل في" الميثاق " الذي ذكر الله في هذه الآية، أيَّ مواثيقه عَنى؟فقال بعضهم: عنى به ميثاقَ الله الذي واثقَ به المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين بايعوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة له فيما أحبّو وكرهوا، والعمل بكل ما أمرهم الله به ورسوله.ذكر من قال ذلك:11552 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا " الآية، يعني: حيث بعث الله النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه الكتاب، (184) فقالوا: "آمنا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالكتاب، (185) وأقررنا بما في التوراة "، فذكّرهم الله ميثاقَه الذي أقروا به على أنفسهم، وأمرهم بالوفاء به.11553 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا "، فإنه أخذ ميثاقنا فقلنا: سمعنا وأطعنا على الإيمان والإقرار به وبرسوله.* * *وقال آخرون: بل عنى به جلّ ثناؤه: ميثاقه الذي أخذ على عباده حين أخرجهم من صُلب آدم صلى الله عليه وسلم، وأشهدهم على أنفسهم: ألستُ بربكم؟ فقالوا: بلى شهدنا.ذكر من قال ذلك:11554 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وميثاقه الذي واثقكم به " قال: الذي واثق به بني آدم في ظهر آدم.11555 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.* * *ثال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك: قولُ ابن عباس، وهو أن معناه: " واذكروا " أيها المؤمنون=" نعمة الله عليكم " التي أنعمها عليكم بهدايته إياكم للإسلام=" وميثاقه الذي واثقكم به "، يعني: وعهده الذي عاهدكم به حين بايعتم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة له في المنشَط والمكرَه، والعُسر واليُسر=" إذ قلتم سمعنا " ما قلت لنا، وأخذت علينا من المواثيق وأطعناك فيما أمرتنا به ونهيتنا عنه، وأنعم عليكم أيضا بتوفيقكم لقبول ذلك منه بقولكم له: " سمعنا وأطعنا "، يقول: ففُوا لله، أيها المؤمنون بميثاقه الذي واثقكم به، ونعمته التي أنعم عليكم في ذلك بإقراركم على أنفسكم بالسمع له والطاعة فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، يَفِ لكم بما ضمن لكم الوفاءَ به إذا أنتم وفيتم له بميثاقه، من إتمام نعمته عليكم، وبإدخالكم جنته وإنعامكم بالخلود في دار كرامته، وإنقاذكم من عقابه وأليم عذابه.وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من قول من قال: " عنى به الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم صلوات الله عليه "، لأن الله جل ثناؤه ذكرَ بعقب تذكرة المؤمنين ميثاقَه الذي واثقهم به، ميثاقَه الذي واثق به أهل التوراة= بعد ما أنزل كتابه على نبيه موسى صلى الله عليه وسلم فيما أمرهم به ونهاهم= فيها، (186) فقال: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ، الآيات بعدها [سورة المائدة: 12]= مُنبِّهًا بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد على مواضع حظوظهم من الوفاء لله بما عاهدهم عليه= ومعرِّفَهم سوء عاقبة أهل الكتاب في تضييعهم ما ضيعوا من ميثاقه الذي واثقهم به في أمره ونهيه، وتعزير أنبيائه ورسله= زاجرًا لهم عن نكث عهودهم، فيُحلّ بهم ما أحلَّ بالناكثين عهوده من أهل الكتاب قبلهم.فكان= إذْ كان الذي ذكرهم فوعظهم به ونهاهم عن أن يركبوا من الفعل مثلَه، ميثاقَ قوم أخذ ميثاقهم بعد إرسال الرسول إليهم وإنزال الكتاب عليهم (187) واجبًا أن يكون الحال التي أخذ فيها الميثاق والموعوظين نظيرَ حال الذين وعظوا بهم. وإذا كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا صحة ما قلنا في ذلك وفسادُ خلافه.* * *وأما قوله: " واتقوا الله إنّ الله عليم بذات الصدور "، فإنه وعيد من الله جل اسمه للمؤمنين كانوا برسوله صلى الله عليه وسلم من أصحابه (188) وتهدُّدًا لهم أن ينقضوا ميثاق الله الذي واثقهم به في رسوله (189) وعهدهم الذي عاهدوه فيه= بأن يضمروا له خِلاف ما أبدوا له بألسنتهم. (190) .يقول لهم جل ثناؤه: واتقوا الله، أيها المؤمنون، فخافوه أن تبدِّلوا عهده وتنقضوا ميثاقه الذي واثقكم به، أو تخالفوا ما ضمنتم له بقولكم: " سمعنا وأطعنا "، بأن تضمروا له غير الوفاء بذلك في أنفسكم، فإن الله مطلع على ضمائر صدوركم (191) وعالم بما تخفيه نفوسكم لا يخفى عليه شيء من ذلك، فيُحّل بكم من عقوبته ما لا قبل لكم به، كالذي حلَّ بمن قبلكم من اليهود من المسخ وصنوف النّقم، وتصيروا في معادِكم إلى سخط الله وأليم عقابه.----------------الهوامش :(182) في المطبوعة والمخطوطة: "يعني جل ثناؤه بقوله" ، والسياق يقتضي ما أثبت.(183) انظر تفسير"الميثاق" فيما سلف 9: 363 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(184) "حيث" هنا ، استعملت في موضع"حين". وقد قال الأصمعي: "ومما تخطئ فيه العامة والخاصة ، باب"حين" و"حيث" ، غلط فيه العلماء ، مثل أبي عبيدة وسيبويه".وقال أبو حاتم: "رأيت في كتاب سيبويه أشياء كثيرة ، يجعل حين: حيث" ، وكذلك في كتاب أبي عبيدة بخطه. قال أبو حاتم: واعلم أن"حين" و"حيث" ظرفان ، فحين ظرف للزمان ، وحيث ظرف للمكان ، ولكل واحد منهما حد لا يجاوزه ، والأكثر من الناس جعلوهما معا: حيث".ثم انظر مقالة الأخفش أن"حيث" ظرف للزمان ، في الخزانة 3: 162. والأمر يحتاج إلى زيادة بحث. ليس هذا موضعه.(185) في المطبوعة: "بالنبي والكتاب" وأثبت ما في المخطوطة.(186) قوله: "فيها" ، أي في التوراة ، والسياق: "ميثاقه الذي واثق به أهل التوراة.. فيها".(187) سياق هذه العبارة: "فكان.. واجبا أن يكون الحال.." ، وأما الجملة التي بينهما فهي معترضة ، فمن أجل ذلك وضعتها بين خطين.(188) في المطبوعة: ".. للمؤمنين الذين أطافوا برسوله" ، غير ما في المخطوطة ، وهو صواب محض وعربي عريق ، وضع مكان"كانوا": "الذي أطافوا".(189) في المطبوعة: "وتهديدا لهم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض.(190) قوله: "بأن يضمروا.." متعلق"أن ينقضوا ميثاق الله.." ، بأن يضمروا.(191) انظر تفسير"ذات الصدور" فيما سلف 7: 155 ، 325.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿8﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز ذكره : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُواقال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمد، ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيامُ لله شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم، (192) ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم لعدواتهم لكم، ولا تقصِّروا فيما حددت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم، (193) ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدِّي، واعملوا فيه بأمري.* * *وأما قوله: " ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا " فإنه يقول: ولا يحملنكم عداوةُ قوم على ألا تعدلوا في حكمكم فيهم وسيرتكم بينهم، فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم وبينهم من العداوة.* * *وقد ذَكرنا الرواية عن أهل التأويل في معنى قوله: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ [سورة النساء: 135] وفي قوله: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ [سورة المائدة: 2] واختلاف المختلفين في قراءة ذلك، والذي هو أولى بالصواب من القول فيه والقراءة= بالأدلة الدالة على صحته، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (194)* * *وقد قيل: إن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين همت اليهود بقتله.ذكر من قال ذلك:11556 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى "، نزلت في يهود خيبر، أرادوا قتل النبيّ صلى الله عليه وسلم= وقال ابن جريج، قال عبد الله بن كثير: ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود يستعينهم في دية، فهمُّوا أن يقتلوه، فذلك قوله: " ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا "... الآية.* * *القول في تأويل قوله عز ذكره : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " اعدلوا " أيها المؤمنون، على كل أحد من الناس وليًّا لكم كان أو عدوًّا، فاحملوهم على ما أمرتكم أن تحملوهم عليه من أحكامي، ولا تجوروا بأحد منهم عنه.* * *وأما قوله: " هو أقرب للتقوى " فإنه يعني بقوله: " هو " العدلُ عليهم أقرب لكم أيها المؤمنون إلى التقوى، يعني: إلى أن تكونوا عند الله باستعمالكم إياه من أهل التقوى، وهم أهل الخوف والحذر من الله أن يخالفوه في شيء من أمره، أو يأتوا شيئا من معاصيه. (195)* * *وإنما وصف جل ثناؤه " العَدْل " بما وصفه به من أنه " أقرب للتقوى " من الجور، لأن من كان عادلا كان لله بعدله مطيعًا، ومن كان لله مطيعا، كان لا شك من أهل التقوى، ومن كان جائرا كان لله عاصيا، ومن كان لله عاصيا، كان بعيدًا من تقواه.* * *وإنما كنى بقوله: " هو أقرب " عن الفعل (196) والعرب تكني عن الأفعال إذا كَنَتْ عنها ب " هو " وب " ذلك "، كما قال جل ثناؤه: فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ (197) [سورة البقرة: 271] و ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ [سورة البقرة: 232]. (198) ولو لم يكن في الكلام " هو " لكان " أقرب " نصبا، ولقيل: " اعدلوا أقربَ للتقوى "، كما قيل: انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ [سورة النساء: 171]. (199)* * *وأما قوله: " واتقوا الله إنّ الله خبير بما تعملون "، فإنه يعني: واحذروا أيها المؤمنون، أن تجوروا في عباده فتجاوزوا فيهم حكمه وقضاءَه الذين بيّن لكم، فيحلّ بكم عقوبته، وتستوجبوا منه أليم نكاله=" إن الله خبير بما تعملون "، يقول: إن الله ذو خبرة وعلم بما تعملون أيها المؤمنون فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، من عمل به أو خلافٍ له، مُحْصٍ ذلكم عليكم كلّه، حتى يجازيكم به جزاءَكم، المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته، فاتقوا أن تسيئوا. (200)-------------------------الهوامش :(192) في المطبوعة: "لولايتهم" ، وأسقط"لكم" ، وأثبتها من المخطوطة.(193) انظر تفسير"القسط" فيما سلف 9: 301 ، تعليق: 5 ، والمراجع هناك.(194) انظر ما سلف 9: 301 ، الآية الأولى = ثم الثانية 9: 483- 487.(195) انظر تفسير"العدل" ، و"التقوى" ، فيما سلف من فهارس اللغة.(196) "الفعل" ، يعني مصدر الفعل ، كما سلف قريبا ص: 82 ، تعليق: 2 ، وانظر فهرس المصطلحات.(197) كان في المطبوعة: "هو خير لكم" ، وفي المخطوطة بإسقاط"هو" ، وهذا الذي أثبته هو نص آية البقرة: 271 ، وراجع ذلك في 5: 582 مما سلف. وانظر معاني القرآن للفراء 1: 303.(198) في المطبوعة والمخطوطة: "ذلك أذكى" ، وأثبت نص آية البقرة. وانظر ما سلف 5: 29.(199) انظر ما سلف 9: 413-415.(200) انظر تفسير"خبير" فيما سلف من فهارس اللغة.
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ۙ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌ عَظِيمٌۭ ﴿9﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز ذكره : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9)قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات "، وعد الله أيها الناس الذين صدّقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به من عند ربهم، وعملوا بما واثقهم الله به، وأوفوا بالعقود التي عاقدَهم عليها بقولهم: " لنسمعن ولنطيعنَّ الله ورسوله " فسمعوا أمر الله ونهيه وأطاعوه، فعملوا بما أمرهم الله به، وانتهوا عما نهاهم عنه. (201)ويعني بقوله: " لهم مغفرة " لهؤلاء الذين وفوا بالعقود والميثاق الذي واثقهم به ربهم=" مغفرة " وهي ستر ذنوبهم السالفة منهم عليهم وتغطيتها بعفوه لهم عنها، وتركه عقوبتهم عليها وفضيحتهم بها (202) =" وأجر عظيم " يقول: ولهم مع عفوه لهم عن ذنوبهم السالفة منهم، جزاءً على أعمالهم التي عملوها ووفائهم بالعقود التي عاقدوا ربهم عليها=" أجر عظيم "، و " العظيم " من خيره غير محدود مبلغه، ولا يعرف منتهاه غيره تعالى ذكره. (203)* * *فإن قال قائل: إن الله جل ثناؤه أخبر في هذه الآية أنه وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولم يخبر بما وعدهم، فأين الخبر عن الموعود؟قيل: بلى (204) إنه قد أخبَر عن الموعود، والموعود هو قوله: " لهم مغفرة وأجر عظيم ".فإن قال: فإن قوله: " لهم مغفرة وأجر عظيم " خبرٌ مبتدأ، ولو كان هو الموعود لقيل: " وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة وأجرًا عظيمًا "، ولم يدخل في ذلك " لهم "، وفي دخول ذلك فيه، دلالة على ابتداء الكلام، وانقضاء الخبر عن الوعد!قيل: إن ذلك وإن كان ظاهره ما ذكرتَ، فإنه مما اكتُفي بدلالة ما ظهر من الكلام على ما بطن من معناه= من ذكر بعضٍ قد ترك ذكره فيه، وذلك أن معنى الكلام: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن يغفر لهم ويأجرهم أجرًا عظيما= لأن من شأن العرب أن يُصْحِبوا " الوعد "" أن " ويعملوه فيها، فتركت " أن " إذ كان " الوعد " قولا. ومن شأن " القول " أن يكون ما بعده من جمل الأخبار مبتدأ، وذكر بعده جملة الخبر اجتزاءً بدلالة ظاهر الكلام على معناه، وصرفا للوعد= الموافق للقول في معناه وإن كان للفظه مخالفا= إلى معناه، (205) فكأنه قيل: " قال الله: للذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة وأجر عظيم ".* * *وكان بعض نحويي البصرة يقول، إنما قيل: " وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم "، في الوعد الذي وُعِدوا (206) =فكأن معنى الكلام على تأويل قائل هذا القول: وعد الله الذي آمنوا وعملوا الصالحات، لهم مغفرة وأجر عظيم، [فيما وعدهم به]. (207)* * *---------------الهوامش:(201) انظر تفسير"الصالحات" فيما سلف من فهارس اللغة.(202) انظر تفسير"المغفرة" فيما سلف من فهارس اللغة.(203) انظر تفسير"الأجر" و"عظيم" فيما سلف من فهارس اللغة.(204) "بلى" تكون جوابا للكلام الذي فيه الجحد كقوله: "ألست بربكم قالوا بلى". هكذا قالوا ، وقال ابن هشام في المغنى في باب"بلى": "ولكن وقع في كتب الحديث أنها يجاب بها الاستفهام المجرد ، ففي صحيح البخاري في كتاب الإيمان: أنه عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا: بلى = وفي صحيح مسلم في كتاب الهبة: أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال ، بلى! قال ، فلا إذن = وفيه أيضا أنه قال ، أنت الذي لقيتني بمكة؟ فقال له: بلى".فمن أجل ذلك استعمله الطبري في جواب الاستفهام الذي لا جحد فيه ، فكأنه عد سؤال السائل جحدا لذكره في الآية ، فقال في جوابه"بلى" ، بمعنى: ليس ذلك كما تزعم ، وانظر ما سلف 2: 280 ، 510 ، وما سيأتي في الأثر رقم: 11818.(205) السياق: "وصرفا للوعد.. إلى معناه" ، أي: إلى معنى القول.(206) في المطبوعة: "الوعد الذي وعدوا" بإسقاط"في" ، وهي في المخطوطة مكتوبة بسن القلم بين"عظيم" و"الوعد".(207) اقتصر في هذا الموضع في المطبوعة والمخطوطة على نص الآية ، واستظهرت تمام الكلام من تفسير القرطبي 6: 110 ، وقد عقب عليه بقوله: "وهذا المعنى عن الحسن" ، فلا أدري أأصبت في ذلك ، أم أخطأني التوفيق!
وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ ﴿10﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز ذكره : وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10)قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " والذين كفروا " والذين جحدوا وحدانية الله، ونقضوا ميثاقه وعقودَه التي عاقدوها إياه=" وكذبوا بآياتنا " يقول: وكذبوا بأدلّة الله وحججه الدالة على وحدانيته التي جاءت بها الرسل وغيرها=" أولئك أصحاب الجحيم " يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم= أهل " الجحيم "، يعني: أهل النار الذين يخلُدون فيها ولا يخرجون منها أبدًا. (1)-----------------الهوامش :(1) انظر تفسير"الكفر" و"الآيات" و"أصحاب الجحيم" فيما سلف من فهارس اللغة.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴿11﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
۞ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًۭا ۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۚ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ﴿12﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ لَعَنَّٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَٰسِيَةًۭ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ ۙ وَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍۢ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿13﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذْنَا مِيثَٰقَهُمْ فَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ﴿14﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًۭا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ۚ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌۭ وَكِتَٰبٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿15﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ﴿16﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز ذكره : يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِقال أبو جعفر: يعني عز ذكره: يهدي بهذا الكتاب المبين الذي جاء من الله جل جلاله= ويعني بقوله: " يهدي به الله "، يرشد به الله ويسدِّد به، (16) = و " الهاء " في قوله: " به " عائدة على " الكتاب "=" من اتبع رضوانه "، يقول: من اتبع رِضَى الله. (17)* * *واختلف في معنى " الرضى " من الله جل وعز.فقال بعضهم: الرضى منه بالشيء "، القبول له والمدح والثناء. قالوا: فهو قابل الإيمان، ومُزَكّ له، ومثنٍ على المؤمن بالإيمان، وواصفٌ الإيمانَ بأنه نور وهُدًى وفصْل. (18)* * *وقال آخرون: معنى " الرضى " من الله جل وعز، معنى مفهوم، هو خلاف السخط، وهو صفة من صفاته على ما يعقل من معاني: " الرضى " الذي هو خلاف السخط، وليس ذلك بالمدح، لأن المدح والثناء قولٌ، وإنما يثنى ويمدح ما قد رُضِي. قالوا: فالرضا معنًى، و " الثناء " و " المدح " معنًى ليس به.* * *ويعني بقوله: " سُبُل السلام "، طرق السلام (19) = و " السلام "، هو الله عزَّ ذكره.11612 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " من اتبع رضوانه سبل السلام "، سبيل الله الذي شرعه لعباده ودعاهم إليه، وابتعث به رسله، وهو الإسلام الذي لا يقبل من أحد عملا إلا به، لا اليهودية، ولا النصرانية، ولا المجوسية.* * *القول في تأويل قوله عز ذكره : وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِقال أبو جعفر: يقول عز ذكره: يهدي الله بهذا الكتاب المبين، من اتبع رضوان الله إلى سبل السلام وشرائع دينه=" ويخرجهم "، يقول: ويخرج من اتبع رضوانه= و " الهاء والميم " في: " ويخرجهم " إلى من ذُكر=" من الظلمات إلى النور "، يعني: من ظلمات الكفر والشرك، إلى نور الإسلام وضيائه (20) =" بإذنه "، يعني: بإذن الله جل وعز. و " إذنه في هذا الموضع: تحبيبه إياه الإيمان برفع طابَع الكفر عن قلبه، وخاتم الشرك عنه، وتوفيقه لإبصار سُبُل السّلام. (21)* * *القول في تأويل قوله عز ذكره : وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)قال أبو جعفر: يعني عز ذكره بقوله: " ويهديهم "، ويرشدهم ويسددهم (22) =" إلى صراط مستقيم "، يقول: إلى طريق مستقيم، وهو دين الله القويم الذي لا اعوجاج فيه. (23)----------------------الهوامش :(16) انظر تفسير"يهدي" فيما سلف من فهارس اللغة.(17) انظر تفسير"الرضوان" فيما سلف 6: 262/9: 480.(18) في المطبوعة والمخطوطة: "وفضل" بالضاد المعجمة ، و"الفصل" هنا هو حق المعنى ، لأنه يفصل بين الحق والباطل.(19) انظر تفسير"سبيل" فيما سلف من فهارس اللغة.(20) انظر تفسير"من الظلمات إلى النور" فيما سلف 5: 424-426.(21) انظر تفسير"الإذن" فيما سلف 8: 516 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(22) انظر تفسير"يهدي" في فهارس اللغة.(23) انظر تفسير"الصراط المستقيم" فيما سلف 8: 529 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ﴿17﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز ذكره : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَقال أبو جعفر: هذا ذمٌّ من الله عز ذكره للنصارى والنصرانية، الذين ضلُّوا عن سبل السلام= واحتجاجٌ منه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في فِرْيتهم عليه بادّعائهم له ولدًا.يقول جل ثناؤه: أقسم، لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم= و " كفرهم " في ذلك، تغطيتهم الحقّ في تركهم نفي الولد عن الله جل وعز، وادِّعائهم أن المسيح هو الله، فرية وكذبًا عليه. (24)* * *وقد بينا معنى: " المسيح " فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (25) .* * *القول في تأويل قوله عز ذكره : قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًاقال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه، لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، للنصارى الذين افتروا عليّ، وضلُّوا عن سواء السبيل بقيلهم: إنّ الله هو المسيح ابن مريم: " من يملك من الله شيئًا "، يقول: من الذي يطيق أن يدفع من أمر الله جل وعز شيئا، فيردّه إذا قضاه.* * *= من قول القائل: " ملكت على فلان أمره "، إذا صار لا يقدر أن ينفذ أمرًا إلا به. (26)* * *وقوله: " إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعًا "، يقول: من ذا الذي يقدر أن يرد من أمر الله شيئًا، إن شاء أن يهلك المسيح ابن مريم، بإعدامه من الأرض وإعدام أمه مريم، وإعدام جميع من في الأرض من الخلق جميعا. (27)* * *يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء الجهلة من النصارى: لو كان المسيح كما تزعمون= أنّه هو الله، وليس كذلك= لقدر أن يردَّ أمرَ الله إذا جاءه بإهلاكه وإهلاك أمه. وقد أهلك أمَّه فلم يقدر على دفع أمره فيها إذْ نزل ذلك. ففي ذلك لكم معتَبرٌ إن اعتبرتم، وحجة عليكم إن عقلتم: في أن المسيح، بَشَر كسائر بني آدم، وأن الله عز وجل هو الذي لا يغلب ولا يقهر ولا يردُّ له أمر، بل هو الحيُّ الدائم القيُّوم الذي يحيي ويميت، وينشئ ويفني، وهو حي لا يموت.* * *القول في تأويل قوله عز ذكره : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُقال أبو جعفر: يعني تبارك وتعالى بذلك: والله له تصريف ما في السماوات والأرض وما بينهما (28) = يعني: وما بين السماء والأرض= يهلك من يشاء من ذلك ويبقي ما يشاء منه، ويوجد ما أراد ويعدم ما أحبّ، لا يمنعه من شيء أراد من ذلك مانع، ولا يدفعه عنه دافع، يُنْفِذ فيهم حكمه، ويُمضي فيهم قضاءه= لا المسيح الذي إن أراد إهلاكه ربُّه وإهلاكَ أمّه، لم يملك دفع ما أراد به ربُّه من ذلك.* * *يقول جل وعز: كيف يكون إلهًا يُعبد من كان عاجزًا عن دفع ما أراد به غيره من السوء، وغير قادرٍ على صرف ما نزل به من الهلاك؟ بل الإله المعبود، الذي له ملك كل شيء، وبيده تصريف كل من في السماءِ والأرض وما بينهما.* * *فقال جل ثناؤه: " وما بينهما "، وقد ذكر " السموات " بلفظ الجمع، ولم يقل: " وما بينهن "، لأن المعنى: وما بين هذين النوعين من الأشياء، كما قال الراعي:طَرَقَا, فَتِلْكَ هَمَاهِمِي, أَقْرِيهِمَاقُلُصًا لَوَاقِحَ كَالقِسِيِّ وَحُولا (29)فقال: " طرقا "، مخبًرا عن شيئين، ثم قال: " فتلك هَمَاهمي"، فرجع إلى معنى الكلام.* * *وقوله: " يخلق ما يشاء "، يقول جل ثناؤه: وينشئ ما يشاء ويوجده، ويخرجُه من حال العدم إلى حال الوجود، ولن يقدر على ذلك غير الله الواحد القهَّار. وإنما يعني بذلك، أنّ له تدبير السموات والأرض وما بينهما وتصريفه، وإفناءه وإعدامه، وإيجادَ ما يشاء مما هو غير موجود ولا مُنْشأ. يقول: فليس ذلك لأحد سواي، فكيف زعمتم، أيها الكذبة، أنّ المسيح إله، وهو لا يطيق شيئا من ذلك، بل لا يقدر على دفع الضرَر عن نفسه ولا عن أمه، ولا اجتلابِ نفعٍ إليها إلا بإذني؟* * *القول في تأويل قوله عز ذكره : وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: الله المعبودُ، هو القادر على كل شيء، والمالك كلَّ شيء، الذي لا يعجزُه شيء أراده، ولا يغلبه شيء طلبه، المقتدرُ على هلاك المسيح وأمه ومن في الأرض جميعًا = لا العاجز الذي لا يقدر على منع نفسه من ضُرّ نزل به من الله، ولا منْعِ أمّه من الهلاك. (30)* * *-----------------------الهوامش :(24) انظر تفسير"الكفر" فيما سلف من فهارس اللغة.(25) انظر تفسير"المسيح" فيما سلف 9: 417 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(26) هذا بيان قلما تصيبه في كتب اللغة.(27) انظر تفسير"الإهلاك" فيما سلف 4: 239 ، 240/9: 430.(28) انظر تفسير"الملك" فيما سلف 8: 48 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.(29) من قصيدته في جمهرة أشعار العرب: 173 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 118 ، 160 ، يقول لابنته خليدة:لَمَّا رَأَتْ أَرَقِي وَطُولَ تَلَدُّدِيذَاتَ الْعِشَاء وَلَيْلَيِ الْمَوْصُولاقَالَتْ خُلَيْدَةُ: مَا عَرَاكَ، وَلَمْ تَكُنْأَبَدًا إِذَا عَرَتِ الشُّئُونُ سَؤُولاأَخُلَيْدَ، إِنَّ أَبَاكِ ضَافَ وِسَادَهُهَمَّان باتَا جَنْبَةً وَدَخِيلاطَرَقَا، فَتِلْكَ هَمَا هِي..... . . . . . . . . . . . . . . . . . . ."الهماهم": الهموم. و"قلص" جمع"قلوص": الفتية من الإبل."لواقح": حوامل ، جمع"لاقح". و"الحول" ، جمع"حائل" ، وهي الناقة التي لم تحمل سنة أو سنتين أو سنوات ، وكذلك كل حامل ينقطع عنها الحمل. يقول: أجعل قرى هذه الهموم ، نوقًا هذه صفاتها ، كأنها قسى موترة من طول أسفارها ، فأضرب بها الفيافي.والشاهد الذي أراده الطبري أنه قال: "فتلك هماهمي" ، وقد ذكر قبل"همان" ، ثم عاد بعد يقول: "أقريهما" ، وقد قال: "فتلك هماهمي" جمعًا. وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 118 ، 160.(30) انظر تفسير"قدير" فيما سلف من فهارس اللغة.
وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌۭ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ﴿18﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز ذكره : وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْقال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل وعز عن قوم من اليهود والنصارى أنهم قالوا هذا القول.* * *وقد ذكر عن ابن عباس تسمية الذين قالوا ذلك من اليهود.11613 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نعمانُ بن أضَاء (1) وبحريّ بن عمرو، وشأس بن عدي، فكلموه، فكلّمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الله وحذّرهم نقمته، فقالوا: ما تُخَوّفنا، يا محمد!! نحن والله أبناء الله وأحبَّاؤه!! (2) = كقول النصارى، فأنزل الله جل وعز فيهم: " وقالت اليهودُ والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه "، إلى آخر الآية. (3)* * *وكان السدي يقول في ذلك بما:11614 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه "، أما " أبناء الله "، فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدًا من ولدك، (4) أدخلهم النار، فيكونون فيها أربعين يومًا حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم، ثم ينادي منادٍ: أن أخرجوا كل مختون من ولدِ إسرائيل، فأخرجهم. فذلك قوله: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [سورة آل عمران: 24]. وأما النصارى، فإن فريقًا منهم قال للمسيح: ابن الله. (5)* * *والعرب قد تخرج الخبرَ، إذا افتخرت، مخرجَ الخبر عن الجماعة، وإن كان ما افتخرت به من فعل واحد منهم، فتقول: " نحن الأجواد الكرام "، وإنما الجواد فيهم واحدٌ منهم، وغير المتكلِّم الفاعلُ ذلك، كما قال جرير:نَدَسْنَا أَبَا مَنْدُوسَةَ القَيْنَ بِالقَنَاوَمَارَ دَمٌ مِنْ جَارِ بَيْبَةَ نَاقعُ (6)فقال: " نَدَسْنَا "، وإنما النادس رجل من قوم جريرٍ غيرُه، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن جماعة هو أحدهم. فكذا أخبر الله عزّ ذكره عن النصارى أنها قالت ذلك، على هذا الوجه إن شاء الله.* * *وقوله: " وأحباؤه "، وهو جمع " حبيب ".* * *يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل " لهؤلاء الكذبة المفترين على ربهم=" فلم يعذبكم " ربكم، يقول: فلأي شيء يعذبكم ربكم بذنوبكم، إن كان الأمر كما زعمتم أنكم أبناؤه وأحبّاؤه، فإن الحبيب لا يعذِّب حبيبه، وأنتم مقرُّون أنه معذبكم؟ وذلك أن اليهود قالت: إن الله معذبنا أربعين يومًا عَدَد الأيام التي عبدنا فيها العجل، (7) ثم يخرجنا جميعًا منها، فقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم: إن كنتم، كما تقولون، أبناءُ الله وأحباؤه، فلم يعذبكم بذنوبكم؟ يعلمهم عز ذكره أنَّهم أهل فرية وكذب على الله جل وعز.* * *القول في تأويل قوله جل ثناؤه : بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُقال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمّدٍ صلى الله عليه وسلم، قل لهم: ليس الأمر كما زعمتم أنكم أبناء الله وأحباؤه=" بل أنتم بشر ممن خلق "، يقول: خلق من بني آدم، خلقكم الله مثل سائر بني آدم، (8) إن أحسنتم جُوزيتم بإحسانكم، كما سائر بني آدم مجزيُّون بإحسانهم، وإن أسأتم جوزيتم بإساءتكم، كما غيركم مجزيٌّ بها، ليس لكم عند الله إلا ما لغيركم من خلقه، فإنه يغفر لمن يشاء من أهل الإيمان به ذنوبَه، فيصفح عنه بفضله، ويسترها عليه برحمته، فلا يعاقبه بها.* * *وقد بينا معنى " المغفرة "، في موضع غير هذا بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. (9) .* * *=" ويعذب من يشاء " يقول: ويعدل على من يشاء من خلقه فيعاقبه على ذنوبه، ويفضَحه بها على رءوس الأشهاد فلا يسترها عليه.* * *وإنما هذا من الله عز وجل وعيد لهؤلاء اليهود والنصارى المتّكلين على منازل سَلَفهم الخيارِ عند الله، الذين فضلهم الله جل وعز بطاعتهم إياه، واجتباهم لمسارعتهم إلى رضاه، (10) واصطبارهم على ما نابهم فيه. (11) يقول لهم: لا تغتروا بمكان أولئك مني ومنازلهم عندي، فإنهم إنما نالوا ما نالوا منّي بالطاعة لي، وإيثار رضاي على محابِّهم= (12) لا بالأماني، فجدُّوا في طاعتي، وانتهوا إلى أمري، وانزجروا عما نهيتُهم عنه، فإني إنما أغفر ذنوب من أشاء أن أغفر ذنوبه من أهل طاعتي، وأعذّب من أشاء تعذيبه من أهل معصيتي= (13) لا لمن قرَّبتْ زُلْفَةُ آبائه مني، وهو لي عدوّ، ولأمري ونهيي مخالفٌ.* * *وكان السدي يقول في ذلك بما:-11615 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء "، يقول: يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذِّبه.* * *القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)قال أبو جعفر يقول: لله تدبيرُ ما في السموات وما في الأرض وما بينهما، وتصريفُه، وبيده أمره، وله ملكه، (14) يصرفه كيف يشاء، ويدبره كيف أحبّ، (15) لا شريك له في شيء منه، ولا لأحدٍ معهُ فيه ملك. فاعلموا أيها القائلون: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ، أنه إن عذبكم بذنوبكم، لم يكن لكم منه مانع، ولا لكم عنه دافع، لأنه لا نسب بين أحد وبينه فيحابيه لسبب ذلك، ولا لأحد في شيء دونه ملك، فيحول بينه وبينه إن أراد تعذيبه بذنوبه، (16) وإليه مصير كل شيء ومرجعه. فاتَّقوا أيها المفترون، عقابَه إياكم على ذنوبكم بعد مرجعكم إليه، ولا تغتروا بالأمانيّ وفضائل الآباء والأسلاف.-------------------------الهوامش :(1) في المطبوعة: "نعمان بن أحي ، ويحرى بن عمرو.." ، وفي المخطوطة: "عثمان بن أصار ويحوى بن عمرو..." ، وكلاهما خطأ ، وصوابه من سيرة ابن هشام.(2) في المخطوطة: "نحن أبناء الله وأحباءه ، بل أنتم بشر ممن خلق" ، وهو من عجلة الناسخ لا شك في ذلك.(3) الأثر: 11613- سيرة ابن هشام 2: 212 ، وهو تابع الأثر السالف رقم: 11557.(4) في المخطوطة: "إلى بني إسرائيل إن ولدك من الولد فأدخلهم النار" ، وهو خلط بلا معنى ، صوابه ما في المطبوعة على الأرجح.(5) الأثر: 11614- لم يمض هذا الأثر في تفسير آية سورة البقرة: 80 (2: 274-278) ، ولا آية سورة آل عمران: 24 (6: 292 ، 293). وهذا أيضا من الأدلة على اختصار أبي جعفر تفسيره.(6) ديوانه: 372 ، والنقائض: 693 ، واللسان (بيب) (مور) (ندس). و"ندس": طعن طعنًا خفيفًا. و"أبو مندوسة" ، هو مرة بن سفيان بن مجاشع ، جد الفرزذق. قتلته بنو يربوع -قوم جرير- في يوم الكلاب الأول. و"القين" لقب لرهط الفرزدق ، يهجون به. و"جاربيبة" ، هو الصمة بن الحارث الجشمي ، قتله ثعلبة بن حصبة ، وهو في جوار الحارث بن بيبة بن قرط بن سفيان بن مجاشع ، من رهط الفرزدق. و"مار الدم على وجه الأرض": جرى وتحرك فجاء وذهب. و"دم ناقع" ، أي: طري لم ييبس.(7) انظر ما سلف 6: 292.(8) انظر تفسير"بشر" فيما سلف 6: 538.(9) انظر ما سلف 2: 109 ، 110 ، ثم سائر فهارس اللغة.(10) في المطبوعة: "واجتنابهم معصيته لمسارعتهم" ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقوطة ، وزاد"معصيته" لتستقيم له قراءته. و"الاجتباء": الاصطفاء والاختيار.(11) في المخطوطة: "إلى ما نابهم فيه" ، والجيد ما في المطبوعة.(12) يقول: "نالوا ما نالوا مني بالطاعة لي.. لا بالأماني". هكذا السياق.(13) يقول: "فإني أغفر ذنوب من أشاء.. لا لمن قربت زلفة آبائه مني" ، هكذا السياق.(14) انظر تفسير نظيرة هذه الآية فيما سلف قريبا ص: 148 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(15) في المطبوعة: "كيف أحبه" ، وأثبت الجيد من المخطوطة.(16) في المطبوعة: "بذنبه" ، وفي المخطوطة: "بدونه" ، ورجحت ما أثبت.
يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍۢ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُوا۟ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٍۢ وَلَا نَذِيرٍۢ ۖ فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌۭ وَنَذِيرٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ﴿19﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز ذكره : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍقال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " يا أهل الكتاب "، اليهودَ الذين كانوا بين ظهرانَيْ مُهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم نزلت هذه الآية. وذلك أنهم= أو: بعضهم، فيما ذكر= لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان به وبما جاءهم به من عند الله، قالوا: ما بعثَ الله من نبيّ بعد موسى، ولا أنزل بعد التوراة كتابًا!11616 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود: يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله! لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مَبعثه، وتصفونه لنا بصفته! فقال رافع بن حُرَيملة ووهب بن يهودا (17) ما قلنا هذا لكم، وما أنزل الله من كتاب بعد موسى، ولا أرسل بشيرًا ولا نذيرًا بعده! (18) فأنزل الله عز وجل في [ذلك من] قولهما (19) " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشيرٌ ونذيرٌ والله على كل شيء قدير ". (20)* * *ويعني بقوله جل ثناؤه: " قد جاءكم رسولنا "، قد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم رسولنا=" يبين لكم "، يقول: يعرفكم الحقَّ، ويوضح لكم أعلام الهدى، ويرشدكم إلى دين الله المرتضى، (21) كما:-11617 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل "، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، جاء بالفرقان الذي فرَق الله به بين الحق والباطل، فيه بيان الله ونوره وهداه، وعصمةٌ لمن أخذ به.* * *=" على فترة من الرسل "، يقول: على انقطاع من الرسل= و " الفترة " في هذا الموضع الانقطاع= يقول: قد جاءكم رسولنا يبين لكم الحق والهدى، على انقطاع من الرسل.* * *و " الفترة "" الفعلة " من قول القائل: " فتر هذا الأمر يفتُر فُتورًا "، وذلك إذا هدأ وسكن. وكذلك " الفترة " في هذا الموضع، معناها: السكون، يراد به سكون مجيء الرسل، وذلك انقطاعها.* * *ثم اختلف أهل التأويل في قدر مدة تلك الفترة، فاختلف في الرواية في ذلك عن قتادة. فروى معمر عنه ما:-11618 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " على فترة من الرسل " قال: كان بين عيسى ومحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم خمسمائة وستون سنة.* * *وروى سعيد بن أبي عروبة عنه ما:-11619 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كانت الفترة بين عيسى ومحمّدٍ صلى الله عليهما، ذكر لنا أنها كانت ستمائة سنة، أو ما شاء من ذلك، والله أعلم. (22)11620 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن أصحابه قوله: " قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل "، قال: كان بين عيسى ومحمد صلى لله عليهما خمسمائة سنة وأربعون سنة= قال معمر، قال قتادة: خمسمائة سنة وستون سنة.* * *وقال آخرون بما:-11621 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: " على فترة من الرسل "، قال: كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما، أربعمائة سنة وبضعًا وثلاثين سنة.ويعني بقوله: " أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير " أن لا تقولوا، وكي لا تقولوا، كما قال جل ثناؤه: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [سورة النساء: 176]، بمعنى: أن لا تضلوا، وكي لا تضلوا.* * *فمعنى الكلام: قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل، كي لا تقولوا ما جاءَنا من بشير ولا نذير. يعلمهم عز ذكره أنه قد قطَع عذرهم برسوله صلى الله عليه وسلم، وأبلغ إليهم في الحجة. (23)ويعني ب" البشير "، المبشر من أطاع الله وآمن به وبرسوله، وعمل بما آتاه من عند الله، بعظيم ثوابه في آخرته (24) = وب" النذير "، المنذر من عصاه وكذّب رسولَه صلى الله عليه وسلم وعمل بغير ما أتاه من عند الله من أمره ونهيه، بما لا قبل له به من أليم عقابه في معاده، وشديد عذابه في قِيامته.* * *القول في تأويل قوله عز ذكره : فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لهؤلاء اليهود الذين وصفنا صفتهم: قد أعذرنا إليكم، واحتججنا عليكم برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم إليكم، وأرسلناه إليكم ليبيّن لكم ما أشكل عليكم من أمر دينكم، كيلا تقولوا: " لم يأتنا من عندك رسولٌ يبيِّن لنا ما نحن عليه من الضلالة "، فقد جاءكم من عندي رسول يبشر من آمن بي وعمل بما أمرته وانتهى عما نهيته عنه، وينذر من عصاني وخالف أمري، وأنا القادر على كل شيء، أقدر على عقاب من عصاني، وثواب من أطاعني، فاتقوا عقابي على معصيتكم إياي وتكذيبكم رسولي، واطلبوا ثوابي على طاعتكم إياي وتصديقكم بشيري ونذيري، فإني أنا الذي لا يعجزه شيء أرادَه، ولا يفوته شيء طلبه. (25)-------------------الهوامش :(17) في المطبوعة: "رافع بن حرملة" ، وفي المخطوطة: "نافع بن حرملة" ، وأثبت ما في سيرة ابن هشام.(18) في المخطوطة: "ولا أرسل بشيرًا ونذيرًا" ، والصواب ما في المطبوعة كما في سيرة ابن هشام.(19) الزيادة بين القوسين من سيرة ابن هشام.(20) سيرة ابن هشام 2: 212 ، وهو تابع الأثر السالف رقم: 11613.(21) انظر تفسير"التبيين" فيما سلف من فهارس اللغة ، مادة (بين).(22) كان في المطبوعة: "وما شاء الله" بالواو ، وفي المطبوعة والمخطوطة: "الله أعلم" بغير واو. والصواب ما أثبت.(23) انظر ما سلف 9: 445 ، 446.(24) وانظر تفسير"البشارة" فيما سلف 9: 318 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(25) انظر تفسير"قدير" فيما سلف من فهارس اللغة.
وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًۭا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴿20﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز ذكره : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْقال أبو جعفر: وهذا أيضا من الله تعريفٌ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، قديمَ تمادي هؤلاء اليهود في الغيّ، وبعدِهم عن الحق، وسوء اختيارهم لأنفسهم، وشدة خلافهم لأنبيائهم، وبطء إنابتهم إلى الرشاد، مع كثرة نعم الله عندهم، وتتابع أياديه وآلائه عليهم= مسلِّيًا بذلك نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم عما يحلّ به من علاجهم، وينزل به من مقاساتهم في ذات الله. يقول الله له صلى الله عليه وسلم: لا تأسَ على ما أصابك منهم، فإن الذهابَ عن الله، والبعد من الحق، وما فيه لهم الحظ في الدنيا والآخرة، من عاداتهم وعادات أسلافهم وأوائلهم= وتعزَّ بما لاقى منهم أخوك موسى صلى الله عليه وسلم= واذْكُر إذ قال موسى لهم: " يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم "، يقول: اذكروا أيادِي الله عندكم، وآلاءه قبلكم، (26) كما:-11622 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة: " اذكروا نعمة الله عليكم "، قال: أيادي الله عندكم وأيَّامه. (27)11623 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " اذكروا نعمة الله عليكم " يقول: عافية الله عز وجل.* * *قال أبو جعفر: وإنما اخترنا ما قلنا، لأن الله لم يخصص من النعم شيئًا، بل عمَّ ذلك بذكر النعم، فذلك على العافية وغيرها، إذ كانت " العافية " أحد معاني" النعم ".القول في تأويل قوله جل ثناؤه : إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًاقال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أنَّ موسى ذكَّر قومه من بني إسرائيل بأيَّام الله عندهم، وبآلائه قبلهم، مُحَرِّضهم بذلك على اتباع أمر الله في قتال الجبارين، (28) فقال لهم: اذكروا نعمة الله عليكم أنْ فضّلكم، بأن جعل فيكم أنبياء يأتونكم بوحيه، ويخبرونكم بأنباء الغيب، (29) ولم يعط ذلك غيركم في زمانكم هذا. (30)=فقيل: إن الأنبياء الذين ذكَّرهم موسى أنهم جُعلوا فيهم: هم الذين اختارهم موسى إذ صار إلى الجبل، وهم السبعون الذين ذكرهم الله فقال: وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقَاتِنَا [سورة الأعراف: 155].* * *=" وجعلكم ملوكًا " سخر لكم من غيركم خدمًا يخدمونكم.* * *وقيل: إنما قال ذلك لهم موسى، لأنه لم يكن في ذلك الزمان أحدٌ سواهم يخدُمه أحد من بني آدم.ذكر من قال ذلك:11624 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمةَ الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياءَ وجعلكم ملوكًا "، قال: كنا نحدَّثُ أنهم أول من سُخِّر لهم الخدَم من بني آدم ومَلَكوا.* * *وقال آخرون: كل من ملك بيتًا وخادمًا وامرأةً، فهو " ملك "، كائنًا من كان من الناس.ذكر من قال ذلك:11625 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا أبو هانئ: أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم! قال ألك مسكن تسكُنُه؟ قال: نعم! قال: فأنت من الأغنياء! فقال: إنّ لي خادمًا. قال: فأنت من الملوك. (31)11626 - حدثنا الزبير بن بكار قال، حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض قال: سمعت زيد بن أسلم يقول: " وجعلكم ملوكًا " فلا أعلم إلا أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان له بيتٌ وخادم فهو ملك. (32)11627 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن: أنه تلا هذه الآية: " وجعلكم ملوكًا "، فقال: وهل المُلْك إلا مركبٌ وخادمٌ ودار؟فقال قائلو هذه المقالة: إنما قال لهم موسى ذلك، لأنهم كانوا يملكون الدّور والخدم، ولهم نساءٌ وأزواج.ذكر من قال ذلك:11628 - حدثنا سفيان بن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن منصور= قال: أراه عن الحكم=: " وجعلكم ملوكًا "، قال: كانت بنو إسرائيل إذا كان للرجل منهم بيتٌ وامرأة وخادم، عُدَّ ملكًا.11629 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان= ح، وحدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان= عن منصور، عن الحكم: " وجعلكم ملوكًا " قال: الدار والمرأة، والخادم= قال سفيان: أو اثنتين من الثلاثة. (33)11630 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن رجل، عن ابن عباس في قوله: " وجعلكم ملوكًا " قال: البيت والخادم.11631 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور، عن الحكم أو غيره، عن ابن عباس في قوله: " وجعلكم ملوكًا " قال: الزوجة والخادم والبيت.11632 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " وجعلكم ملوكًا " قال: جعل لكم أزواجًا وخدمًا وبيوتًا.11633 - حدثنا المثنى قال، حدثنا علي بن محمد الطنافسي قال، حدثنا أبو معاوية، عن حجاج بن تميم، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس في قول الله: " وجعلكم ملوكًا " قال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كانت له الزوجة والخادم والدار يسمَّى مَلِكًا. (34)11634 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " وجعلكم ملوكًا " قال: مُلْكُهم الخدم= قال قتادة: كانوا أوَّل من مَلك الخدم.11635 - حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز بن أبان قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد: " وجعلكم ملوكًا " قال: جعل لكم أزواجًا وخدمًا وبيوتًا.* * *وقال آخرون: إنما عنى بقوله: " وجعلكم ملوكًا " أنهم يملكون أنفُسَهم وأهلِيهم وأموالهم.ذكر من قال ذلك:11636 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وجعلكم ملوكًا " يملك الرجل منكم نفسَه وأهلَه ومالَه.القول في تأويل قوله عز ذكره : وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20)قال أبو جعفر: اختلف فيمن عنوا بهذا الخطاب.فقال بعضهم: عني به أمة محمد صلى الله عليه وسلم.ذكر من قال ذلك:11637 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن السدي، عن أبي مالك وسعيد بن جبير: " وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين "، قالا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.* * *وقال آخرون: عُنِي به قوم موسى صلى الله عليه وسلم.ذكر من قال ذلك:11638 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال، هم قوم موسى.11639 - حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز بن أبان قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: " وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين "، قال: هم بين ظهرانيه يومئذٍ. (35)* * *ثم اختلفوا في الذي آتاهمُ الله ما لم يؤت أحدًا من العالمين.فقال بعضهم: هو المنّ والسلوى والحجر والغمام. (36)ذكر من قال ذلك:11640 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد: " وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين " قال: المنّ والسلوى والحجر والغمام.11641 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين "، يعني: أهل ذلك الزمان، المنَّ والسلوى والحجر والغمام.* * *وقال آخرون: هو الدَّار والخادِم والزوجة.ذكر من قال ذلك:11642 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا بشر بن السري، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس: " وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين " قال: الرجل يكون له الدار والخادم والزوجة. (37)11643 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: " وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين "، المنّ والسلوى والحجر والغمام.* * *قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: " وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين "، في سياق قوله: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ، ومعطوفٌ عليه. (38)ولا دلالة في الكلام تدلّ على أن قوله: " وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين " مصروف عن خطاب الذين ابتدئَ بخطابهم في أوّل الآية. فإذ كان ذلك كذلك، فأنْ يكون خطابًا لهم، أولى من أن يقال: هو مصروف عنهم إلى غيرهم.فإن ظن ظان أن قوله: " وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين "، لا يجوز أن يكون لهم خطابًا، (39) إذ كانت أمة محمَّد قد أوتيت من كرامة الله جلّ وعزّ بنبيِّها عليه السلام محمّدٍ، ما لم يُؤتَ أحدٌ غيرهم، (40) =وهم من العالمين= (41) فقد ظنَّ غير الصواب. وذلك أن قَوله: " وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين "، خطاب من موسى صلى الله عليه وسلم لقومه يومئذٍ، وعنى بذلك عالمي زمانه، لا عالمي كل زمان. ولم يكن أوتي في ذلك الزمان من نِعَم الله وكرامته، ما أوتي قومُه صلى الله عليه وسلم، أحد من العالمين. (42) فخرج الكلام منه صلى الله عليه على ذلك، لا على جميع [عالم] كلِّ زمان. (43)----------------------الهوامش :(26) انظر تفسير"النعمة" فيما سلف من فهارس اللغة.(27) الأثر: 11622-"عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن أسامة الأسدي الحميدي". روى عن ابن عيينة ، والشافعي وهذه الطبقة. روى عن البخاري. ومضى برقم: 9914.(28) في المطبوعة: "فحرضهم بذلك" ، وأثبت ما في المخطوطة.(29) في المطبوعة: "ويخبرونكم بآياته الغيب" ، وهو كلام فارغ من المعنى ، وفي المخطوطة هكذا"بآياتنا الغيب" ، وصواب قراءتها ما أثبت.(30) انظر تفسير"نبي" فيما سلف 2: 140-142/6: 380 ، وغيرها في فهارس اللغة.(31) الأثر: 11625-"أبو هانئ" ، هو: "حميد بن هانئ الخولاني المصري" من ثقات التابعين ، مضى: 6039 ، 6657.و"أبو عبد الرحمن الحبلي" ، هو: "عبد الله بن يزيد المعافري" ، تابعي ثقة ، مضى برقم: 6657 ، 9483.وهذا حديث صحيح ، رواه مسلم في صحيحه 18: 109 ، 110 ، من طريق أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح ، عن ابن وهب ، بإسناده ، مطولا.وقصر السيوطي في الدر المنثور 1: 270 فقال"أخرجه سعيد بن منصور" ، واقتصر عليه.(32) الأثر: 11626-"الزبير بن بكار" شيخ الطبري ، مضى برقم: 7855."وأنس بن عياض بن ضمرة" ، ثقة. مضى برقم: 7 ، 1679.والحديث خرجه السيوطي في الدر المنثور 1: 270 ، ولم ينسبه لابن جرير ، ونسبه للزبير بن بكار في الموفقيات ، ولأبي داود في مراسيله. وذكره ابن كثير في تفسيره 3: 112 ، 113 ، وقال: "وهذا مرسل غريب".(33) في المطبوعة: "واثنتين" بالواو ، والصواب من المخطوطة.(34) الأثر: 11633-"علي بن محمد بن إسحق الطنافسي" ، روى عن أبي معاوية الضرير. ثقة صدوق. مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/1/202. وكان في المخطوطة"الطيالسي" ، وهو خطأ من الناسخ.و"أبو معاوية" الضرير ، هو: "محمد بن خازم التميمي". ثقة كثير الحديث ، كان يدلس. مضى برقم: 2783.و"حجاج بن تميم الجزري". روى عن ميمون بن مهران ، وروى عنه أبو معاوية الضرير. قال النسائي: "ليس بثقة" ، وقال الأزدي: "ضعيف". وقال العقيلي: "روى عن ميمون بن مهران أحاديث لا يتابع عليها". وقال ابن حبان في الثقات: "روى عن ميمون بن مهران. روى عنه أبو معاوية الضرير". مترجم في التهذيب. وكان في المخطوطة والمطبوعة: "حجاج بن نعيم" ، وهو خطأ محض كما ترى.(35) الأثر 11639- هذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك 2: 311 ، 312 ، من طريق مصعب بن المقدام ، عن سفيان بن سعيد ، عن الأعمش ، مطولا. ونصه: "الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ". وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.والذي في نص الطبري"هم بين ظهرانيه يومئذ" ، الضمير بالإفراد ، كأنه يعني"العالم" الذي هم بين ظهرانيه يومئذ.والخبر خرجه السيوطه في الدر المنثور 1: 269 ، وزاد نسبته للفريابي ، وابن المنذر ، والبيهقي في شعب الإيمان.(36) "الحجر" ، يعني الحجر الذي ضربه موسى بعصاه ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا. وانظر ما سلف 2: 119-122.(37) الأثر: 11642-"بشر بن السري البصري" ، أبو عمرو الأفوه ، ثقة كثير الحديث. روى له الجماعة ، وهو من شيوخ أحمد. مترجم في التهذيب.و"طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي" ، روى عن عطاء بن أبي رباح ، وسعيد بن جبير وغيرهما. ضعيف جدًا ، قال أحمد: "لا شيء ، متروك الحديث". وقال ابن عدي: "روى عنه قوم ثقات ، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه". وقال ابن حبان: "لا يحل كتب حديثه ولا الرواية عنه ، إلا على جهة التعجب". مترجم في التهذيب.(38) لم يفهم ناشر المطبوعة عربية أبي جعفر ، فجعل الكلام هكذا: "وآتاكم ما لم يوت أحدا من العالمين ، خطاب لبني إسرائيل حيث جاء في سياق قوله: اذكروا نعمة الله عليكم = ومعطوفًا عليه" ، فغير وزاد وأساء وخان الأمانة!!(39) في المطبوعة: "لا يجوز أن تكون خطابًا لبني إسرائيل" بزيادة"لبني إسرائيل" ، وفي المخطوطة: "أن تكون له خطابا" ، وصواب قراءتها ما أثبت.(40) في المطبوعة والمخطوطة: "من كرامة الله نبيها عليه السلام محمدًا ما لم يؤت أحدًا غيرهم" ، فأثبت زيادة المخطوطة ، وجعلت"نبيها""بنبيها" ، بزيادة الباء في أوله ، وجعلت"أحدًا""أحد" ، وذلك الصواب المحض.(41) السياق: "فإن ظن ظان.. فقد ظن غير الصواب".(42) السياق: "ولم يكن أوتي في ذلك الزمان.. أحد من العالمين".(43) انظر تفسير"العالمين" فيما سلف 1: 143-146/2: 23-26/5: 375/6: 393.
يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَٰسِرِينَ ﴿21﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْقال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز ذكره عن قول موسى صلى الله عليه وسلم لقومه من بني إسرائيل، وأمرِه إياهم =عن أمر الله إياه= بأمرهم بدخول الأرض المقدسة.* * *ثم اختلف أهل التأويل في الأرض التي عناها ب" الأرض المقدَّسة ".فقال بعضهم: عنى بذلك الطورَ وما حوله.ذكر من قال ذلك:11644 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " الأرض المقدسة " الطور وما حوله.11645 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.11646 - حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: " ادخلوا الأرض المقدسة "، قال: الطور وما حوله.* * *وقال آخرون: هو الشأم.ذكر من قال ذلك:11647 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " الأرض المقدسة " قال: هي الشأم.* * *وقال آخرون: هي أرض أريحا.ذكر من قال ذلك:11648 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم " قال: أريحا.11649 - حدثني يوسف بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: هي أريحا.11650 - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: هي أريحا.* * *وقيل: إن " الأرض المقدسة " دمشق وفلسطين وبعض الأرْدُنّ.* * *وعنى بقوله: " المقدسة " المطهرة المباركة، (44) كما:-11651 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " الأرض المقدسة "، قال: المباركة.11652 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بمثله.* * *قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: هي الأرض المقدّسة، كما قال نبي الله موسى صلى الله عليه، لأن القول في ذلك بأنها أرض دون أرض، لا تُدرك حقيقةُ صحته إلا بالخبر، ولا خبر بذلك يجوز قطع الشهادة به. غير أنها لن تخرج من أن تكون من الأرض التي ما بين الفرات وعريش مصر، لإجماع جميع أهل التأويل والسِّير والعلماء بالأخبار على ذلك.* * *ويعني بقوله: " التي كتب الله لكم " التي أثبت في اللوح المحفوظ أنها لكم مساكن ومنازل دون الجبابرة التي فيها. (45)* * *فإن قال قائل: فكيف قال: " التي كتب الله لكم "، وقد علمت أنَّهم لم يدخلوها بقوله: فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ؟ فكيف يكون مثبتا في اللوح المحفوظ أنها مساكن لهم، ومحرمًا عليهم سكناها؟قيل: إنها كتبت لبني إسرائيل دارًا ومساكن، وقد سكنوها ونزلوها وصارت لهم، كما قال الله جل وعز. وإنما قال لهم موسى: " ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم "، يعني بها: كتبها الله لبني إسرائيل، =وكان الذين أمرهم موسى بدخولها من بني إسرائيل= ولم يعن صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ذكره كتبها للذين أمرهم بدخولها بأعيانهم.ولو قال قائل: قد كانت مكتوبة لبعضهم ولخاص منهم= فأخرج الكلام على العموم، والمراد منه الخاص، إذ كان يُوشع وكالب قد دخلا (46) وكانا ممن خوطب بهذا القول= كان أيضًا وجهًا صحيحًا.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاق.11653 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق،" التي كتب الله لكم "، التي وهب الله لكم.* * *وكان السدي يقول: معنى " كتب " في هذا الموضع، بمعنى: أمر.11654 - حدثنا بذلك موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم "، التي أمركم الله بها.* * *القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21)قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز ذكره عن قيل موسى عليه السلام لقومه من بني إسرائيل، إذ أمرهم عن أمر الله عزّ ذكره إيّاه بدخول الأرض المقدسة، أنه قال لهم: امضُوا، أيها القوم، لأمر الله الذي أمركم به من دخول الأرض المقدسة=" ولا ترتدوا " يقول: لا ترجعوا القهقرى مرتدّين (47) =" على أدباركم " يعني: إلى ورائكم، (48) ولكن امضوا قُدُمًا لأمر الله الذي أمركم به، من الدخول على القوم الذين أمركم الله بقتالهم والهجوم عليهم في أرضهم، وأنّ الله عز ذكره قد كتبها لكم مسكنًا وقرارًا.ويعني بقوله: " فتنقلبوا خاسرين "، أي: تنصرفوا خائبين هُلَّكًا. (49)* * *وقد بينا معنى " الخسارة " في غير هذا الموضع، بشواهده المغنية عن إعادته في هذا الموضع. (50)* * *فإن قال قائل: وما كان وجه قيل موسى لقومه، إذْ أمرهم بدخول الأرض المقدسة: " لا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين "، أوَ يستوجب الخسارة من لم يدخل أرضًا جعلت له؟قيل: إن الله عز ذكره كان أمرهم بقتال من فيها من أهل الكفر به وفرض عليهم دخولها، (51) فاستوجب القوم الخسارة بتركهم إذًا فرض الله عليهم من وجهين: أحدُهما: تضييع فرض الجهاد الذي كان الله عز ذكره فرضه عليهم= والثاني: خلافهم أمر الله في تركهم دخول الأرض، وقولهم لنبيهم موسى صلى الله عليه وسلم إذ قال لهم: ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ : " إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ".* * *وكان قتادة يقول في ذلك بما:11655 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أمروا بها، كما أمروا بالصلاة والزكاة والحجِّ والعُمْرة.---------------------الهوامش :(44) انظر تفسير"التقديس" فيما سلف 1: 475 ، 476/2: 322.(45) انظر تفسير"كتب" فيما سلف 9: 262 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(46) في المطبوعة: "يوشع وكلاب" ، وانظر ما سلف ص: 113 تعليق: 2.(47) انظر تفسير"ارتد" فيما سلف 3: 163/4: 316.(48) انظر تفسير"الأدبار" فيما سلف 7: 109.(49) انظر تفسير"انقلب" فيما سلف 3: 163/7: 414. وكانت هذه العبارة في المخطوطة والمطبوعة: "أنكم تنصرفوا خائبين هكذا" ، ورجحت أن صواب قراءتها ما أثبت.و"هلك" جمع"هالك". وقد مر تفسيره"الخسارة" بمعنى"الهلاك".(50) انظر تفسير"الخسارة" فيما سلف 9: 224 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.(51) في المطبوعة: "كان أمره" ، والصواب من المخطوطة.
قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوْمًۭا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ ﴿22﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز ذكره : قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَقال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن جواب قوم موسى عليه السلام، إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة: أنهم أبوا عليه إجابته إلى ما أمرهم به من ذلك، (52) واعتلّوا عليه في ذلك بأن قالوا، إن في الأرض المقدسة التي تأمرنا بدخولها، قومًا جبارين لا طاقة لنا بحربهم، ولا قوة لنا بهم. وسموهم " جبّارين "، لأنهم كانوا لشدة بطشهم وعظيم خلقهم، (53) فيما ذكر لنا، قد قهروا سائر الأمم غيرهم.وأصل " الجبار "، المصلح أمر نفسه وأمر غيره، ثم استعمل في كل من اجترَّ نفعا إلى نفسه بحق أو باطل طلبَ الإصلاح لها، حتى قيل للمتعدِّي إلى ما ليس له= بغيًا على الناس، وقهرًا لهم، وعتوًّا على ربه=" جبار "، وإنما هو " فعّال " من قولهم: " جبر فلان هذا الكسر "، إذا أصلحه ولأمه، ومنه قول الراجز: (54)قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلهُ فَجَبَرْوَعَوَّرَ الرَّحمنُ مَنْ وَلَّى العَوَرْ (55)يريد: قد أصلح الدين الإله فصلح. ومن أسماء الله تعالى ذكره " الجبار "، لأنه المصلحُ أمرَ عباده، القاهرُ لهم بقدرته.* * *ومما ذكرته من عظم خلقهم ما:-11656 - حدثني به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قصة ذكرها من أمر مُوسى وبني إسرائيل، قال، ثم أمرهم بالسير إلى أريحا= وهي أرض بيت المقدس= فساروا، حتى إذا كانوا قريبًا منهم، بعث موسى اثنى عشر نقيبًا من جميع أسباط بني إسرائيل، فساروا يريدون أن يأتوه بخبر الجبَّارين، فلقيهم رجل من الجبارين، يقال له: " عاج "، (56) فأخذ الاثنى عشر فجعلهم في حُجْزَته، وعلى رأسه حَمْلة حطب، (57) وانطلق بهم إلى امرأته فقال، انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا!! فطرحهم بين يديها، فقال: ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته: لا بل خلِّ عنهم حتى يُخْبروا قومهم بما رأوا! ففعل ذلك. (58)11657 - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان قال، قال أبو سعيد، قال عكرمة، عن ابن عباس قال: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبَّارين. قال: فسار موسى بمن معه حتى نزل قريبًا من المدينة =وهي أريحاء= فبعث إليهم اثنى عشر عينًا، من كل سبطٍ منهم عينًا، ليأتوه بخبر القوم. قال: فدخلوا المدينة، فرأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم وجثثهم وعظمهم، فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه، فجعل يجتني الثمار وينظر إلى آثارهم، وتتبعهم. فكلما أصاب واحدًا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة، وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم. قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عايَنُوا من أمرهم.11658 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: " إن فيها قومًا جبَّارين "، ذكر لنا أنهم كانت لهم أجسام وخِلَقٌ ليست لغيرهم.11659 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: إن موسى عليه السلام قال لقومه: " إني سأبعث رجالا يأتونني بخبرهم "= وإنه أخذ من كل سبط رجلا فكانوا اثنى عشر نقيبًا، فقال: " سيروا إليهم وحدِّثوني حديثهم وما أمرهم، ولا تخافوا، إن الله معكم ما أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برُسله، وعزرتموهم، وأقرضُتم الله قرضًا حسنًا "= وإنّ القوم ساروا حتى هجموا عليهم، (59) فرأوا أقوامًا لهم أجسام عجبٌ عظمًا وقوة، وإنه =فيما ذكر= أبصرهم أحد الجبَارين، وهم لا يألون أن يخفُوا أنفسهم حين رأوا العجب. فأخذ ذلك الجبّار منهم رجالا فأتى رئيسَهم، فألقاهم قدّامه، فعجبوا وضحكوا منهم. فقال قائل منهم: " فإنّ هؤلاء زعموا أنهم أرادوا غزوكم "!! (60) وأنه لولا ما دفع الله عنهم لقُتلوا، وأنهم رجعوا إلى موسى عليه السلام فحدّثوه العجب.11660 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا من كل سبط من بني إسرائيل رجل، أرسلهم موسى إلى الجبارين، فوجدُوهم يدخل في كُمِّ أحدهم اثنان منهم، يلقونهم إلقاءً، ولا يحمل عنقود عِنبهم إلا خمسة أنفُسٍ بينهم في خشبة، ويدخُل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس، أو أربعة. (61)11661 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.11662 - حدثني محمد بن الوزير بن قيس، عن أبيه، عن جويبر، عن الضحاك: " إن فيها قومًا جبارين " قال: سِفْلة لا خَلاقَ لهم. (62)* * *القول في تأويل قوله عز ذكره : وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22)قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز ذكره عن قولِ قوم موسى لموسى، جوابًا لقوله لهم: ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ، فقالوا: " إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها "، يعنون: [حتى يخرج] من الأرض المقدسة الجبارون الذين فيها، (63) جبنًا منهم، وجزعًا من قتالهم. وقالوا له: إن يخرج منها هؤلاء الجبارون دخلناها، وإلا فإنا لا نُطيق دخولها وهم فيها، لأنه لا طاقة لنا بهم ولا يَدَان. (64)11663 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، أن كالب بن يافنا، أسكت الشعْبَ عن موسى صلى الله عليه وسلم فقال لهم: إنا سنعلو الأرض ونرثُها، وإن لنا بهم قوّة! وأما الذين كانوا معه فقالوا: لا نستطيع أن نصل إلى ذلك الشعب، من أجل أنهم أجرأ منا! ثم إن أولئك الجواسيس أخبروا بني إسرائيل الخبر، وقالوا: إنّا مررنا في أرض وحسسناها، فإذا هي تأكل ساكنها، ورأينا رجالهَا جسامًا، ورأينا الجبابرة بني الجبابرة، وكنا في أعينهم مثل الجراد! فأرجفت الجماعة من بني إسرائيل، فرفعوا أصواتهم بالبكاء. فبكى الشعب تلك الليلة، ووسوسُوا على موسى وهارون، (65) فقالوا لهما: يا ليتنا مِتنا في أرض مصر! وليتنا نموت في هذه البرية، ولم يدخلنا الله هذه الأرض لنقع في الحرب، فتكون نساؤنا وأبناؤنا وأثقالنا غنيمًة! ولو كنا قعودًا في أرض مصر، كان خيرًا لنا وجعل الرجل يقول لأصحابه: تعالوا نجعل علينا رأسًا وننصرف إلى مصر.-------------------------الهوامش :(52) في المطبوعة والمخطوطة: "إجابة إلى ما أمرهم" ، والسياق يقتضي ما أثبت.(53) في المطبوعة والمخطوطة: "بشدة بطشهم" ، والسياق يقتضي ما أثبت.(54) هو العجاج.(55) ديوانه: 15 ، واللسان (جبر) (عور) ، وهو أول أرجوزته التي مدح بها عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي ، وقد مضت منها أبيات ، وذكرنا خبرها فيما سلف ، انظر 1: 190/2: 157/3: 229/4: 321. وقوله: "قد جبر الدين الإله" ، من قولهم: "جبرت العظم" متعديًا ، "فجبر" ، لازمًا ، أي: انجبر العظم نفسه. و"العور" في هذا الشعر هو قبح الأمر وفساده ، وترك الحق فيه ، وليس من عور العين. و"عور الشيء" قبحه. يدعو فيقول: قبح الله من اتبع الفساد واستقبله بوجهه. من قولهم"ولي الشيء وتولاه" ، أي اتبعه وفي التنزيل: "ولكل وجهة هو موليها" ، أي مستقبلها ومتبعها ، فهذا تفسير البيت بلا خلط في تفسيره.(56) في المطبوعة: "عوج" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو موافق لما سلف رقم: 11572 ، وتاريخ الطبري.(57) انظر ما سلف ص 112 تعليق: 1 ، 2 ، وما غيره ، مصحح المطبوعة السالفة هناك.(58) الأثر: 11656- مضى مطولا برقم: 11572 ، وهو في تاريخ الطبري 1: 221 ، 222.(59) في المطبوعة: "ثم إن القوم" ، وأثبت ما في المخطوطة.(60) في المطبوعة: "إن هؤلاء" ، بحذف الفاء ، وأثبت ما في المخطوطة.(61) الأثر: 11660- مضى هذا الأثر برقم: 11573 ، 11574.(62) الأثر: 11662-"محمد بن وزير بن قيس الواسطي" ، روى عن أبيه ، وابن عيينة ، ويحيى بن سعيد القطان ، وغيرهم. روى عنه الترمذي وابن أبي حاتم ، وغيرهما. مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4/1/115.وأبوه"وزير بن قيس الواسطي" ، روى عن جويبر. مترجم في ابن أبي حاتم 4/2/44.(63) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق.(64) في المطبوعة: "ولا يد" ، وفي المخطوطة"ولا يدان" غير منقوطة.(65) "وسوس عليه" ، انظر تفسيرها في الأثر رقم: 11697 ص: 195 ، تعليق: 7.
قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُوا۟ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَٰلِبُونَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿23﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَاقال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز ذكره عن الرجلين الصَّالحين من قوم موسى: " يوشع بن نون " و " كالب بن يافنا "، أنهما وفَيا لموسى بما عهد إليهما من ترك إعلام قومِه بني إسرائيل= الذين أمرَهم بدخول الأرض المقدسة على الجبابرة من الكنعانيين= بما رأيا وعاينا من شدّة بطش الجبابرة وعِظم خلقهم، ووصفهما الله عز وجل بأنهما ممن يخاف الله ويراقبه في أمره ونهيه، كما:-11664 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان= ح، وحدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي، عن سفيان= ح، وحدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان= عن منصور، عن مجاهد: " قال: رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما "، قال: كلاب بن يافنا، (66) ويوشع بن نون.11665 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو بن أبي قيس، عن منصور، عن مجاهد قال: " رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما "، قال: يوشع بن نون، وكلاب بن يافنا، (67) وهما من النقباء.11666 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قصة ذكرها، قال: فرجع النقباء، كلُّهم ينهى سِبْطه عن قتالهم، إلا يوشع بن نون، وكلاب بن يافنة، (68) يأمران الأسباط بقتال الجبارين ومجاهدتهم، فعصوهما، وأطاعوا الآخرين، فهما الرجلان اللذان أنعم الله عليهما. (69)11667 - حدثنا ابن حميد وسفيان بن وكيع قالا حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، مثل حديث ابن بشار، عن ابن مهدي= إلا أنّ ابن حميد قال في حديثه: هما من الاثنى عشر نقيبًا.11668 - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان قال، قال أبو سعيد، قال عكرمة، عن ابن عباس في قصة ذكرها. قال: فرجعوا= يعني النقباء الاثنى عشر= إلى موسى، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم، فقال لهم موسى: اكتموا شأنهم، ولا تخبروا به أحدًا من أهل العسكر، فإنكم إن أخبرتموهم بهذا الخبر فَشِلوا ولم يدخلوا المدينة. (70) قال: فذهب كل رجل منهم فأخبر قريبه وابنَ عمه، إلا هذين الرجلين= يوشع بن نون، وكلاب بن يوفنة= فإنهما كتما ولم يخبرا به أحدًا، وهما اللذان قال الله عز وجل: " قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما "، إلى قوله: وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ .11669 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما "، وهما اللذان كتماهم: يوشع بن نون فتى موسى، (71) وكالوب بن يوفنة ختَنُ موسى.11670 - حدثنا سفيان قال، حدثنا عبيد الله، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية: " قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما "، كالوب، ويوشع بن النون فتى موسى. (72)11671 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما "، والرجلان اللذان أنعم الله عليهما من بني إسرائيل: يوشع بن النون، وكالوب بن يوفنة.11672 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما " ذكر لنا أن الرجلين: يوشع بن نون وكالب.11673 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: أن موسى قال للنقباء لمَّا رجعوا فحدثوه العجبَ: " لا تحدثوا أحدًا بما رأيتم، إن الله سيفتحها لكم ويظهركم عليها من بعد ما رأيتم " =وإن القوم أفشوا الحديث في بني إسرائيل، فقام رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما، (73) كان أحدهما، فيما سمعنا، يوشع بن نون وهو فتى موسى، والآخر كالب- فقالا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ إلى إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . (74)* * *قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله: " قال رجلان من الذين يخافون ".قرأ ذلك قرأة الحجاز والعراق والشام: ( قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ) بفتح " الياء " من " يخافون "، على التأويل الذي ذكرنا عمن ذكرنا عنه آنفًا، أنهما يوشع بن نون وكالب، من قوم موسى، ممن يخاف الله، وأنعمَ عليهما بالتوفيق.* * *وكان قتادة يقول: في بعض القراءة: ( قَالَ رَجُلانِ مِنَ الذِينَ يَخَافُونَ اللهَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ).11674 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة= ح، وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: " قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما "، في بعض الحروف: ( يَخَافُونَ اللهَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ).* * *وهذا أيضا مما يدل على صحة تأويل من تأوَّل ذلك على ما ذكرنا عنه أنه قال: يوشع، وكالب.* * *وروي عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ ذلك: ( قَالَ رَجُلانِ مِنَ الذِينَ يُخَافُونَ ) بضم الياء ( أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ).11675 - حدثني بذلك أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا هشيم، عن القاسم بن أبي أيوب= ولا نعلمه أنه سمع منه= عن سعيد بن جبير: أنه كان يقرؤها بضم الياء من: (يُخافُونَ).وكأن سعيدًا ذهب في قراءته هذه إلى أن الرجلين اللذين أخبر الله عنهما أنهما قالا لبني إسرائيل: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ، كانا من رهط الجبابرة، وكانا أسلما واتَّبعا موسى، فهما من أولاد الجبابرة الذين يخافهم بنو إسرائيل، (75) وإن كانوا لهم في الدين مخالفين. (76)* * *وقد حكي نحو هذا التأويل عن ابن عباس.11676 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ، قال: هي مدينةُ الجبارين. لما نزل بها موسى وقومه، بعث منهم اثني عشر رجلا= وهم النقباء الذين ذكر بعثتهم (77) = ليأتوه بخبرهم. فساروا، فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه، فحملهم حتى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه فاجتمعوا إليه، فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: نحن قوم موسى، بعثَنا إليكم لنأتيه بخبركم! فأعطوهم حبَّة من عِنب بوِقْر الرجل، (78) فقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم: اقدُروا قَدْر فاكهتهم! فلما أتوهم قالوا لموسى: " اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون "!=" قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا "، وكانا من أهل المدينة أسلَما واتّبعا موسى وهارون، فقالا لموسى: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ .* * *قال أبو جعفر: فعلى هذه القراءة وهذا التأويل، لم يكتم من الاثنى عشر نقيبًا أحدٌ، ما أمرهم موسى بكتمانه بني إسرائيل مما رأوا وعاينوا من عظم أجسام الجبابرة، وشدة بطشهم، وعجيب أمورهم، بل أفشوا ذلك كله. وإنما القائل للقوم ولموسى: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ ، رجلان من أولاد الذين كان بنو إسرائيل يخافونهم ويرهبون الدخولَ عليهم من الجبابرة، كان أسلما وتبعا نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم.* * *قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب عندنا، قراءةُ من قرأ: ( مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ) لإجماع قرأة الأمصار عليها= وأنَّ ما استفاضت به القراءة عنهم، فحجة لا يجوز خلافها، وما انفرد به الواحد، فجائز فيه الخطأ والسهو. ثم في إجماع الحجةِ في تأويلها على أنهما رجلان من أصحاب موسى من بني إسرائيل وأنهما يوشع وكلاب، ما أغنى عن الاستشهاد على صحة القراءة بفتح " الياء " في ذلك، وفسادِ غيره. وهو التأويل الصحيحُ عندنا، لما ذكرنا من إجماعها عليه.* * *وأما قوله: " أنعم الله عليهما "، فإنه يعني: أنعم الله عليهم بطاعة الله في طاعة نبيه موسى صلى الله عليه، وانتهائهم إلى أمره، والانزجار عما زجرهما عنه صلى الله عليه وسلم، من إفشاء ما عاينا من عجيب أمر الجبارين إلى بني إسرائيل، الذي حدّث عنه أصحابهما الآخرون الذين كانوا معهما من النقباء. (79)* * *وقد قيل إن معنى ذلك: أنعم الله عليهما بالخوف.ذكر من قال ذلك:11677 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا خلف بن تميم قال، حدثنا إسحاق بن القاسم، عن سهل بن علي قوله: " قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما "، قال: أنعم الله عليهما بالخوف. (80)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك كان الضحاك يقول، وجماعة غيره.11678 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما "، بالهدى فهداهما، فكانا على دين موسى، وكانا في مدينة الجبّارين.* * *القول في تأويل قوله جل ثناؤه : ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَقال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز ذكره عن قول الرجلين اللذين يخافان الله لبني إسرائيل، إذ جبُنوا وخافوا من الدخول على الجبارين، لمَّا سمعوا خبرهم، وأخبرهم النقباء الذين أفشَوْا ما عاينوا من أمرهم فيهم، وقالوا: (81) إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا ، فقالا لهم: ادخلوا عليهم، أيها القوم بابَ مدينتهم، فإن الله معكم، وهو ناصركم، وإنكم إذا دخلتم الباب غلبتموهم، كما:-11679 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوَّل، قال: لما هم بنو إسرائيل بالانصراف إلى مصر، حين أخبرهم النقباء بما أخبروهم من أمر الجبابرة، خرَّ موسى وهارون على وجوههما سجودًا قدِّام جماعة بني إسرائيل، وخرَّق يوشع بن نون وكالب بن يافنا ثيابهما، وكانا من جواسيس الأرض، وقالا لجماعة بني إسرائيل: " إن الأرض مررنا بها وحسِسْناها صالحًة، (82) رضيها ربُّنا لنا فوهبها لنا، وإنها.. تفيض لبنًا وعسلا (83) ولكن افعلوا واحدة: لا تعصُوا الله، ولا تخشوا الشعب الذين بها، فإنهم خُبْزُنا، ومُدَفَّعون في أيدينا، (84) إن كبرياءهم ذهبت منهم، (85) وإن الله معنا فلا تخشوهم. فأراد جماعة من بني إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة.11680 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أنهم بعثوا اثنى عشر رجلا من كل سبط رجلا عيونًا لهم، وليأتوهم بأخبار القوم. فأمَّا عشرة فجبَّنُوا قومهم وكرَّهوا إليهم الدخول عليهم. وأما الرجلان فأمرا قومهما أن يدخلوها، وأن يتبعوا أمر الله، ورغَّبا في ذلك، وأخبرا قومهما أنهم غالبون إذا فعلوا ذلك.11681 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " عليهم الباب "، قرية الجبَّارين.* * *القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23)قال أبو جعفر: وهذا أيضًا خبر من الله جل وعزّ عن قول الرجلين اللذين يخافان الله، أنهما قالا لقوم موسى يشجعانهم بذلك، ويرغِّبانهم في المضيّ لأمر الله بالدخول على الجبارين في مدينتهم= توكلوا أيها القوم، على الله في دخولكم عليهم، فيقولان لهم: (86) ثقوا بالله، (87) فإنه معكم إن أطعتموه فيما أمركم من جهاد عدوِّكم. وعنيا بقولهما: " إن كنتم مؤمنين " إن كنتم مصدِّقي نبيكم صلى الله عليه وسلم فيما أنبأكم عن ربَّكم من النصرة والظفر عليهم، وفي غير ذلك من إخباره عن ربه= ومؤمنين بأن ربَّكم قادر على الوفاء لكم بما وعدكم من تمكينكم في بلاد عدوِّه وعدوِّكم.* * *---------------الهوامش :(66) في المطبوعة الموضعين: "يوفنة" ، وفي المخطوطة في الموضعين: "فانيا" ، وانظر ص: 113 تعليق: 2.(67) في المطبوعة: "يوفنا" ، وفي المخطوطة: "فانيه". وانظر التعليق على الأثر: 11573.(68) في المطبوعة: "يوفنا" ، وفي المخطوطة: "فانيه". وانظر التعليق على الأثر: 11573.(69) الأثر: 11666- مضى هذا الخبر برقم: 11573 ، ومضى صدره قريبًا برقم: 11660.(70) "فشل": جبن ونكص.(71) في المخطوطة: "هو يوشع بن النون" ، وأظن أصلها"هوشع بن النون" ، كما سلف في ص: 113 ، تعليق: 2. وكان في المطبوعة هنا"نون" ، فأثبت ما في المخطوطة.(72) في المطبوعة: "بن نون" ، في الموضعين ، وأثبت ما في المخطوطة.(73) في المخطوطة: "فقام رجلان هما اللذان يخافون.." ، والذي في المطبوعة هو الصواب.(74) في المطبوعة: "ادخلوا عليهما الباب إن كنتم مؤمنين" ، وهو غير صواب ، والصواب من المخطوطة.(75) في المخطوطة: "فهم من أولاد الجبابرة" ، والصواب ما في المطبوعة.(76) في المطبوعة: "وإن كانا لهم في الدين مخالفين" ، وفي المخطوطة: "وإن كانوا لهم في الدنيا مخالفين" ، والصواب المحض ما أثبته.(77) في المطبوعة: "ذكر نعتهم" ، وفي المخطوطة: "ذكر بعثهم" ، وكتبتها"بعثتهم" ، ويعني بذلك ما جاء في الآية السالفة من هذه السورة: 10"ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبًا".(78) "الوقر" (بكسر فسكون): الحمل والثقل.(79) في المطبوعة: "الذي حذر عنه أصحابهما الآخرين.." ، وفي المخطوطة: "الذي حول عنه أصحابهما الآخرون" ، وصواب قراءة ذلك ما أثبت ، ولا معنى لتغيير ما غيره ناشر المطبوعة الأولى.(80) الأثر: 11677-"خلف بن تميم بن أبي عتاب التميمي" ، أبو عبد الرحمن ثقة عابد. مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/180 ، وابن أبي حاتم 1/2/370.و"إسحق بن القاسم" ، لم أجده.وأما "سهل بن علي" ، فلم أجد من يسمى بذلك إلا"سهل بن علي المروزي" ، روى عن المبارك. روى عنه المراوزة كلامه ، وتأدبوا بورعه. مترجم في ابن أبي حاتم 2/1/203.(81) السياق: .. إذ جبنوا وخافوا.. وقالوا" ، معطوفا على ذلك.(82) "حس منه خيرًا وأحس" ، رآه وعلمه.(83) في المطبوعة والمخطوطة: "وإنها لم تكن تفيض لبنًا وعسلا" ، وهو لا يستقيم ، والذي جاء في كتاب القوم ، في سفر العدد ، في الإصحاح الثالث عشر: "وحقًا إنها تفيض لبنًا وعسلا" ، وفي الرابع عشر = وهو نص هذا الكلام بالعربية="ويعطينا إياها أرضًا تفيض لبنًا وعسلا". فحذفت"لم تكن" ، ووضعت مكانها نقطًا ، مخافة أن تكون الكلمة محرفة عن شيء لم أعرفه.(84) في المطبوعة: "فإنهم جبناء مدفعون.." ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في كتاب القوم في سفر العدد ، الإصحاح الرابع عشر. ويعني بقوله: "خبرنا" ، أي هم طعمة لنا وغنيمة ، كما نقول بالعربية.(85) في المطبوعة: "إن حاربناهم ذهبت منهم" ، ولا أدري ما هذا. وفي المخطوطة: "إن حرباهم ذهبت منهم". ورأيت أن أقرأها كذلك ، فإني رأيت في كتاب القوم: "قد زال عنهم ظلهم ، والرب معنا" ، كأنه يعني: قد ذهب عنهم ما كان ملازمًا لهم من الجرأة والقوة والبطش والمهابة.هذا ، ومن المفيد أن تقارن هذا المروى عن ابن إسحق ، بترجمة التوراة الموجودة في أيدينا ، فإن هذه الروايات عن ابن إسحق ، ترجمته قديمة للتوراة بلا شك. ولعل متتبعًا يتتبع هذه الرواية عن ابن إسحق وغيره ، ويقارنها بالترجمة الموجودة الآن ، فإن في ذلك فوائد تاريخية عظيمة ، وفوائد في مناهج الترجمة قديمًا وحديثًا.(86) في المطبوعة: "ويقولان" ، وأثبت ما في المخطوطة.(87) انظر تفسير"التوكل" فيما سلف ص: 108 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًۭا مَّا دَامُوا۟ فِيهَا ۖ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ ﴿24﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز ذكره : قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملأ من قوم موسى لموسى، إذ رُغِّبوا في جهاد عدوِّهم، ووعِدوا نصر الله إيَّاهم إن هم ناهضوهم ودخلوا عليهم باب مدينتهم، أنهم قالوا له: " إنا لن ندخلها أبدًا " يعنون: إنا لن ندخل مدينتهم أبدًا.و " الهاء والألف " في قوله: " إنا لن ندخلها "، من ذكر " المدينة ".* * *ويعنون بقولهم: " أبدًا "، أيام حياتنا (1) =" ما داموا فيها "، يعنون: ما كان الجبارُون مقيمين في تلك المدينة التي كتبها الله لهم وأُمِروا بدخولها=" فاذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا هاهنا قاعدون "، لا نجيء معك يا موسى إن ذهبت إليهم لقتالهم، ولكن نتركك تذهب أنت وحدك وربُّك فتقاتلانهم.* * *وكان بعضهم يقول في ذلك: ليس معنى الكلام: اذهب أنت، وليذهب معك ربك فقاتلا= ولكن معناه: اذهب أنت، يا موسى، وليعنك ربُّك. وذلك أن الله عز ذكره لا يجوز عليه الذهاب. (2)وهذا إنما كان يحتاج إلى طلب المخرج له، لو كان الخبر عن قوم مؤمنين. فأمّا قومٌ أهلُ خلافٍ على الله عز ذكره ورسوله، فلا وجه لطلب المخرج لكلامهم فيما قالوا في الله عز وجل وافتروا عليه، إلا بما يشبه كفرهم وضلالتهم.* * *وقد ذكر عن المقداد أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، خلافَ ما قال قومُ موسى لموسى.11682 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي= وحدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= عن سفيان، عن مخارق، عن طارق: أن المقداد بن الأسود قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: " اذهب أنت ورَبك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون "، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون. (3)11683 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم الحديبية، حين صَدّ المشركون الهَدْيَ وحيل بينهم وبين مناسكهم: " إني ذاهب بالهَدْيِ فناحِرُه عند البيت! فقال له المقداد بن الأسود: أمَا والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذْ قالوا لنبيهم: " اذهب أنت وربك فقاتِلا إنا هاهنا قاعدون " ولكن: اذهب أنت وربك فقاتِلا إنّا معكم مقاتلون! فلما سمعها أصحابُ نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم تتابعوا على ذلك. (4)* * *وكان ابن عباس والضحاك بن مزاحم وجماعة غيرهما يقولون: إنما قالوا هذا القول لموسى عليه السلام، حين تبيَّن لهم أمر الجبارين وشدّةُ بطشهم.11684 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: أمر الله جل وعزّ بني إسرائيل أن يسيروا إلى الأرض المقدسة مع نبيهِّم موسى عليه السلام، فلما كانوا قريبًا من المدينة قال لهم موسى: " ادخلوها "، فأبوا وجبُنوا، وبعثوا اثنى عشر نقيبًا لينظروا إليهم، فانطلقوا فنظروا فجاءوا بحبة فاكهة من فاكهتهم بوِقْر الرجل، فقالوا: اقدُرُوا قوّة قوم وبأسُهم هذه فاكهتهم! فعند ذلك قالوا لموسى: " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ".11685 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، نحوه.---------------------الهوامش :(1) انظر تفسير"أبدا" فيما سلف 9: 227.(2) هذه مقالة أبي عبيدة في مجاز القرآن 1: 160 ، بمعناه ، وبغير لفظه.(3) الأثر: 11682-"مخارق" ، هو: "مخارق بن عبد الله بن جابر البجلي الأحمسي" ، ويقال: "مخارق بن خليفة". مترجم في التهذيب.و"طارق هو"طارق بن شهاب بن عبد شمس البجلي الأحمسي" ، رأى النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عنه مرسلا ، وروى عن الخلفاء الأربعة ، وهو من أصحاب عبد الله بن مسعود. مترجم في التهذيب. ومضى برقم: 9744.وهذا الخبر روي من طريق طارق ، مطولا ومختصرًا. رواه البخاري مختصرًا ، مرسلا وموصولا في صحيحه (الفتح 8: 205) ، ورواه مطولا موصولا (الفتح 7: 223-227) ، ورواه أحمد مطولا في مسند ابن مسعود برقم: 3698 ، 4070 ، 4376.وهذا الخبر في مشورة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه قبل بدر لما وصل الصفراء ، وبلغه أن قريشًا قصدت بدرًا ، وأن أبا سفيان نجا بما معه ، فاستشار الناس. وانظر القصة مفصلة في كتب السير. ثم انظر الخبر التالي ، وأن ذلك كان يوم الحديبية.(4) الأثر: 11683- كرر في المخطوطة هذا الأثر بإسناده ونصه ، ففي المرة الأولى كتبه إلى قوله: "إنا معكم مقاتلون" ، ثم عاد فكتب الخبر نفسه بإسناده ، وأتمه على وجهه إلى آخره. والظاهر أنه وقف عند هذا الموضع ، ثم عاد يكتب ، وكان الخبر قبله ينتهي أيضًا بقوله: "إنا معكم مقاتلون" ، فظن أن الذي كتب هو الخبر الأول ، فعاد فكتب الخبر بإسناده من أوله إلى تمامه.
قَالَ رَبِّ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى ۖ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ ﴿25﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25)قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل وعز عن قيل قوم موسى حين قال له قومه ما قالوا، من قولهم: إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ = أنه قال عندَ ذلك، وغضب من قيلهم له، (5) داعيا: يا رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي= يعني بذلك، لا أقدر على أحد أن أحمله على ما أحب وأريد من طاعتك واتّباع أمرك ونهيك، إلا على نفسي وعلى أخي.* * *= من قول القائل: " ما أملك من الأمر شيئا إلا كذا وكذا "، بمعنى: لا أقدر على شيء غيره. (6)* * *ويعني بقوله: " فافرق بيننَا وبين القوم الفاسقين "، افصل بيننا وبينهم بقضاء منك تقضيه فينا وفيهم فتبعِدُهم منّا.* * *=من قول القائل: " فَرَقت بين هذين الشيئين "، بمعنى: فصلت بينهما، من قول الراجز: (7)يَا رَبِّ فافْرُقْ بَيْنَهُ وَبَيْنِيأَشَدَّ مَا فَرَّقْتَ بَيْنَ اثْنَيْنَ (8)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلذكر من قال ذلك:11686 - حدثني محمد بن سعد قال حدثني أبي قال، حدثني عمي &; 10-189 &; قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين "، يقول: اقض بيني وبينهم.11687 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين "، يقول: اقض بيننا وبينهم.11688 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قال: غضب موسى صلى الله عليه وسلم حين قال له القوم: " اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون "، فدعا عليهم فقال: " رب إنّي لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين "، وكانت عَجْلَةً من موسى عِجلها. (9)11689 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين "، يقول: اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا وبينهم= كلّ هذا يقول الرجل: " اقض بيننا " (10)فقضاء الله جل ثناؤه بينه وبينهم: أن سماهم " فاسقين ". (11)* * *وعنى بقوله: " الفاسقين " الخارجين عن الإيمان بالله وبه إلى الكفر بالله وبه.* * *وقد دللنا على أن معنى " الفسق "، الخروج من شيء إلى شيء، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. (12)* * *
قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةًۭ ۛ يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ ﴿26﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله جل ثناؤه : قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِقال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الناصب لِ" الأربعين ".فقال بعضهم: الناصب له قوله: " محرّمة "، وإنما حرم الله جل وعزّ على القوم الذين عصوه وخالفوا أمره من قوم موسى وأبوا حَرْب الجبارين (13) = دخولَ مدينتهم أربعين سنة، (14) ثم فتحها عليهم وأسكنهموها، (15) وأهلك الجبارين بعد حرب منهم لهم، بعد أن انقضت الأربعون سنة وخرجوا من التيه. (16)11690 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: لما قال لهم القوم ما قالوا، ودعا موسى عليهم، أوحى الله إلى موسى: " إنها محرمة عليهم أربعين سنًة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين "، وهم يومئذ، فيما ذكر، ستمائة ألف مقاتل. فجعلهم " فاسقين " بما عصوا. فلبثوا أربعين سنة في فراسخ ستّة، أو دون ذلك، يسيرون كل يوم جادِّين لكي يخرجوا منها، حتى سئموا ونزلوا، (17) فإذا هم في الدار التي منها ارتحلوا= وإنهم اشتكوا إلى موسى ما فُعِل بهم، فأنزل عليهم المنّ والسلوى، وأعطوا من الكسوة ما هي قائمة لهم، وينشأ الناشئ فتكون معه على هيئته. (18) وسأل موسى ربه أن يسقيهم، فأتى بحجر الطور، وهو حجر أبيض، إذا ما نزل القوم ضربه بعصاه، فيخرج منه اثنتا عشرة عينًا، لكل سبط منهم عَيْنٌ، قد علم كل أناس مشربهم. حتى إذا خَلَت أربعون سنة، وكانت عذابًا بما اعتدوا وعصوا، أوحى إلى موسى: أنْ مُرْهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة، فإن الله قد كفاهم عدوَّهم، وقل لهم إذا أتوا المسجد: أن يأتوا الباب، ويسجدوا إذا دخلوا، ويقولوا: حِطَّةٌ = وإنما قولهم: حِطَّةٌ ، أن يحطَّ عنهم خطاياهم= فأبى عامة القوم وعصوا، وسجدوا على خدِّهم، وقالوا: " حنطة "، فقال الله جل ثناؤه: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ إِلَى بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [سورة البقرة: 59]. (19)* * *وقال آخرون: بل الناصب لِ" الأربعين "،" يتيهون في الأرض ". قالوا: ومعنى الكلام: قال، فإنَّها محرمة عليهم أبدًا، يتيهون في الأرض أربعين سنة. قالوا: ولم يدخُل مدينة الجبَّارين أحد ممن قال: إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ، وذلك أن الله عز ذكره حرَّمها عليهم. قالوا: وإنما دخلها من أولئك القوم يُوشع وكلاب، اللذان قالا لهم: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ، وأولادُ الذين حرَّم الله عليهم دخولها، فتيَّههم الله فلم يدخلها منهم أحدٌ.ذكر من قال ذلك:11691 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا سليمان بن حرب قال، حدثنا أبو هلال، عن قتادة في قول الله جل وعزّ: " إنها محرمة عليهم "، قال: أبدًا.11692 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سليمان بن حرب قال، حدثنا أبو هلال، عن قتادة في قول الله: " يتيهون في الأرض "، قال: أربعين سنة.11693 - حدثنا المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا هارون النحوي قال، حدثني الزبير بن الخرّيت، عن عكرمة في قوله: " فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض "، قال: التحريم، التيهاءُ. (20)11694 - حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: غضب موسى على قومه فدعا عليهم فقال: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي الآية، فقال الله جل وعز: " فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ". فلما ضُرِب عليهم التيه، ندم موسى. وأتاه قومه الذين كانوا [معه] يطيعونه، (21) فقال له: ما صنعت بنا يا موسى! فمكثوا في التيه. فلما خرجوا من التيه، رُفع المنُّ والسلوى وأكلُوا من البقول. والتقى موسى وعاج، (22) فنزا موسى في السماء عشرة أذرع (23) = وكانت عصاه عشرة أذرع، وكان طوله عشرة أذرع= فأصاب كعب عاج فقتله. (24) ولم يبق [أحد] ممن أبى أن يدخل قرية الجبَارين مع موسى، إلا مات ولم يشهد الفتح. (25) ثم إن الله جل وعز لما انقضت الأربعون سنة، بعث يوشع بن النون نبيًا، (26) فأخبرهم أنه نبيّ، وأن الله قد أمره أن يقاتل الجبّارين، فبايعوه وصدَّقوه، فهزم الجبارين واقتحمُوا عليهم يقتُلونهم، (27) فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عُنُق الرجل يضربونها لا يقطعونها. (28)11695 - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان قال، قال أبو سعيد، (29) عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال الله جل وعز: لما دعا موسى=" فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ". (30) قال: فدخلوا التيه، فكلُّ من دخل التيه ممن جاوز العشرين سنًة مات في التيه. (31)قال: فمات موسى في التيه، ومات هارون قبله. قال: فلبثوا في تيههم أربعين سنة، فناهض يوشع بمن بقي معه مدينةَ الجبارين، فافتتح يوشع المدينة. (32)11696 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال الله جل وعزّ: " إنها محرّمة عليهم أربعين سنة "، حرمت عليهم [القُرَى]، (33) فكانوا لا يهبطون قرية ولا يقدرون على ذلك، إنما يتبعون الأطواء أربعين سنة، (34) =وذكر لنا أن موسى صلى الله عليه وسلم مات في الأربعين سنة، وأنه لم يدخل بيت المقدس منهم إلا أبناؤهم والرجلان اللذان قالا ما قالا. (35)11697 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني بعض أهل العلم بالكتاب الأوّل قال: لما فعلت بنو إسرائيل ما فعلت= من معصيتهم نبيّهم، وهّمهم بكالب ويوشع، إذْ أمرَاهم بدخول مدينة الجبارين، وقالا لهم ما قالا= ظهرت عظمة الله بالغمام على باب قُبّة الزُّمَرِ على كل بني إسرائيل، (36) فقال جل ثناؤه لموسى: إلى متى يعصيني هذا الشعب؟ وإلى متى لا يصدّقون بالآيات كلِّها التي وضَعتُ بينهم؟ أضربهم بالموت فأهلكهم، (37) وأجعل لك شعبًا أشد وأكبر منهم. فقال موسى: يسمع أهلُ المصر الذين أخرجتَ هذا الشعب بقوّتك من بينهم، (38) ويقول ساكن هذه البلاد الذين قد سمعوا أنك أنت الله في هذا الشعب، (39) فلو أنك قتلت هذا الشعب كلهم كرجل واحد، لقالت الأمم الذين سمعوا باسمك: " إنما قتل هذا الشعب من أجل الذين لا يستطيع أن يدخلهم الأرض التي خلق لهم، فقتلهم في البّرية "، ولكن لترتفع أياديك ويعظم جزاؤك، يا رَبِّ، كما كنت تكلَّمت وقلتَ لهم، فإنه طويلٌ صبرك، كثيرة نعمك، وأنت تغفر الذنوب فلا توبق، (40) وإنك تحفظ [ذنب] الآباء على الأبناء وأبناء الأبناء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة. (41) فاغفر، أيْ ربِّ، آثام هذا الشعب بكثرة نعمك، وكما غفرت لهم منذ أخرجتهم من أرض مصر إلى الآن. فقال الله جل ثناؤه لموسى صلى الله عليه: قد غفرت لهم بكَلمتك، ولكن حيٌّ أنا، (42) وقد ملأت الأرض محمدتي كلها، لا يرى القوم الذين قد رأوا محمدتي وآياتي التي فعلت في أرض مصر وفي القفار، (43) وابتلوني عشر مرات ولم يطيعوني، (44) لا يرون الأرض التي حلفت لآبائهم، (45) ولا يراها من أغضبني، فأما عبدي كالب الذي كان روحه معي واتبع هواي، (46) فإني مدخله الأرض التي دخلها، ويراها خَلَفه.=وكان العماليق والكنْعانيون جلوسًا في الجبال، ثم غدوا فارتحلوا إلى القفار في طريق بحر سوف، (47) وكلم الله عز وجل موسى وهارون، وقال لهما: إلى متى توسوس عليّ هذه الجماعة جماعة السوء؟ قد سمعتُ وسوسة بني إسرائيل. (48) وقال، لأفعلن بكم كما قلت لكم، (49) ولتلقينَّ جِيَفكم في هذه القفار، وكحسابكم، (50) من بني عشرين سنة فما فوق ذلك، من أجل أنكم وسوستم عليّ، (51) فلا تدخلوا الأرض التي رفعت [يدي] إليها، (52) ولا ينزل فيها أحد منكم غير كالب بن يوفنا ويوشع بن نون، وتكون أثقالكم كما كنتم الغنيمة، وأما بنُوكم اليوم الذين لم يعلموا ما بين الخير والشر، فإنهم يدخلون الأرض، وإني بهم عارف، لهم الأرض التي أردت لهم، وتسقط جيفكم في هذه القفار، وتتيهون في هذه القفار على حساب الأيَّام التي حَسَستم الأرض أربعين يومًا، مكان كل يوم سنةً وتقتلون بخطاياكم أربعين سنة، وتعلمون أنكم وسوستم قُدَّامي. إنى أنا الله فاعل بهذه الجماعة= جماعة بني إسرائيل الذين وعدوا قدامي= بأن يتيهوا في القفار، (53) فيها يموتون.= فأما الرهط الذين كان موسى بعثهم ليتحسسوا الأرض، ثم حرَّشوا الجماعة، فأفشوا فيهم خبرَ الشرّ، فماتوا كلهم بغتًة، وعاش يوشع وكالب بن يوفنا من الرهط الذين انطلقوا يتحسسون الأرض.=فلما قال موسى عليه السلام هذا الكلام كلَّه لبني إسرائيل، حزن الشعب حزنًا شديدًا، وغدوا فارتفعوا، إلى رأس الجبل، (54) وقالوا: نرتقي الأرض التي قال جل ثناؤه، من أجل أنا قد أخطأنا. فقال لهم موسى: " لم تعتدون في كلام الله؟ من أجل ذلك لا يصلح لكم عمل، ولا تصعدوا من أجل أنَّ الله ليس معكم، فالآن تنكسرون من قدّام أعدائكم، من أجل العمالقة والكنعانيين أمامكم، فلا تقعوا في الحرب من أجل أنكم انقلبتم على الله، فلم يكن الله معكم ". فأخذوا يَرْقَوْنَ في الجبل، ولم يبرح التابوت الذي فيه مواثيق الله جل ذكره وموسى من المحلة= يعني من الخيمة (55) = حتى هبط العماليق والكنعانيون في ذلك الحائط، فحرقوهم وطردوهم وقتلوهم. (56) فتيّههم الله عز ذكره في التيه أربعين سنًة بالمعصية، حتى هلك من كان استوجب المعصية من الله في ذلك. =قال: فلما شَبّ النواشئ من ذراريهم وهلك آباؤهم، وانقضت الأربعون سنة التي تُيِّهوا فيها، (57) وسار بهم موسى ومعه يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وكان -فيما يزعمون- على مريم ابنة عمران أخت موسى وهارون، وكان لهما صهرًا، (58) قدَّم يوشع بن نون إلى أريحا، في بني إسرائيل، فدخلها بهم، وقتل بها الجبابرة الذين كانوا فيها، ثم دخلها موسى ببني إسرائيل، فأقام فيها ما شاء الله أن يُقيم، ثم قبضه الله إليه، لا يعلم قبره أحد من الخلائق.* * *قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: إن " الأربعين " منصوبة ب" التحريم "= وإنّ قوله: " محرمة عليهم أربعين سنة "، معنيٌّ به جميع قوم موسى، لا بعض دون بعض منهم. لأن الله عز ذكره عمَّ بذلك القوم، ولم يخصص منهم بعضًا دون بعض. وقد وفَى الله جل ثناؤه بما وعدهم به من العقوبة، فتيَّههم أربعين سنة، وحرَّم على جميعهم، في الأربعين سنة التي مكثوا فيها تائهين، دخولَ الأرض المقدَّسة، فلم يدخلها منهم أحد، لا صغير ولا كبير، ولا صالح ولا طالح، حتى انقضت السنون التي حرَّم الله عز وجَل عليهم فيها دخولها. ثم أذن لمن بقي منهم وذراريهم بدخُولها مع نبي الله موسى والرجلين اللذين أنعمَ الله عليهما، وافتتح قرية الجبارين، إن شاء الله، نبيُّ الله موسى صلى الله عليه وسلم، وعلى مقدّمته يوشع، وذلك لإجماع أهل العلم بأخبار الأوَّلين أن عوج بن عناق قتلَه موسى صلى الله عليه وسلم. (59) فلو كان قتلُه إياه قبل مصيره في التيه، وهو من أعظم الجبارين خلقًا، لم تكن بنو إسرائيل تجزَع من الجبارين الجزعَ الذي ظهر منها. ولكن ذلك كان، إن شاء الله، بعد فناء الأمة التي جزعت وعصت ربها، وأبت الدخول على الجبارين مدينَتهم.وبعدُ: فإن أهل العلم بأخبار الأوّلين مجمعون على أن بلعم بن باعور، (60) كان ممن أعان الجبارين بالدعاء على موسى. ومحالٌ أن يكون ذلك كان وقوم موسى ممتنعون من حربهم وجهادهم، لأن المعونة إنما يحتاج إليها من كان مطلوبًا، فأما ولا طالب، فلا وجه للحاجة إليها.11698 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوف قال: كان سرير عوج ثمانمائة ذراع، وكان طول موسى عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع، ووثب في السماء عشرة أذرع، (61) فضرب عوجًا فأصاب كعبه، فسقط ميتًا، فكان جسرًا للناس يمرُّون عليه. (62)11699 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا قيس، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت عصا موسى عشرة أذرع، ووثبته عشرة أذرع، وطوله عشرة أذرع، (63) فوثب فأصاب كعب عوج فقتله، فكانَ جسرًا لأهل النيل سنة. (64)* * *ومعنى: " يتيهون في الأرض "، يحارون فيها ويضلُّون= ومن ذلك قيل للرجل الضال عن سبيل الحق: " تائه ". وكان تيههم ذلك: أنهم كانوا يصبحون أربعين سنة كل يوم جادِّين في قدر ستة فراسخ للخروج منه، فيمسون في الموضع الذي ابتدأوا السير منه.11700 - حدثني بذلك المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع. (65)11701 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: تاهت بنو إسرائيل أربعين سنة، يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا في تيههم.* * *القول في تأويل قوله جل ثناؤه : فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " فلا تأس "، فلا تحزن.يقال منه: " أسِيَ فلان على كذا يأسىَ أسًى "، و " قد أسيت من كذا "، أي حزنت، ومنه قول امرئ القيس:وُقُوفًا بِهَا صَحْبي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْيَقُولُونَ: لا تَهْلِكْ أَسًى وتَجَمَّل (66)يعني: لا تهلك حزنًا.* * *وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.ذكر من قال ذلك:11702 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " فلا تأس " يقول: فلا تحزن.11703 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال حدثنا أسباط، عن السدي: " فلا تأس على القوم الفاسقين "، قال: لما ضُرب عليهم التّيه، ندم موسى صلى الله عليه وسلم، فلما نَدِم أوحى الله إليه: " فلا تأس على القوم الفاسقين "، لا تحزن على القوم الذين سمَّيتهم " فاسقين "، فلم يحزن. (67)---------------------الهوامش :(5) في المطبوعة والمخطوطة: "من قيلهم لهم" ، والسياق يقتضي"له" ، وسياق العبارة: "أنه قال عند ذلك.. داعيًا: يا رب..".(6) انظر تفسير"ملك" فيما سلف قريبًا ص: 105.(7) لعله: حبينة بن طريف العكلي. وانظر التعليق التالي. و"حبينة" بالباء ، والنون وأخطأ من ظن أنه بنونين.(8) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 160 ، وهكذا جاء هناك وهنا. وفي المخطوطة: "يا رب فارق" ، وصححه في المطبوعة ، وجاء تصحيحه موافقًا لما في مجاز القرآن. ولم أجد الرجز بهذا اللفظ ، وظني أنه رجز حبينة بن طريف العكلي ، له خبر طويل (انظر تهذيب إصلاح المنطق 1: 138) ، كان بينه وبين ليلى الأخيلية كلام ، فقال لها: "أما والله لو أن لي منك النصف ، لسببتك سبًا يدخل معك قبرك!!" ثم راجزها وفضحها ، فقال في رجزه ذلك:جَارِيَةٌ منْ شِعْب ذي رُعَيْنِحَيَّاكَةٌ تَمْشِي بِعُلْطَتَيْنِوَذِي هِبَابٍ نَعِظِ الْعَصْرَيْنِقَدْ خَلَجَتْ بحاجِبٍ وعَيْنِيَا قَوْمِ خَلُّوا بَيْنَها وَبَيْنِيأَشَدَّ مَا خُلِّي بَيْنَ اثْنَيْنَلم يُلْقَ قَطُّ مِثْلَنَا سِيَّيْنِ"حياكة" ، تحيك في مشيتها ، أي تتبختر. و"وتتثط بالعلطتان" ، قلادتان أو ودعتان تكون في أعناق الصبيان ، "خجلت العين" واضطربت. يصفها بالغمز للرجال."سيين": مثلين. و"هب التيس هبابًا وهبيبًا" ، هاج ونب للسفاد.وتجد هذا الشعر وخبره مفرقًا في المؤتلف والمختلف للآمدي: 97 ، وإصلاح المنطق: 89 ، وتهذيب إصلاح المنطق: 138 ، واللسان (خلج) (علط) (نعظ) (عرك) ، والمخصص 2: 47. والشعر بهذه الرواية لا شاهد فيه.(9) "عجلة" مصدر الواحدة من قولهم: "عجل" ، إذا أسرع.(10) في المطبوعة: "كل هذا من قول الرجل" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وكأنه صواب ، وكأنه يقول"افرق بينا" و"اقض بينا" ، و"افتتح بيننا" كل ذلك يقول الرجل بمعنى"اقض بيننا".(11) في المطبوعة والمخطوطة: "فقضى الله" ، وآثرت قراءتها كذلك لحسن سياقها ، وهو في المخطوطة يكثر أن يكتب"قضاء" هكذا"قضى" ، كما سلف مرارا.(12) انظر تفسير"الفسق" فيما سلف 1: 409 ، 410/2: 118/ ثم 9: 515 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(13) في المطبوعة والمخطوطة: "وإنما حرم الله جل وعز القوم.." ، والسياق يقتضي ما أثبت ، بزيادة"على".(14) قوله"دخول" منصوب ، مفعول لقوله: "حرم". وكان في المطبوعة: "ودخول مدينتهم" ، وهو خطأ لا شك فيه ، والكلام لا يستقيم.(15) في المطبوعة: "وأسكنوها" ، غير ما في المخطوطة لغير علة.(16) في المطبوعة: "بعد أن قضيت الأربعون سنة" ، غير ما في المخطوطة لغير علة.(17) في المطبوعة: "حتى يمسوا وينزلوا" ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو صواب.(18) قوله: "ما هي قائمة لهم" ، كأنه يعني أن ثيابهم كانت لا تبلي ، بل لا تزال قائمة. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "ينشأ" بغير واو ، فزدتها لاقتضاء السياق.(19) الأثر: 11690- كأن هذا هو الأثر الذي ذكر أبو جعفر إسناده ولم يتمه فيما مضى رقم: 993. فلا أدري أفعل ذلك اختصارا ، أم سقط الخبر من هناك.(20) الأثر: 11693-"مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي".و"هرون النحوي" ، هو: "هرون بن موسى الأزدي" ، الأعور.و"الزبير بن الحزيت". ثقات مضوا جميعًا برقم: 4985.وهذا الخبر ، رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 225 ، 226.وكان في المطبوعة هنا: "التحريم ، لا منتهى له" ، وهو تصرف معيب بالغ العيب. وفي المخطوطة: "التحريم ، المنتهى" ، فآثرت قراءتها"التيهاء" يقال: "أرض تيه ، وتيهاء" ، ويقال ، "تيه" جمع"تيهاء" ، وهي المفازة يتاه فيها. وفي تاريخ الطبري 1: 226"التحريم: التيه".(21) هذه الزيادة بين القوسين مما مضى في 2: 98 ، رقم: 991.(22) في المطبوعة: "عوج" في هذا المكان ، وكل ما سيأتي ، وأثبت ما في المخطوطة.(23) في المطبوعة: "فوثب" ، ولم يحسن قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقوطة. و"نزا ينزو نزوا" ، وثب. وهي كما أثبتها في تاريخ الطبري 2: 223.(24) عند هذا الموضع انتهى ما رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 223.(25) زدت ما بين القوسين من تاريخ الطبري ، ولا يستقيم الكلام إلا بها.(26) في المطبوعة: "بن نون".(27) في المطبوعة: "يقاتلونهم" ، وأثبت ما في المخطوطة. وفي تاريخ الطبري: "فقتلوهم".(28) الأثر: 11694- هذا الأثر رواه أبو جعفر مفرقًا بين تاريخه وتفسيره ، كما مر عليك في التعليقات السالفة. ومن عند ذلك الموضع الذي أشرت إليه في ص: 192 التعليق رقم: 5 ، إلى هذا الموضع رواه أبو جعفر في التاريخ 1: 225.(29) في المخطوطة: "أبو سعد" ، وهو خطأ ، وانظر الأثر السالف رقم: 11668.(30) في المطبوعة: "قال لما دعا موسى قال الله فإنها محرمة.." ، غير ما في المخطوطة ، مع أنه مطابق لما في تاريخ الطبري.(31) في المخطوطة؛"جاز العشرين" ، وما في المطبوعة مطابق لما في التاريخ.(32) الأثر: 11695- هذا الأثر ، رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 225.(33) الزيادة بين القوسين من تاريخ الطبري ، وهي زيادة لا بد منها. وكان في المطبوعة والمخطوطة بعد"وكانوا" بالواو ، والصواب من التاريخ.(34) "الأطواء" جمع"طوى" (بفتح الطاء ، وكسر الواو ، وتشديد الياء): وهو البئر المطوية بالحجارة ، وهو صفة على"فعيل" بمعنى"مفعول" انتقل إلى الأسماء ، فلذلك جمعوه على"أفعال" كما قالوا: "شريف" و"أشراف" ، و"يتيم" ، و"أيتام".(35) الأثر: 11696- رواه أبو جعفر في التاريخ 1: 225 ، إلا قوله: "إنما يتتبعون الأطواء".(36) كان في المطبوعة: "على نار فيه الرمز" ، وهو لا معنى له ، وفي المخطوطة"على فيه الرمز" كل ذلك غير منقوط ، وصواب قراءته كما أثبت ، فإني أشك في كلمة"نار" التي كانت في المطبوعة ، والتي في المخطوطة غير منقوطة ، فرجحت قراءتها"باب" ، لأنه يكثر في كتاب القوم: "باب خيمة الاجتماع" كما في سفر العدد ، الإصحاح العاشر مثلا. و"خيمة الاجتماع" ، هي التي جاءت في خبر بن إسحق"قبة الزمر" ، و"الزمر" جمع"زمرة" وهي الجماعة. ويقابل ما رواه ابن إسحق هنا في سفر العدد ، الإصحاح الرابع عشر ، "ثم ظهر مجد الرب في خيمة الاجتماع" ، فثبت بهذا أن"خيمة الاجتماع" هي"قبة الزمر". و"القبة" عند العرب. هي خيمة من أدم مستديرة.هذا ، وخبر ابن إسحق هذا بطوله ، هو ترجمة أخرى للإصحاح الرابع عشر من سفر العدد. فمن المفيد مراجعته ، كما أسلفت في ص: 183 ، تعليق 2. وسأجتهد في بيان بعض خلاف الترجمة هنا.(37) هكذا في المخطوطة والمطبوعة: "أضربهم بالموت" ، وفي كتاب القوم"بالوبأ" ، وغير بعيد أن يكون لفظ"الموت" مصحفا عن"الوبأ".(38) في كتاب القوم: "فيسمع المصريون..".(39) في المطبوعة: "ساكنو هذه البلاد" ، وأثبت ما في المخطوطة.(40) من الحسن أن تقرأ هذا النص في كتاب القوم ، فإنه هناك: "فالآن لتعظم قدرة سيدي كما تكلمت قائلا. الرب طويل الروح ، كثير الإحسان ، يغفر الذنب والسيئة".(41) في المطبوعة: "إلى ثلاثة أجيال وأربعة" ، وأثبت ما في المخطوطة. و"الأحقاب" جمع"حقب" (بضم فسكون ، أو بضمتين): وهي الدهر ، قيل: ثمانون سنة ، وقيل أكثر. وأما ما بين القوسين فقد استظهرته من كتاب القوم ، فإن الكلام بغيره غير مستقيم. وهو في كتابهم: "بل يجعل ذنب الآباء على الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع".(42) في المطبوعة: "ولكن قد أتى أني أنا الله" ، غير ما في المخطوطة ، إذ لم يحسن قراءته ، وهو كما أثبته ، وهو في كتاب القوم أيضًا: "ولكن حي أنا فتملأ كل الأرض من مجد الرب".(43) في المطبوعة والمخطوطة: "ألا ترى القوم" ، والسياق يقتضي ما أثبت ، وهو بمعناه في كتاب القوم.(44) في المطبوعة: "وسلوني عشر مرات" ، و"ابتلاه": اختبره ، وفي كتاب القوم: "وجربوني عشر مرات".(45) في المطبوعة: "التي خلقت" ، وهو ليس صحيح المعنى ، بل هو باطل. وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وهي في كتاب القوم"حلفت" كما هي في رسم المخطوطة ، وكما أثبتها ، واتفقت على ذلك الترجمة القديمة ، وهذه الترجمة التي بين أيدينا. والمعنى في ذلك: الأرض التي أقسمت لآبائهم بعزتي وجلالي أن أجعلها لأبنائهم.(46) في ترجمة القوم: "وأما عبدي كالب ، فمن أجل أنه كانت معه روح أخرى. وقد اتبعني تمامًا".(47) في المطبوعة والمخطوطة: "في طريق يحرسون" ، وهو تصحيف وتحريف. والصواب ما أثبته و"بحر سوف" هو المعروف باسم"البحر الأحمر" ، وكان العرب يعرفونه باسم"بحر القلزم" ، و"القلزم": مدينة قديمة كانت قرب أيلة والطور. و"السوف" لعلها نطق قديم لقول العرب"السيف" (بكسر السين) ، وهو ساحل البحر ، ولعله قد سمى به موضع هناك ، فنسب إليه البحر.(48) "وسوس عليه" ، و"الوسوسة" ، مضت في الأثر رقم: 11663 ، ولم أشرحها هناك.وأصل"الوسوسة": الصوت من الريح ، أو صوت الحلي والقصب وغيرها. و"الوسوسة" أيضا: كلام خفي مختلط لا يستبين."وسوس الرجل": إذا تكلم بكلام لم يبينه. وهذه ترجمة بلا شك يراد بها الإكثار من الكلام الخفي المبهم ، يتناقله القوم بينهم متذمرين. ويقابله في ترجمة القوم ، في الكتاب الذي بين أيدينا: "قد سمعت تذمر بني إسرائيل.."(49) في كتاب القوم هكذا: "لأفعلن بكم كما تكلمتم في أذني".(50) في المطبوعة: "وحسابكم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، يعني: مثل عددكم ، أي جميعا. وفي كتاب القوم: "جميع المعدودين منكم حسب عددكم".(51) انظر تفسير"الوسوسة" آنفا ص 195 ، رقم: 7.(52) في المطبوعة والمخطوطة: "التي دفعت إليها" ، وليس له معنى ، فجعلتها"رفعت" وزدت"يدي" بين القوسين استظهارًا من نص كتاب القوم ، وفيه: "التي رفعت يدي لأسكننكم فيها".(53) في المطبوعة: "قد أتى أني أنا الله......... الذين وعدوا بأن يتيهوا........" ، وأثبتت ما في المخطوطة. وفي كتاب القوم: "........فتعرفون ابتعادي. أنا الرب قد تكلمت ، لأفعلن هذا بكل هذه الجماعة الشريرة المتفقة على. في هذا القفر يفنون وفيه يموتون".(54) في المطبوعة: "على رأس الجبل" ، وأثبت ما في المخطوطة.(55) في المطبوعة: "يعني من الحكمة" ، والصواب ما أثبت ، لأن"التابوت" كان في خيمة. واللفظة في المخطوطة غير بينة الكتابة. وانظر صفة"الخيمة" التي كان فيها التابوت في قاموس كتابهم.(56) إلى هذا الموضع انتهى الإصحاح الرابع عشر من سفر العدد. وقد تبين أن ما رواه ابن إسحق ، هو ترجمة أخرى لهذا الإصحاح. ولغة ترجمة ابن إسحق تخالف كل المخالفة ، عبارة ابن إسحق في سائر ما كتب من السير ، وفيها عبارات وجمل وألفاظ ، لا أشك في أنها من عمل مترجم قديم. ومحمد بن إسحق مات في نحو سنة 150 من الهجرة ، فهذه الترجمة التي رواها عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول ، قد تولاها بلا ريب رجال قبل هذا التاريخ ، أي في القرن الأول من الهجرة. وهذا أمر مهم ، أرجو أن أتتبعه فيما بعد حتى أضع له تاريًخا يمكن أن يكشف عن أمر هذه الترجمة العتيقة.(57) في المطبوعة: "التي تتيهوا" بتاءين ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في تاريخ الطبري 1: 226.(58) من أول قوله: "فلما شب النواشئ" ، إلى هذا الموضع ، مروي في تاريخ الطبري 1: 226.(59) في المطبوعة: "عوج بن عنق" ، وأثبت ما في المخطوطة. وانظر ما سلف أنه روى في اسمه"عاج" ص: 192 ، تعليق: 2.(60) في المطبوعة: "باعوراء" ، وأثبت ما في المخطوطة.(61) في المطبوعة"عشرة أذرع" في المواضع الثلاثة ، وأثبت ما في المخطوطة ، وكلاهما صواب فإن"الذراع" ، مؤنثة ، وقد تذكر.(62) الأثر: 11698- رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 223.(63) في المطبوعة"عشرة أذرع" في المواضع الثلاثة ، وأثبت ما في المخطوطة ، وكلاهما صواب فإن"الذراع" ، مؤنثة ، وقد تذكر.(64) الأثر: 11699- رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 223.هذا ، وكل ما رواه أبو جعفر من أخبار عوج ، وما شابهه مما مضى في ذكر ضخامة خلق هؤلاء الجبارين ، إنما هي مبالغات كانوا يتلقونها من أهل الكتاب الأول ، لا يرون بروايتها بأسًا. وهي أخبار زيوف لا يعتمد عليها.(65) الأثر: 11700- انظر الأثر السالف رقم: 11690.(66) ديوانه: 125 ، من معلقته المشهورة.(67) الأثر: 11703- هو بعض الأثر السالف قديمًا رقم: 991. وأسقط ناشر المطبوعة الأولى: "فلم يحزن" ، لأنها كانت في المخطوطة: "فلا تحزن" ، فظنها تكرارًا فحذفها ، وهي ثابتة كما كتبتها في الأثر السالف: 991.
۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًۭا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْءَاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴿27﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز وجل : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واتلُ على هؤلاء اليهود الذين هموا أن يبسطُوا أيديهم إليكم، وعلى أصحابك معك (68) = وعرِّفهم مكروهَ عاقبة الظلم والمكر، وسوء مغبَّة الخَتْر ونقض العهد، (69) وما جزاء الناكثِ وثوابُ الوافي= (70) خبرَ ابني آدم، هابيل وقابيل، وما آل إليه أمر المطيع منهما ربَّه الوافي بعهده، وما إليه صار أمر العاصي منهما ربَّه الخاتِر الناقضِ عهده. (71) فلتعرف بذلك اليهود وخَامِة غِبّ غَدْرهم ونقضهم ميثاقَهم بينك وبينهم، (72) وهمَّهم بما همُّوا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك، فإن لك ولهم (73) = في حسن ثوابي وعِظَم جزائي على الوفاء بالعهد الذي جازيت المقتولَ الوافِيَ بعهده من ابني آدم، وعاقبتُ به القاتل الناكثَ عهده= عزاءً جميلا. (74)* * *واختلف أهل العلم في سبب تقريب ابني آدم القربان، وسبب قَبُول الله عز وجل ما تقبل منه، ومَنِ اللذان قرَّبا؟فقال بعضهم: كان ذلك عن أمر الله جل وعز إياهما بتقريبه، وكان سبب القبول أن المتقبَّل منه قرَّب خير ماله، وقرب الآخر شر ماله، وكان المقرِّبان ابني آدم لصلبه، أحدهما: هابيل، والآخرُ: قابيل.ذكر من قال ذلك:11704 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن هشام بن سَعْد، عن إسماعيل بن رافع قال: بلغني أن ابني آدم لمّا أُمِرَا بالقربان، كان أحدهما صاحب غَنَم، وكان أُنْتِجَ له حَمَلٌ في غنمه، (75) فأحبه حتى كان يؤثره بالليل، وكان يحمله على ظهره من حبه، حتى لم يكن له مالٌ أحبَّ إليه منه. فلما أُمِر بالقربان قرّبه لله فقبله الله منه، فما زال يَرْتَع في الجنة حتى فُدِي به ابن إبراهيم صلى الله عليهما. (76)11705 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عوف، عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عمرو قال: إنّ ابني آدم اللذين قرّبا قربانًا فتقبّل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، كان أحدهما صاحب حَرْثٍ، والآخر صاحب غنم. وأنهما أُمرا أن يقرّبا قربانًا= وإن صاحب الغَنَم قرب أكرم غنمه وأسمَنَها وأحسَنَها طيّبًة بها نفسه= وإن صاحبَ الحرث قرّب شَرّ حرثه، [الكوزن] والزُّوان، (77) غير طيبةٍ بها نفسه= وإن الله تقبّل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قُربان صاحب الحرث. وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه. وقال: أيمُ الله، إنْ كان المقتول لأشدّ الرجلين، ولكن منعه التحرُّجُ أن يبسطَ يده إلى أخيه. (78)* * *وقال آخرون: لم يكن ذلك من أمرِهما عن أمرِ الله إياهما به.ذكر من قال ذلك:11706 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين يُتصدَّق عليه، (79) وإنما كان القربان يقرِّبه الرجل. فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا " لو قربنا قربانًا "! وكان الرجل إذا قرب قربانًا فرضيه الله جل وعزّ، أرسل إليه نارًا فأكلته. وإن لم يكن رضيَه الله، خَبَتِ النار. فقرّبا قربانًا، وكان أحدهما راعيًا، وكان الآخر حرَّاثًا، وإنّ صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنَها، وقرب الآخر بعضَ زرعه. (80) فجاءت النار فنزلت يينهما، فأكلت الشاة وتركت الزرع، وإن ابن آدم قال لأخيه: أتَمْشي في الناس وقد علموا أنك قرَّبت قربانًا فتُقبِّل منك، ورُدَّ علي؟ فلا والله لا تنظر الناس إليّ وإليك وأنت خير مني!! فقال: لأقتلنَّك! فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين. (81)11707 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى قال، حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " إذ قربا قربانًا "، قال: ابنا آدم، هابيل وقابيل، لصلب آدم. فقرّب أحدهما شاةً، وقرب الآخر بَقْلا فقبل من صاحب الشاة، فقتله صاحبه.11708 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.11709 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد في قوله: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذْ قرّبا قربانًا " قال: هابيل وقابيل، فقرب هابيل عَنَاقًا من أحسن غَنَمه، (82) وقرب قابيل زرعًا من زرعه. قال: فأكلت النار العَناقَ، ولم تأكل الزرع، فقال: لأقتلنك! قال: إنما يتقبل الله من المتقين.11710 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا رجل سمع مجاهدا في قوله: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانًا " قال: هو هابيل وقابيل لصُلْب آدم، قربا قربانًا، قرب أحدهما شاة من غنمه، وقرب الآخر بَقْلا فتُقُبِّل من صاحب الشاة، فقال لصاحبه: لأقتلنك! فقتله. فعقل الله إحدى رجليه بساقها إلى فخذها إلى يوم القيامة، وجعل وجهه إلى الشمس حيثما دارت، عليه حَظِيرة من ثلج في الشتاء، وعليه في الصيف حظيرة من نار، ومعه سبعةُ أملاكٍ، كلما ذهب مَلَك جاء الآخر.11711 - حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان= ح، وحدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان= عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد، عن ابن عباس: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قرّبا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر "، قال: قرّب هذا كبشًا، وقرّب هذا صُبَرًا من طعام، (83) فتقبل من أحدهما، قال: تُقُبل من صاحب الشاة، ولم يتقبل من الآخر.11712 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قرّبا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر "، كان رجلان من بني آدم، فتُقُبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر.11713 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق "، قال: كان أحدهما اسمه قابيل، والآخر هابيل، أحدهما صاحب غنم، والآخر صاحب زرع، فقرب هذا من أمثل غنمه حَمَلا وقرّب هذا من أرذَلِ زرعه، (84) قال: فنزلت النار فأكلت الحمل، فقال لأخيه: لأقتلنك!11714 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوَّل: أن آدم أمر ابنه قابيل أن يُنكِح أختَه تُؤْمَهُ هابيل، وأمر هابيل أن ينكح أخته تُؤْمَه قابيل، (85) فسلم لذلك هابيل ورضي، وأبى قابيل ذلك وكره، (86) تكرمًا عن أخت هابيل، ورغب بأخته عن هابيل، وقال: نحنَ وِلادة الجنة، وهما من ولادة الأرض، وأنا أحق بأختي!= ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول: كانت أخت قابيل من أحسن الناس، فضن بها عن أخيه وأرادها لنفسه. فالله أعلم أيّ ذلك كان= فقال له أبوه: يا بني إنها لا تحلُّ لك! فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه، فقال له أبوه: يا بني فقرّب قربانًا، ويقرّب أخوك هابيل قربانًا، فأيُّكما قَبِل الله قربَانه فهو أحق بها. وكان قابيل على بَذْر الأرض، وكان هابيل على رِعاية الماشية، فقرب قابيل قمحًا وقرّب هابيل أبْكارًا من أبكار غنمه= وبعضهم يقول: قرب بقرة= فأرسل الله جل وعز نارًا بيضاء فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، وبذلك كان يُقْبَل القُربان إذا قبله. (87)11715 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي فيما ذكر، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس= وعن مرة، عن ابن مسعود= وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: وكان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية، (88) فكان يزوّج غلام هذا البطن، جاريةَ هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن، غلامَ هذا البطن الآخر. حتى ولد له ابنان يقال لهما: قابيل، وهابيل. وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضَرْعٍ. وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل. وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه وقال: هي أختي، ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوَّجها! فأمره أبوه أن يزوِّجها هابيل، فأبى. وإنهما قربا قربانًا إلى الله أيُّهما أحق بالجارية، كان آدم يومئذ قد غاب عنهما إلى مكة ينظر إليها، قال الله عز ذكره لآدم: يا آدمُ، هل تعلم أن لي بيتًا في الأرض؟ قال: اللهم لا! قال: فإن لي بيتًا بمكة فأتِه. فقال آدم للسماء: " احفظي ولدي بالأمانة "، فأبت. وقال للأرض، فأبت. وقال للجبال فأبت. وقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع وتجدُ أهلك كما يسرُّكَ. فلما انطلق آدم، قربا قربانًا، وكان قابيل يفخَر عليه فقال: أنا أحق بها منك، هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصيُّ والدي! فلما قرَّبا، قرب هابيل جَذَعة سمينة، (89) وقرّب قابيل حُزمة سنبل، فوجد فيها سنبلةً عظيمة، ففرَكَها فأكلها. فنزلت النار فأكلت قربانَ هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي! فقال هابيل: إنما يتقبَّل الله من المتقين. (90)11716 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق "، ذكر لنا أنهما هابيل وقابيل. فأما هابيل، فكان صاحب ماشية، فعمَد إلى خير ماشيته فتقرّب بها، فنزلت عليه نار فأكلته= وكان القربان إذا تُقُبل منهم، نزلت عليه نار فأكلته. وإذا رُدَّ عليهم أكلته الطيرُ والسباع= وأما قابيل، فكان صاحب زرع، فعمد إلى أردإ زرعه فتقرب به، فلم تنزل عليه النار، فحسد أخاه عند ذلك فقال: لأقتلنك! قال: إنما يتقبل الله من المتقين.11717 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق "، قال: هما هابيل وقابيل، قال: كان أحدهما صاحب زرع، والآخر صاحب ماشية، فجاء أحدهما بخيرِ ماله، وجاء الآخر بشر ماله. فجاءت النار فأكلت قربان أحدهما، وهو هابيل، وتركت قربان الآخر، فحسده فقال: لأقتلنك!11718 - حدثنا سفيان قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: " إذ قرّبا قربانًا "، قال: قرّب هذا زرعًا، وذَا عناقًا، فتركت النارُ الزرعَ وأكلتِ العَناق. (91)* * *وقال آخرون: اللذان قرّبا قربانًا، وقصَّ الله عز ذكره قصصهما في هذه الآية: رجلان من بني إسرائيل، لا من ولد آدم لصلبه.ذكر من قال ذلك:11719 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن قال: كان الرجلان اللذان في القرآن، اللذان قال الله: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق "، من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وإنما كان القُربان في بني إسرائيل، وكان آدم أول من مات. (92)* * *قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، أن اللذين قرّبا القربان كانا ابني آدم لصلبه، لا من ذرّيته من بني إسرائيل. وذلك أن الله عز وجل يتعالى عن أن يخاطب عبادَه بما لا يفيدهم به فائدة، والمخاطبون بهذه الآية كانوا عالمين أن تقريبَ القربان لله لم يكن إلا في ولد آدم، دون الملائكة والشياطين وسائرِ الخلق غيرهم. فإذْ كان معلومًا ذلك عندهم، فمعقول أنه لو لم يكن معنيًّا بِ" ابني آدم " اللذين ذكرهما الله في كتابه، ابناهُ لصلبه، لم يفدْهم بذكره جل جلاله إياهما فائدة لم تكن عندهم. وإذْ كان غيرَ جائز أن يخاطبهم خطابًا لا يفيدهم به معنًى، فمعلوم أنه عَنى ب" ابني آدم "، [ابني آدم لصلبه]، لا بَنِي بنيه الذين بَعُد منه نسبهم، (93) مع إجماع أهل الأخبار والسير والعلم بالتأويل، على أنهما كانا ابني آدم لصلبه، وفي عهد آدم وزمانه، وكفى بذلك شاهدا.* * *وقد ذكرنا كثيًرا ممن نُصَّ عنه القول بذلك، وسنذكر كثيرًا ممن لم يذكر إن شاء الله.11720 - حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا حسام بن المِصَكّ، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد قال: لما قتل ابن آدم أخاه، مكث آدم مائة سنة حزينًا لا يضحك، ثم أتي فقيل له: حيّاك الله وبيّاك!= فقال: " بياك "، أضحكك. (94)11721 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي إسحاق الهمداني قال، قال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: لما قتل ابن آدم أخاه، بكى آدم فقال:تَغَيَّرَتِ الْبِلادُ وَمَنْ عَلَيْهَافَلَوْنُ الأَرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحُتَغَيَّرَ كُلُّ ذِي لَوْنٍ وَطَعْمٍوَقَلَّ بَشَاشَةُ الْوَجْهِ الْمَلِيحِفأجيب آدم عليه السلام:أَبَا هَابِيلَ قَدْ قُتِلا جَمِيعًاوَصَارَ الْحَيُّ كَالْمَيْتِ الذَّبِيحِوَجَاءَ بِشِرَّةٍ قَدْ كَانَ مِنْهَاعَلَى خَوْفٍ, فَجَاءَ بِهَا يَصِيحُ (95)* * *قال أبو جعفر: وأما القول في تقريبهما ما قرَّبا، فإن الصواب فيه من القول أن يقال: إن الله عز ذكره أخبرَ عبادَه عنهما أنهما قد قربا، ولم يخبر أن تقريبهما ما قرّبا كان عن أمر الله إياهما به، ولا عن غير أمره. وجائز أن يكون كان عن أمر الله إياهما بذلك= وجائز أن يكون عن غير أمره. غير أنه أيّ ذلك كان، فلم يقرّبا ذلك إلا طلب قرْبةٍ إلى الله إن شاء الله.* * *وأما تأويل قوله: " قال لأقتلنك "، فإن معناه: قال الذي لم يُتَقَبَّل منه قربانه، للذي تُقُبّل منه قربانه: " لأقتلنك "، فترك ذكر: " المتقبل قربانه " و " المردود عليه قربانه "، استغناء بما قد جرى من ذكرهما عن إعادته. وكذلك ترك ذكر " المتقبل قربانه " مع قوله،" قال إنما يتقبل الله من المتقين ".* * *وبنحو ما قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس.11722 - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " قال لأقتلنك "، فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين. (96)11723 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " إنما يتقبل الله من المتقين "، قال يقول: إنك لو اتقيت الله في قربانك تُقُبل منك، جئت بقربانٍ مغشوش بأشرِّ ما عندك، (97) وجئت أنا بقربان طيِّب بخير ما عندي. قال: وكان قال: يتقبل الله منك ولا يتقبل مني!* * *ويعني بقوله: " من المتقين "، من الذين اتقوا الله وخافوه، بأداء ما كلفهم من فرائضه، واجتناب ما نهاهم عنه من معصيته. (98)* * *وقد قال جماعة من أهل التأويل: " المتقون " في هذا الموضع، الذين اتقوا الشرك.ذكر من قال ذلك:11724 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك قوله: " إنما يتقبل الله من المتقين "، الذين يتقون الشرك.* * *وقد بينا معنى " القربان " فيما مضى= وأنه " الفعلان " من قول القائل: " قرَّب "، كما " الفُرْقان "" الفعلان " من " فرق "، و " العُدْوان " من " عدا ". (99)* * *وكانت قرابين الأمم الماضية قبل أمَّتنا، كالصدقات والزكوات فينا، غير أن قرابينهم كان يُعْلم المتقبل منها وغير المتقبَّل =فيما ذكر= بأكل النار ما تُقُبل منها، وترك النار ما لم يُتقبّل منها. (100) و " القربان " في أمّتنا، الأعمال الصالحة، من الصَّلاة، والصيام، والصدقة على أهل المسكنة، وأداءِ الزكاة المفروضة. ولا سبيل لها إلى العلم في عاجلٍ بالمتقبَّل منها والمردود. (101)* * *وقد ذكر عن عامر بن عبد الله العنبري، أنه حين حضرته الوفاة بَكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقد كنتَ وكنتَ! فقال: يبكيني أنّي أسمع الله يقول: " إنما يتقبل الله من المتقين ".11725 - حدثني بذلك محمد بن عمر المقدمي قال، حدثني سعيد بن عامر، عن همّام، عمن ذكره، عن عامر. (102)* * *وقد قال بعضهم: قربان المتقين، الصلاة.11726 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص بن غياث، عن عمران بن سليمان، عن عدي بن ثابت قال: كان قربان المتّقين، الصلاة. (103)----------------------الهوامش :(68) أخطأ ناشر المطبوعة الأولى فهم هذه العبارة ، فجعلها"واتل على هؤلاء الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليكم عليك وعلى أصحابك معك" ، فزاد"عليك" ، وجعل"معهم" ، "معك" فأخرج الكلام من عربية أبي جعفر ، إلى كلام غسل من عربيته.وسياق الكلام: واتل على هؤلاء اليهود.. وعلى أصحابك معهم". فسبحان من سلط الناشرين على الكاتبين!!(69) "الختر": هو أسوأ الغدر. وأقبح الخديعة ، وفي الحديث: "ما ختر قوم بالعهد إلا سلط عليهم العدو" ، وفي التنزيل: "وما يحجد بآياتنا إلا كل ختار كفور". ولم يحسن ناشر المطبوعة قراءة"الختر" ، فجعل مكانها"الجور".(70) قوله"خبر ابني آدم" منصوب ، مفعول قوله: "واتل على هؤلاء اليهود" ، وما بين الخطين ، جملة فاصلة للبيان.وانظر تفسير"يتلو" فيما سلف 2: 409 ، 411 ، 569/3: 86/6: 466/7: 97. وتفسير"نبأ" فيما سلف 1: 488 ، 489/6: 259 ، 404.(71) في المطبوعة: "الجائر" ، وانظر تفسير"الختر" فيما سلف تعليق: 2 ، وهي في المخطوطة غير منقوطة.(72) في المطبوعة: "وخامة غب عدوهم" ، وهو فاسد مريض ، وهي في المخطوطة كما كتبتها غير منقوطة.(73) يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.(74) السياق: "فإن لك ولهم.. عزاء جميلا".(75) "أنتج" (بالبناء للمجهول) ، أي: ولد. و"الحمل" (بفتحتين): الخروف.(76) الأثر: 11704-"هشام بن سعد المدني" ، ثقة ، تكلموا فيه من جهة حفظه. مضى برقم: 5490. وكان في المطبوعة هنا: "بن سعيد" ، والصواب من المخطوطة."إسمعيل بن رافع بن عويمر المدني القاص" ، ضعيف جدا ، مضى برقم: 4039.(77) "الكوزن" ، هكذا في المطبوعة والمخطوطة ، وفي تاريخ الطبري"الكوذر" ، ولم أجدها في شيء مما بين يدي من الكتب. والذي وجدته أن"الدوسر": نبات كنبات الزرع ، له سنبل وحب دقيق أسمر ، يكون في الحنطة ، ويقال هو"الزوان". و"الزوان" (بضم الزاي): ما يخرج من الطعام فيرمي به ، وهو الرديء منه. وقيل: هو حب يخالط الحنطة ، تسميه أهل الشأم: "الشيلم".(78) الأثر: 11705- رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 71 ، وسيأتي برقم: 11727 ، مختصرًا. وفي المطبوعة هنا: "أن يبسط يده إلى أخيه" ، زاد"يده" ، وهي ليست في المخطوطة ، ولا في التاريخ ، ولا في هذا الأثر الذي سيرويه مرة أخرى بعد.(79) في المطبوعة: "فيتصدق" ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ.(80) في المطبوعة: "أبغض زرعه" ، غير ما في المخطوطة ، وهي موافقه لما في التاريخ. ويعني بقوله: "بعض زرعه" ، أي: ما اتفق له ، غير متخير كما تخير أخوه. وهو كقوله في الأثر رقم: 11709."زرعا من زرعه".(81) الأثر: 11706- رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 71 ، وسيأتي برقم: 11750 ، بزيادة في آخره.(82) "العناق" (بفتح العين): وهي الأنثى من المعز ما لم تتم سنة.(83) "الصبر" (بضم الصاد وفتح الباء) جمع"صبرة" (بضم فسكون): كومة من طعام بلا كيل ولا وزن. ويقال: "اشتريت الشيء صبرة" ، أي بلا كيل ولا وزن. وفي المطبوعة: "صبرة" وأثبت ما في المخطوطة.(84) في المطبوعة: "من أردإ زرعه" ، وأثبت ما في المخطوطة.(85) في المطبوعة في الموضعين"توأمة" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وفي تاريخ الطبري: "توأمته". و"التوأم" و"التئم" (بكسر فسكون) و"التؤم"(بضم فسكون) ، و"التئيم" ، هو من جميع الحيوان ، المولود مع غيره في بطن ، من الاثنين إلى ما زاد ، ذكرًا كان أوأنثى ، أو ذكرًا مع أنثى.ويقال أيضا"توأم للذكر"و"توأمة" للأنثى.وفي المخطوطة والمطبوعة في جميع المواضع"قابيل". وأما في التاريخ ، فهو في جميع المواضع"قين" مكان"قابيل" ، وهما واحد ، فتركت ما في المطبوعة والمخطوطة على حاله ، وإن كان يخالف ما رواه أبو جعفر في التاريخ.(86) في المطبوعة: "وكرهه" ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ.(87) الأثر: 11714- رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 70.(88) في المطبوعة: "كان.." بغير واو ، وأثبت ما في المخطوطة.(89) "الجذعة" من الضأن والمعز ، الصغير ، لم يتم سنته.(90) الأثر: 11715- رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 68 ، 69.(91) "العناق": أنثى المعز ، ما لم تتم سنة.(92) الأثر: 11719-"سهل بن يوسف الأنماطي" ، روى عن ابن عون ، وعوف الأعرابي ، وحميد الطويل ، وغيرهم. روى عنه أحمد ، ويحيى بن معين ، ومحمد بن بشار ، وغيرهم. مترجم التهذيب.وهذا الخبر رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 71.وسيأتي رد هذا الذي قاله الحسن فيما سيأتي ص: 219 ، 220.(93) في المطبوعة ، بغير الزيادة التي بين القوسين. أما المخطوطة ، فكانت العبارة غير مستقيمة ، كتب هكذا: "أنه عني بابني آدم لصلبه بني بنيه الذين بعد منه نسبهم" فالصواب زيادة ما زدته بين القوسين ، وزيادة"لا" كما فعل في المطبوعة السابقة.(94) الأثر: 11720-"حسام بن مصك بن ظالم بن شيطان الأزدي". روى عن الحسن. وابن سيرين ، وقتادة ، ونافع مولى ابن عمر. روى عنه أبو داود الطيالسي ، وهشيم ، ويزيد بن هرون ، وغيرهم. ضعفوه ، حتى قال ابن معين: "كان كثير الخطأ ، فاحش الوهم ، حتى خرج عن حد الاحتجاج به". مترجم في التهذيب.(95) الأثر: 11721-"غياث بن إبراهيم النخعي ، الكوفي" ، قال يحيى بن معين: "كذاب خبيث". وقال خالد بن الهياج: "سمعت أبي يقول: رأيت غياث بن إبراهيم ، ولو طار على رأسه غراب لجاء فيه بحديث! وقال: إنه كان كذابًا يضع الحديث من ذات نفسه". مترجم في الكبير 4/1/109 ، وابن أبي حاتم 3/2/57 ، وفي لسان الميزان ، وميزان الاعتدال.وفي المخطوطة والمطبوعة ، سقط من الإسناد"عن غياث بن إبراهيم" ، وزدته من إسناد أبي جعفر في تاريخه 1: 72 ، وروى الخبر هناك.(96) الأثر: 11722- هذا ختام الأثر السالف رقم: 11706.(97) قوله: "بأشر ما عندك" ، أي: "بشر ما عندك" ، وهي لغة قليلة. وقد مضت في الخبر رقم: 5080 ، وانظر التعليق هناك: 5: 85 ، تعليق: 1.(98) انظر تفسير"اتقى" فيما سلف من فهارس اللغة (وقى).(99) انظر ما سلف 7: 448.(100) انظر الأثرين السالفين: 8310 ، 8311.(101) قوله: "لها" ، الضمير عائد إلى قوله: "أمتنا".(102) الأثر: 11725-"محمد بن عمر بن علي بن عطاء المقدمي" ، مضى برقم: 6225 ، 6809.و"سعيد بن عامر الضبعي" ، ثقة مأمون. مترجم في التهذيب.و"همام" هو"همام بن يحيى بن دينار الأزدي" ، ثقة صدوق. مترجم في التهذيب.و"عامر بن عبد الله العنبري" ، هو"عامر بن عبد الله بن عبد قيس العنبري" ، ويقال: "عامر بن عبد قيس" ، أحد الزهاد الثمانية ، وهم: "عامر بن عبد الله بن عبد قيس ، وأويس القرني ، وهرم بن حبان ، والربيع بن خثيم ، ومسروق بن الأجدع ، والأسود بن يزيد ، وأبو مسلم الخولاني ، والحسن بن أبي الحسن البصري". انظر ترجمته في حلية الأولياء 2: 87-95 ، وكتاب الزهد لأحمد بن حنبل: 218- 228. ولم أجد هذا الخبر في أخباره في الكتابين.(103) الأثر: 11726-"عمران بن سليمان القيسي" ، ذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في لسان الميزان.و"عدي بن ثابت الأنصاري" ، ثقة ، إلا أنه كان يتشيع. مات سنة 116. مترجم في التهذيب.
لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍۢ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴿28﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز ذكره : لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28)قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن المقتول من ابني آدم أنه قال لأخيه= لما قال له أخوه القاتل: لأقتلنك=: والله " لئن بسطت إليَّ يدك "، يقول: مددت إليَّ يدك=" لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك "، يقول: ما أنا بمادٍّ يدي إليك (104) " لأقتلك ".* * *وقد اختلف في السبب الذي من أجله قال المقتول ذلك لأخيه، ولم يمانعه ما فَعَل به. فقال بعضهم: قال ذلك، إعلامًا منه لأخيه القاتل أنه لا يستحل قتلَه ولا بسطَ يده إليه بما لم يأذن الله جل وعز له به. (105)ذكر من قال ذلك:11727 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عوف، عن أبي المغيرة، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: وايم الله، إن كان المقتول لأشدَّ الرجلين، ولكن منعه التحرُّج أن يبسُط إلى أخيه. (106)11728 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك "، ما أنا بمنتصر، (107) ولأمسكنَّ يدي عنك.* * *وقال آخرون: لم يمنعه مما أراد من قتله، وقال ما قال له مما قصَّ الله في كتابه: [إلا] أن الله عزّ ذكره فرضَ عليهم أن لا يمتنع من أريد قتله ممن أراد ذلك منه. (108)ذكر من قال ذلك:11729 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا رجل سمع مجاهدًا يقول في قوله: " لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك "، قال مجاهد: كان كُتب عليهم، (109) إذا أراد الرجل أن يقتل رجلا تركه ولا يمتنع منه.* * *قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عز ذكره قد كان حرَّم عليهم قتل نفسٍ بغير نفس ظلمًا، وأن المقتول قال لأخيه: " ما أنا بباسط يدي إليك إن بسطت إليّ يدك "، لأنه كان حرامًا عليه من قتل أخيه مثلُ الذي كان حرامًا على أخيه القاتل من قتله. فأما الامتناع من قتله حين أراد قتله، فلا دلالة على أن القاتلَ حين أراد قتله وعزم عليه، كان المقتول عالمًا بما هو عليه عازمٌ منه ومحاولٌ من قتله، فترك دفعَه عن نفسه. بل قد ذكر جماعة من أهل العلم أنه قتله غِيلةً، اغتاله وهو نائم، فشدَخ رأسه بصخرةٍ. (110) فإذْ كان ذلك ممكنًا، ولم يكن في الآيةِ دلالة على أنه كان مأمورًا بترك منع أخيه من قتله، يكون جائزًا ادعاءُ ما ليس في الآية، إلا ببرهان يجب تسليمُه.* * *وأما تأويل قوله: " إنّي أخاف الله رب العالمين " فإنه: إنّي أخاف الله في بسط يدي إليك إن بسطتها لقتلك= (111) " رب العالمين "، يعني: مالك الخلائق كلها (112) =أن يعاقبني على بسط يدي إليك.--------------------الهوامش :(104) انظر تفسير: "بسط" فيما سلف ص: 100.(105) في المطبوعة: "بما لم يأذن الله به" ، أسقط ما هو ثابت في المخطوطة ، ولا أدري لم يرتكب ذلك!!(106) الأثر: 11727- سلف هذا الأثر مطولا برقم: 11705 ، وانظر التعليق عليه هناك.(107) في المطبوعة والمخطوطة: "لا أنا" ، والسياق يقتضي ما أثبت.(108) الزيادة بين القوسين لا بد منها لسياق هذه الجملة.(109) في المطبوعة: "كان كتب الله عليهم" ، وأثبت ما في المخطوطة.(110) انظر الآثار التالية من رقم: 11746-11749.(111) في المطبوعة: "فإني أخاف" ، وهو لا يستقيم ، والصواب ما أثبته من المخطوطة.(112) انظر تفسير"رب" و"العالمون" فيما سلف من فهارس اللغة.
إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلنَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُا۟ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴿29﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز ذكره : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29)قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.فقال بعضهم: معناه: إني أريد أن تبوء بإثمي من قتلك إياي، وإثمك في معصيتك الله، وغير ذلك من معاصيك. (113)ذكر من قال ذلك:11730 - حدثني موسى بن هارون، (114) قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي في حديثه، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس= وعن مرة، عن ابن مسعود= وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك "، يقول: إثم قتلي، إلى إثمك الذي في عنقك=" فتكون من أصحاب النار ".11731 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك "، يقول: بقتلك إياي، وإثمك قبل ذلك.11732 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: " إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك "، قال: بإثم قتلي وإثمك.11733 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك " يقول: إني أريد أن يكون عليك خطيئتك ودمي، تبوء بهما جميعًا.11734 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز، عن سفيان، عن &; 10-216 &; منصور، عن مجاهد: " إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك "، يقول: إني أريد أن تبوء بقتلك إياي=" وإثمك "، قال: بما كان منك قبل ذلك.11735 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، حدثني عبيد بن سليمان، عن الضحاك قوله: " إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك "، قال: أما " إثمك "، فهو الإثم الذي عمل قبل قتل النفس =يعني أخاه= وأما " إثمه "، فقتلُه أخاه.* * *=وكأن قائلي هذه المقالة، وجَّهوا تأويل قوله: " إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك "، إلى: إني أريد أن تبوء بإثم قتلي (115) =فحذف " القتل " واكتفى بذكر " الإثم "، إذ كان مفهومًا معناه عند المخاطبين به.* * *وقال آخرون: معنى ذلك: إني أريد أن تبوء بخطيئتي، فتتحمل وزرها، وإثمِك في قتلك إيّاي. وهذا قول وجدتُه عن مجاهد، وأخشى أن يكون غلطًا، لأن الصحيح من الرواية عنه ما قد ذكرنا قبلُ.ذكر من قال ذلك:11736 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك "، يقول: إني أريد أن تكون عليك خطيئتي ودمي، فتبوء بهما جميعًا.* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن تأويله: إني أريد أن تنصرف بخطيئتك في قتلك إياي (116) =وذلك هو معنى قوله: " إني أريد أن تبوء بإثمي" =وأما معنى: " وإثمك "، فهو إثمه بغير قتله، وذلك معصيته الله جل ثناؤه في أعمالٍ سِوَاه.وإنما قلنا ذلك هو الصواب، لإجماع أهل التأويل عليه. لأن الله عز ذكره قد أخبرنا أن كل عامل فجزاءُ عمله له أو عليه. وإذا كان ذلك حكمه في خلقه، فغير جائز أن يكون آثام المقتول مأخوذًا بها القاتل، وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرم وسائر آثامِ معاصيه التي ارتكبها بنفسه، دون ما ركبَه قتيلُه.* * *فإن قال قائل: أو ليس قتلُ المقتول من بني آدم كان معصيةً لله من القاتل؟ قيل: بلى، وأعظِمْ بها معصية!فإن قال: فإذا كان لله جل وعز معصيًة، فكيف جاز أن يُريد ذلك منه المقتول، ويقول: " إني أريد أن تبوء بإثمي"، وقد ذكرتَ أن تأويل ذلك، إني أريد أن تبوء بإثم قتلي؟ [قيل] معناه: (117) إني أريد أن تبوء بإثم قتلي إن قتلتني، لأني لا أقتلك، فإن أنت قتلتني، فإني مريد أن تبوء بإثم معصيتك الله في قتلك إياي. وهو إذا قتله، فهو لا محالة باءَ به في حكم الله، فإرادته ذلك غير موجبةٍ له الدخولَ في الخطأ.* * *ويعني بقوله: " فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين "، يقول: فتكون بقتلك إياي من سكان الجحيم، ووقود النار المخلدين فيها (118) =" وذلك جزاء الظالمين "، يقول: والنار ثوابُ التاركين طريق الحق، الزائلين عن قصد السبيل، المتعدِّين ما جُعِل لهم إلى ما لم يجعل لهم. (119)وهذا يدل على أن الله عز ذكره قد كان أمرَ ونهى آدم بعد أن أهبطه إلى الأرض، ووعد وأوعد. ولولا ذلك ما قال المقتول للقاتل: " فتكون من أصحاب النار " بقتلك إياي، ولا أخبره أن ذلك جزاء الظالمين. فكان مجاهد يقول: عُلّقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة، ووجهه في الشمس حيثما دارت دار، عليه في الصيف حظيرة من نار، وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج.11737 - حدثنا بذلك القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قال مجاهد ذلك= قال: وقال عبد الله بن عمرو: وإنا لنجد ابنَ آدم القاتلَ يقاسِم أهل النار قسمًة صحيحًة العذابَ، عليه شطرُ عذابهم. (120)* * *وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحو ما روي عن عبد الله بن عمرو، خبٌر.11738 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير= وحدثنا سفيان قال، حدثنا جرير وأبو معاوية= ح، وحدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية ووكيع= جميعًا، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأوَّلَ كفلٌ منها، ذلك بأنه أول من سَنَّ القتل. (121)11739 - حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي= ح، وحدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن= جميعا، عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه. (122)11740 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن حسن بن صالح، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم النخعي قال: ما من مقتول يقتل ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول والشيطان كفلٌ منه.11741 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن حكيم بن حكيم، أنه حُدِّث عن عبد الله بن عمرو: أنه كان يقول: إن أشقى الناس رجلا لابْنُ آدم الذي قتل أخاه، ما سُفِك دم في الأرض منذ قَتَل أخاه إلى يوم القيامة، إلا لحق به منه شيء، وذلك أنه أوَّل من سنَّ القتل. (123)* * *قال أبو جعفر: وهذا الخبر الذي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، (124) مبينٌ عن أنّ القول الذي قاله الحسن في ابني آدم اللذين ذكرهما الله في هذا الموضع (125) أنهما ليسا بابني آدم لصلبه، ولكنهما رجلان من بني إسرائيل= وأن القول الذي حكي عنه (126) أنّ أول من مات آدم، وأن القربان الذي كانت النار تأكله لم يكن إلا في بني إسرائيل= (127) خطأ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن هذا القاتل الذي قَتَل أخاه: أنه أول من سَنَّ القتل. وقد كان، لا شك، القتلُ قبل إسرائيل، فكيف قبل ذريته! فخطأ من القول أن يقال: أول من سن القتل رجلٌ من بني إسرائيل. (128)وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الصحيح من القول هو قول من قال: " هو ابن آدم لصلبه "، لأنه أولُ من سن القتل، فأوجب الله له من العقوبة ما رَوَينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.--------------الهوامش :(113) في المطبوعة: "وإثمك في معصيتك الله بغير ذلك من معاصيك" ، وهو كلام لا يستقيم ، لا شك أن صوابه ما أثبت.(114) في المطبوعة: "محمد بن هرون" ، وهو خطأ لا شك فيه ، صوابه في المخطوطة.(115) في المطبوعة والمخطوطة: "أي: إني أريد.." ، وصواب قراءتها ما أثبت.(116) انظر تفسير"باء" فيما سلف 2: 138 ، 345/7: 116 ، 366 = وتفسير"الإثم" ، فيما سلف من فهارس اللغة.(117) في المطبوعة ، وصل الكلام ، فلم يكن للاستفهام جواب ، فكتب هكذا: "إني أريد أن تبوء بإثم قتلي ، فمعناه: إني أريد..". وفي المخطوطة مثل ذلك ، إلا أنه كتب"ومعناه" بالواو. واستظهرت أن الصواب ما زدت بين القوسين"قيل" ، فإنه هذا أول جواب السائل.(118) انظر تفسير"أصحاب النار" فيما سلف 2: 286/4: 317/5: 429/ 6: 14/ 7: 133 ، 134.(119) انظر تفسير"جزاء" و"الظالمون" فيما سلف من فهارس اللغة.(120) الأثر: 11737- رواه أبو جعفر فيما سلف برقم: 11710 ، طريق أخرى. وليس فيه هذه الزيادة عن عبد الله بن عمرو.(121) الأثران: 11738 ، 11739- هذا حديث صحيح ، رواه أحمد في مسنده من هذه الطرق ، من حديث عبد الله بن مسعود برقم: 3630 ، 4092 ، 4123. ورواه البخاري في صحيحه من طرق عن الأعمش (الفتح 6: 262/12: 169/ 13: 256) ، ورواه مسلم في صحيحه من طرق عن الأعمش 11: 165 ، 166. وقال ابن كثير في تفسيره 3: 130: "وقد أخرجه الجماعة سوى أبي داود ، من طرق عن الأعمش ، به". ورواها أبو جعفر في تاريخه 1: 72 ، بمثل الذي رواه هنا.و"الكفل" (بكسر فسكون): الحظ والنصيب من الوزر والإثم. وانظر تفسير أبي جعفر فيما سلف 8: 581.(122) الأثران: 11738 ، 11739- هذا حديث صحيح ، رواه أحمد في مسنده من هذه الطرق ، من حديث عبد الله بن مسعود برقم: 3630 ، 4092 ، 4123. ورواه البخاري في صحيحه من طرق عن الأعمش (الفتح 6: 262/12: 169/ 13: 256) ، ورواه مسلم في صحيحه من طرق عن الأعمش 11: 165 ، 166. وقال ابن كثير في تفسيره 3: 130: "وقد أخرجه الجماعة سوى أبي داود ، من طرق عن الأعمش ، به". ورواها أبو جعفر في تاريخه 1: 72 ، بمثل الذي رواه هنا.و"الكفل" (بكسر فسكون): الحظ والنصيب من الوزر والإثم. وانظر تفسير أبي جعفر فيما سلف 8: 581.(123) الأثر: 11741-"حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف الأنصاري" ، روى عن ابن عمه أبي أمامة بن سهل ، ونافع بن جبير بن مطعم ، والزهري ، وغيرهم. ذكره ابن حبان في الثقات ، وصحح له الترمذي وابن خزيمة وغيرها ، وقال ابن سعد: "كان قليل الحديث ، ولا يحتجون بحديثه". مترجم في التهذيب.(124) في المطبوعة: "وبهذا الخبر.." ، غير ما في المخطوطة ، لم يحسن قراءة الآتي.(125) في المطبوعة: "تبين أن القول" ، جعلها كذلك ، وغير التي قبلها من أجل تغييره. وفي المخطوطة"متبين عن القول" غير منقوطة ، والصواب ما أثبته ، أسقط الناسخ"أن" ، والسياق دال على ذلك.(126) قول الحسن هذا ، هو ما رواه في الأثر رقم: 11719. وانظر أيضا ما سيأتي ص: 224.(127) السياق: وهذا الخبر... مبين عن أن القول الذي قاله الحسن... خطأ".(128) في المخطوطة والمطبوعة: "وخطأ من القول" بالواو ، والسياق يقتضي الفاء ، كما أثبتها.
فَطَوَّعَتْ لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ﴿30﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30)قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " فطوّعت " فآتتهُ وساعدته عليه. (129)* * *وهو " فعَّلت " من " الطوع "، من قول القائل: " طاعني هذا الأمر "، إذا انقاد له.* * *وقد اختلف أهل التأويل في تأويله.فقال بعضهم، معناه: فشجَّعت له نفسه قتل أخيه.ذكر من قال ذلك:11742 - حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي ومحمد بن حميد قالا حدثنا حكام بن سلم، عن عنبسة، عن ابن أبي ليلى، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: " فطوعت له نفسه "، قال: شجعت. (130)11743 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فطوعت له نفسه " قال: فشجعته.11744 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فطوعت له نفسه قتل أخيه "، قال: شجعته على قتل أخيه.* * *وقال آخرون: معنى ذلك: زيَّنَت له.ذكر من قال ذلك:11745 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " فطوعت له نفسه "، قال: زينت له نفسه قتلَ أخيه فقَتله.* * *ثم اختلفوا في صفة قتله إياه، كيف كانت، والسبب الذي من أجله قتله.* * *فقال بعضهم: وجده نائمًا فشدَخ رأسه بصَخرة.ذكر من قال ذلك:11746 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي فيما ذكر، عن أبى مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس= وعن مرة، عن عبد الله= وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فطوعت له نفسه قتل أخيه " فطلبه ليقتله، فراغ الغلام منه في رءوس الجبال. وأتاه يومًا من الأيام وهو يرعى غنمًا له في جبل، وهو نائم، فرفع صخرة فشدَخ بها رأسه، فمات، فتركه بالعَرَاء.* * *وقال بعضهم ما:-11747 - حدثني محمد بن عمر بن علي قال، سمعتَ أشعث السجستاني يقول: سمعت ابن جريج قال: ابنُ آدم الذي قتل صاحبَه لم يدر كيف يقتله، فتمثَّل إبليس له في هيئة طير، فأخذ طيرًا فقطع رأسه، (131) ثم وضعه بين حجرين فشدَخ رأسه، فعلَّمه القتل.11748 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قتله حيث يرعَى الغنم، فأتاه فجعل لا يدري كيف يقتله، (132) فلَوَى برقبته وأخذ برأسه، فنزل إبليس وأخذ دابَّةً أو طيرًا، فوضع رأسه على حجرٍ، ثم أخذ حجرًا آخر فرضخ به رأسه، وابنُ آدم القاتلُ ينظر. فأخذ أخاه فوضع رأسه على حجَر، وأخذ حجرًا آخر فرضخ به رأسه.11749 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا رجل سمع مجاهدًا يقول، فذكر نحوه.11750 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: لما أكلت النار قربانَ ابن آدم الذي تُقُبِّل قربانه، قال الآخر لأخيه: أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قربانًا فتقُبِّل منك، ورُدَّ عليَّ؟ والله لا تنتظر الناس إلي وإليك وأنت خير مني! فقال: لأَقْتُلَنَّكَ ، فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ . فخوّفه بالنار، فلم ينته ولم ينزجر=" فطوعت له نفسه قتلَ أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ". (133)11751 - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، قال: أقبلت مع سعيد بن جبير أرمي الجَمْرة، وهو متقَنّع متوكئٌ على يدي، حتى إذا وازينا بمنزل سَمُرَةَ الصوّاف، (134) وقف يحدثني عن ابن عباس قال: نهى أن ينكح المرأة أخوها تُؤْمها، (135) وينكحها غيره من إخوتها. وكان يولد في كل بطن رجلٌ وامرأة. فوُلدت امرأةٌ وسيمةٌ، وولدت امرأة دميمة قبيحة. فقال أخو الدّميمة: أنكحني أختك وأنكحك أختي. قال: لا أنا أحق بأختي. فقرّبا قربانًا، فتقبل من صاحب الكبش، ولم يتقبل من صاحب الزرع، فقتله. فلم يزل ذلك الكبش محبوسًا عند الله عز وجل حتى أخرجه في فداء إسحاق، فذبحه على هذا الصَّفا في ثَبِير، عند منزل سمرة الصواف، (136) وهو على يمينك حين ترمي الجمار = قال ابن جريج، وقال آخرون بمثل هذه القصة. قال: فلم يزل بنو آدم على ذلك حتى مضى أربعة آباء، فنكح ابنةَ عمه، وذهب نكاح الأخوات. (137)* * *قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عز ذكره قد أخبر عن القاتل أنه قتل أخاه، ولا خبر عندنا يقطع العذر بصفة قتله إياه. وجائزٌ أن يكون على نحو ما قد ذكر السديّ في خبره= وجائزٌ أن يكون كان على ما ذكره مجاهد، والله أعلم أيُّ ذلك كان. غير أن القتل قد كان لا شك فيه.* * *وأما قوله: " فأصْبَحَ من الخاسرين "، فإن تأويله: فأصبح القاتل أخاه من ابني آدم، من حزب الخاسرين، وهم الذين باعوا آخرتهم بدنياهم، بإيثارهم إياها عليها، فوُكسوا في بيعهم، وغبنوا فيه، وخابوا في صفقتهم. (138)----------------الهوامش :(129) في المطبوعة: "فأقامته وساعدته..." ، وفي المخطوطة كما كتبتها ، ولكنها غير منقوطة. يقال: "آتيته على هذا الأمر مؤاتاة" ، إذا وافقته وطاوعته. قالوا: "والعامة تقول: واتيته. قالوا: ولا تقل: واتيته ، إلا في لغة لأهل اليمن. ومثله آسيت ، وآكلت ، وآمرت= وإنما جعلوها واوًا على تخفيف الهمزة في: يواكل ، ويوامر ، ونحو ذلك".(130) الأثر: 11742-"عنبسة" ، هو"عنبسة بن سعيد بن الضريس الأسدي" مضى مرارًا ، منها رقم: 224 ، 3356 ، 5385.و"ابن أبي ليلى" ، هو"محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى" ، مضى مرارًا. رقم: 32 ، 33 ، 631 ، 3914 ، 5434.وكان في الإسناد هنا ، في المخطوطة والمطبوعة: "عن عنبسة بن أبي ليلى" ، وهو خطأ لا شك فيه ، وقد مضى هذا الإسناد كثيًرا ، انظر مثلا رقم: 631.(131) في المطبوعة: "فقصع رأسه" ، ولا تصح وأثبت ما في المخطوطة. وإنما عني"قطع رأسه" ، علمه قطع الرأس في القتل ، ثم علمه الشدخ في القتل. صورتان للقتل.(132) في المطبوعة"فأتى" ، وأثبت ما في المخطوطة.(133) الأثر: 11750- مضى مفرقًا برقم: 11706 ، 11722.(134) في المطبوعة والمخطوطة"بمنزل سمرة الصراف" بالراء ، وأثبت ما في تاريخ الطبري ، ولا أدري ما يكون هذا ، فلم أجد موضعًا بهذا الاسم فيما بين يدي من المراجع. و"سمرة الصراف" ، اسم رجل. ولم أعرف من يكون.(135) في تاريخ الطبري: "أن تنكح المرأة أخاها توأمها" ، وكان في المطبوعة هنا"توأمها" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وانظر ما سلف ص: 205 ، تعليق: 3.(136) في المطبوعة والمخطوطة"بمنزل سمرة الصراف" بالراء ، وأثبت ما في تاريخ الطبري ، ولا أدري ما يكون هذا ، فلم أجد موضعًا بهذا الاسم فيما بين يدي من المراجع. و"سمرة الصراف" ، اسم رجل. ولم أعرف من يكون.(137) الأثر: 11751- رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 69.(138) انظر تفسير"الخاسرين" و"الخسران" فيما سلف ص : 170 ، تعليق : 4. والمراجع هناك.
فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابًۭا يَبْحَثُ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَٰوَيْلَتَىٰٓ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَٰرِىَ سَوْءَةَ أَخِى ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ ﴿31﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلْبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴿32﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿33﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ ۖ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿34﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا۟ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُوا۟ فِى سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿35﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفْتَدُوا۟ بِهِۦ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿36﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز ذكره : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36)قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: إن الذين جحدوا ربوبية ربّهم وعبدوا غيرَه، من بني إسرائيل الذين عبدوا العجل، ومن غيرهم الذين عبدوا الأوثان والأصنام، وهلكوا على ذلك قبل التوبة= لو أن لهم مِلك ما في الأرض كلِّها وضعفَه معه، ليفتدوا به من عقاب الله إياهم على تركهم أمرَه، وعبادتهم غيره يوم القيامة، فافتدوا بذلك كله، ما تقبَّل الله منهم ذلك فداءً وعِوضًا من عذابهم وعقابهم، بل هو معذّبهم في حَمِيم يوم القيامة عذابًا موجعًا لهم.وإنما هذا إعلامٌ من الله جل ثناؤه لليهود الذين كانوا بين ظهرانَيْ مُهاجَرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنَّهم وغيرهم من سائر المشركين به، سواءٌ عنده فيما لهم من العذاب الأليم والعقاب العظيم. وذلك أنهم كانوا يقولون: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ، اغترارًا بالله جل وعزّ وكذبًا عليه. فكذبهم تعالى ذكره بهذه الآية وبالتي بعدها، وحَسَم طمعهم، فقال لهم ولجميع الكفرة به وبرسوله: " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ، يقول لهم جل ثناؤه: فلا تطمعوا أيُّها الكفرة في قَبُول الفدية منكم، ولا في خروجكم من النار بوسَائل آبائكم عندي بعد دخولكموها، إن أنتم مُتّم على كفركم الذي أنتم عليه، ولكن توبوا إلى الله توبةً نَصُوحًا. (138)* * *---------------الهوامش:(138) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.
يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌۭ ﴿37﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز ذكره : يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37)قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " يريدون أن يخرجوا من النار "، يريد هؤلاء الذين كفروا بربهّم يوم القيامة، أن يخرجوا من النار بعد دخولها، وما هم بخارجين منها=" ولهم عذاب مقيم " ، يقول: لهم عذابٌ دائم ثابت لا يزول عنهم ولا ينتقل أبدًا، كما قال الشاعر: (1)فَإنَّ لَكُمْ بِيَوْمِ الشِّعْبِ مِنِّيعَذَابًا دَائِمًا لَكُمُ مُقِيمَا (2)وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.ذكر من قال ذلك:11906 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة: أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس رحمه الله: أعمى البصر أعمى القلب، يزْعُم أن قومًا يخرجون من النار، (3) وقد قال الله جل وعز: " وما هم بخارجين منها "؟ فقال ابن عباس: ويحك، اقرأ ما فوقها! هذه للكفّار.-----------------الهوامش :(1) لم أعرف قائله.(2) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 165.(3) في المطبوعة: "يا أعمى البصر أعمى القلب ، تزعم. . . ." كأن نافعًا يوجه الحديث إلى ابن عباس ، وهذا عجيب أن يكون من نافع ، مع اجترائه وسلاطته! وكان في المخطوطة: "ما عمي البصار أعمى القلب ، برعم" ، هكذا غير منقوطة ، فرأيت أن أقرأها كما أثبتها ، على أنه إخبار لابن عباس عمن يقول ذلك.
وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ﴿38﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز ذكره : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ومن سرقَ من رجل أو امرأة، فاقطعوا، أيها الناس، يَدَه= ولذلك رفع " السارق والسارقة "، لأنهما غير معيّنين. ولو أريد بذلك سارقٌ وسارقة بأعيانهما، لكان وجه الكلام النّصب.* * *وقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ ذلك: ( والسارقون والسارقات ).11907 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن إبراهيم قال: في قراءتنا= قال: وربما قال: في قراءة عبد الله=( والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما ).11908 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن إبراهيم: في قراءتنا: ( والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما ).* * *=وفي ذلك دليل على صحة ما قلنا من معناه، وصحة الرفع فيه، وأن " السارق والسارقة " مرفوعان بفعلهما على ما وصفت، للعلل التي وصفت.* * *وقال تعالى ذكره: " فاقطعوا أيديهما "، والمعنى: أيديهما اليمنى، كما:-11909 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فاقطعوا أيديهما " اليمنى.11910 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر قال: في قراءة عبد الله: ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما ).* * *ثم اختلفوا في" السارق " الذي عناه الله عز ذكره.فقال بعضهم: عنى بذلك سارقَ ثلاثة دراهم فصاعدًا. وذلك قول جماعة من أهل المدينة، منهم مالك بن أنس ومن قال بقوله. واحتجّوا لقولهم ذلك، بأنّ:-11911- رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قطَع في مِجَنّ قيمته ثلاثةُ دَرَاهم. (4)* * *وقال آخرون: بل عنى بذلك سارق رُبع دينار أو قيمته. وممن قال ذلك، الأوزاعيّ ومن قال بقوله. واحتجوا لقولهم ذلك بالخبر الذي رُوي عن عائشة أنها قالت:11912- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القطعُ في ربع دِينارٍ فصاعدًا. (5)* * *وقال آخرون: بل عنى بذلك سارقَ عشرة دراهم فصاعدًا. وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه. واحتجوا في ذلك بالخبر الذي روي عن عبد الله بن عمرو، وابن عباس:11913- أن النبي صلى الله عليه وسلم قَطَع في مِجَنّ قيمته عَشْرة دراهم. (6)* * *وقال آخرون: بل عني بذلك سارقَ القليل والكثير. واحتجوا في ذلك بأن الآية على الظاهر، وأنْ ليس لأحد أنَ يخُصَّ منها شيئًا، إلا بحجة يجب التسليم لها. (7) وقالوا: لم يصحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرٌ بأن ذلك في خاصّ من السُرَّاق. قالوا: والأخبار فيما قَطَع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطربة مختلفة، ولم يروِ عنه أحد أنه أتي بسارق درهمٍ فَخلَّى عنه، وإنما رووا عنه أنه قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم. قالوا: وممكن أن يكون لو أتى بسارق ما قيمته دانقٌ أن يَقْطع. قالوا: وقد قطع ابن الزبير في دِرْهم.* * *وروي عن ابن عباس أنه قال: الآيةُ على العموم.11914 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبد المؤمن، عن نجدة الحنفي قال: سألت ابن عباس عن قوله: " والسارق والسارقة "، أخاصّ أم عام؟ فقال: بل عام. (8)* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، قولُ من قال: " الآية معنيّ بها خاصٌّ من السراق، وهم سُرَّاق ربع دينار فصاعدًا أو قيمته "، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " القطعُ في ربع دينار فصاعدًا ". وقد استقصيت ذكر أقوال المختلفين في ذلك مع عللهم التي اعتلّوا بها لأقوالهم، والبيانَ عن أولاها بالصواب، بشواهده، (9) في كتابنا " كتاب السرقة "، فكرهنا إطالة الكتاب بإعادة ذلك في هذا الموضع.* * *وقوله: " جزاء بما كسبا نكالا من الله "، يقول: مكافأةً لهما على سرقتهما وعملهما في التلصصّ بمعصية الله (10) =" نكالا من الله " يقول: عقوبة من الله على لُصُوصيتهما. (11)* * *وكان قتادة يقول في ذلك ما:-11915 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم "، لا تَرْثُوا لهم أن تقِيموا فيهم الحدود، (12) فإنه والله ما أمر الله بأمرٍ قَطُّ إلا وهو صلاحٌ، ولا نهى عن أمرٍ قَطُّ إلا وهو فساد. (13)* * *وكان عمر بن الخطاب يقول: " اشتدُّوا على السُّرَّاق، فاقطعوهم يدًا يدًا، ورجلا رجلا ".* * *وقوله: " والله عزيز حكيم " يقول جل ثناؤه: " والله عزيزٌ" في انتقامه من هذا السارق والسارقةِ وغيرهما من أهل معاصيه=" حكيم "، في حكمه فيهم وقضائه عليهم. (14)يقول: فلا تفرِّطوا أيها المؤمنون، في إقامة حكمي على السرَّاق وغيرهم من أهل الجرائم الذين أوجبت عليهم حدودًا في الدنيا عقوبةً لهم، فإني بحكمتي قضيت ذلك عليهم، (15) وعلمي بصلاح ذلك لهم ولكم.-----------------الهوامش :(4) الأثر: 11911- رواه بغير إسناد. رواه مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر في الموطأ: 831 ، ورواه البخاري من طريق مالك (الفتح 2: 93- 94) ، ورواه مسلم من طريقه أيضًا ، في صحيحه 11: 184 ، 185.و"المجن": الترس ، لأنه يجن صاحبه ، أي يواريه.(5) الأثر: 11912- ساقه هنا بغير إسناد أيضًا ، وقد مضى ص: 266 ، تعليق رقم: 1.وهذا الخبر رواه البخاري بأسانيده (الفتح 12: 89- 91) ، ومسلم بأسانيده في صحيحه 11: 180- 183.(6) الأثر: 11913- خبر ابن عباس رواه الطحاوي في معاني الآثار 2: 93. وكان في المخطوطة والمطبوعة أن هذا الخبر مروي أيضًا عن"عبد الله بن عمر" ، ولم أجد الرواية بذلك عن"ابن عمر بل الرواية التي احتجوا بها في كتب أصحاب أبي حنيفة هي ما قاله"عبد الله بن عمرو" ، رواها عنه"عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده". رواه أحمد في المسند برقم: 6900 ، وانظر تخريج أخي السيد أحمد هناك. وانظر معاني الآثار للطحاوي 1: 93 ، وأحكام القرآن للجصاص 2: 417 ، فلذلك صححت ما قبل هذا الأثر"عبد الله بن عمرو" ، لا كما كان في المطبوعة والمخطوطة"ابن عمر".(7) في المطبوعة: "وأنه ليس لأحد" ، وأثبت ما في المخطوطة.(8) الأثر: 11914-"عبد المؤمن بن خالد الحنفي المروزي" ، قاضي مرو. قال أبو حاتم: "لا بأس به" ، وذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب.و"نجدة بن نفيع الحنفي". روى عن ابن عباس. مترجم في التهذيب.(9) في المطبوعة: "والتلميح عن أولاها بالصواب" ، والطبري لا يقول مثل هذا أبدًا. وفي المخطوطة: "والسارق عن أولاها بالصواب" ، وهو تحريف قبيح من عجلة الناسخ ، صواب قراءته ما أثبت.(10) انظر تفسير"الجزاء" فيما سلف من فهارس اللغة (جزى).= وتفسير"كسب" فيما سلف 9: 196 ، تعليق: 1 والمراجع هناك.(11) انظر تفسير"النكال" فيما سلف 2: 176 ، 177/ 8: 580.(12) "رثى له يرثى": رحمه ورق له.(13) ولكننا قد أظلنا زمان عطلت فيه الحدود ، بزعم الرثاء لمن أصاب حدًا من حدود الله. وطالت ألسنة قوم من أهل الدخل ، فاجترأوا على الله بافترائهم ، وزعموا أن الذي يدعونه من الرحمة لأهل الحدود هو الصلاح ، وأن ما أمر الله به هو الفساد!! فاللهم نجنا من زمان تبجح فيه الأشرار بسلطانهم ، وتضاءل فيه أهل الإيمان بمعاصيهم.(14) انظر تفسير"عزيز" فيما سلف 9: 378 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.= وتفسير"حكيم" فيما سلف من فهارس اللغة.(15) في المطبوعة والمخطوطة: "فإني بحكمي قضيت..." ، والأجود هنا ما أثبت.
فَمَن تَابَ مِنۢ بَعْدِ ظُلْمِهِۦ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ﴿39﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز ذكره : فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39)قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: " فمن تاب "، من هؤلاء السراق، يقول: من رجع منهم عمَّا يكرهه الله من معصيته إيَّاه، إلى ما يرضاه من طاعته (16) =" من بعد ظلمه "، و " ظلمه "، هو اعتداؤه وعمله ما نهاه الله عنه من سرقة أموال الناس (17) =" وأصلح "، (18) يقول: وأصلح نفسه بحملها على مكروهها في طاعة الله، والتوبة إليه ممَّا كان عليه من معصيته. (19)وكان مجاهد -فيما ذكر لنا- يقول: توبته في هذا الموضع، الحدُّ الذي يقام عليه...................................................................................................................... (20)* * *11916 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح "، فتاب عليه، يقول: الحدُّ. (21)11917 - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا موسى بن داود قال، حدثنا ابن لهيعة، عن حُيَيّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو قال: سرقت امرأة حُليًّا، فجاء الذين سرقتهم فقالوا: يا رسول الله، سرقتنا هذه المرأة! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقطعوا يدها اليمنى. فقالت المرأة: هل من توبة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتِ اليومَ من خطيئتك كيوم ولدتك أمك! قال: فأنزل الله جل وعز: " فمن تاب من بعد ظُلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه ". (22)* * *وقوله: " فإن الله يتوب عليه "، يقول: فإن الله جل وعز يُرْجعه إلى ما يحبّ ويرضى، عما يكرَه ويسخط من معصيته. (23)* * *وقوله: " إن الله غفور رحيم " يقول: إن الله عز ذكره ساترٌ على من تاب وأناب عن معاصيه إلى طاعته ذنوبَه، بالعفو عن عقوبته عليها يوم القيامة، وتركه فضيحتَه بها على رءوس الأشهاد=" رحيم " به وبعباده التائبين إليه من ذنوبهم. (24)-----------------الهوامش :(16) انظر تفسير"التوبة" فيما سلف من فهارس اللغة.(17) انظر تفسير"الظلم" فيما سلف من فهارس الغة.(18) زدت قوله تعالى: "وأصلح" ، ليتم سياق أبي جعفر ، كما جرى عليه في تفسيره ، ولم تكن في المخطوطة ولا المطبوعة.(19) انظر تفسير"الإصلاح" فيما سلف 9: 340 ، تعليق: 5 ، والمراجع هناك.(20) وضعت هذه النقط ، لأني قدرت أن قول مجاهد قد سقط من الناسخ ، أو من أبي جعفر نفسه. وذلك أن الخبر الآتي بعده عن ابن عباس ، لا عن مجاهد.(21) في المطبوعة: "يقول: فتاب عليه بالحد" ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو صواب. يعني أن توبة الله عليه بعد الحد الذي يقام عليه لتوبته.(22) الأثر: 11917-"موسى بن داود الضبي" ، ثقة من شيوخ أحمد ، مضى برقم: 10190 = و"ابن لهيعة" ، مضى مرارًا.و"حيي بن عبد الله بن شريح المعافري الحبلي المصري". روى له الأربعة ، ثقة. تكلم فيه أحمد وقال: "عنده مناكير". وقال البخاري: "فيه نظر". وقال ابن معين"ليس به بأس" وقال ابن عدي: "أرجو أنه لا بأس به إذا روى عنه ثقة". وذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب.و"أبو عبد الرحمن الحبلي" هو"عبد الله بن يزيد المعافري" ، تابعي ثقة. مضى برقم: 6657 ، 9483.وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده برقم: 6657 ، من طريق حسن بن موسى عن ابن لهيعة ، عن حيي ، مطولا مفصلا ، وخرجه أخي السيد أحمد هناك وقال: "إسناده صحيح".ونقله ابن كثير في تفسيره 3: 152 ، ثم نقل رواية أحمد ، ثم قال: "وهذه المرأة ، هي المخزومية التي سرقت ، وحديثها ثابت في الصححين ، من رواية الزهري ، عن عروة ، عن عائشة". ثم انظر فتح الباري (12: 76- 86) ، وصحيح مسلم 11: 186- 188.والمرأة التي سرقت هي: "فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم" (ابن سعد 8: 192) ، وقد استوفى الحافظ ابن حجر خبرها في شرح هذا الحديث في الفتح.(23) في المطبوعة: "عما يكرهه...." وأثبت الصواب من المخطوطة.(24) انظر تفسير"غفور" و"رحيم" فيما سلف من فهارس اللغة.
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ﴿40﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز ذكره : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40)قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم يعلم هؤلاء= [يعني القائلين]: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ، الزاعمين أنهم أبناء الله وأحباؤه (25) = أن الله مدبِّر ما في السموات وما في الأرض، ومصرفه وخالقه، لا يمتنع شيء مما في واحدة منهما مما أرادَه، لأن كل ذلك ملكه، وإليه أمره، ولا نسب بينه وبين شيء مما فيهما ولا مما في واحدة منهما، فيحابيه بسبب قرابته منه، فينجيه من عذابه، وهو به كافر، ولأمره ونهيه مخالف= أو يدخله النار وهو له مطيع لبعد قرابته منه، ولكنه يعذّب من يشاء من خلقه في الدنيا على معصيته بالقتل والخسف والمسخ وغير ذلك من صنوف عذابه، ويغفر لمن يشاء منهم في الدنيا بالتّوبة عليه من كفره ومعصيته، فينقذه من الهلكة، وينجيه من العقوبة =" والله على كل شيء قدير "، يقول: والله جل وعز على تعذيب من أرَاد تعذيبه من خلقه على معصيته، وغفرانِ ما أراد غفرانه منهم باستنقاذه من الهلكة بالتوبة عليه وغير ذلك من الأمور كلها= قادرٌ، لأن الخلق خلقُه، والملك ملكه، والعباد عباده.* * *وخرج قوله: " ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض "، (26) خطابًا له صلى الله عليه وسلم، والمعنيُّ به من ذكرتُ من فرق بني إسرائيل الذين كانوا بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما حَوَاليها. وقد بيَّنا استعمال العرب نظيرَ ذلك في كلامها بشواهده فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (27)----------------الهوامش :(25) كان في المطبوعة: "ألم يعلم هؤلاء القائلون...الزاعمون" ، وفي المخطوطة: "ألم يعلم هؤلاء القائلين... الزاعمين" ، فأثبت ما في المخطوطة ، وزدت"يعني" بين قوسين ، فإني أرجح أنها سقطت من الناسخ.(26) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من نظائرها ، في فهارس اللغة.(27) انظر ما سلف 2: 484- 488.
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ﴿41﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
سَمَّٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْـًۭٔا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ﴿42﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُو۟لَٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ﴿43﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًۭى وَنُورٌۭ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ ﴿44﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلْأَنفَ بِٱلْأَنفِ وَٱلْأُذُنَ بِٱلْأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌۭ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٌۭ لَّهُۥ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ﴿45﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ ۖ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًۭى وَنُورٌۭ وَمُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَهُدًۭى وَمَوْعِظَةًۭ لِّلْمُتَّقِينَ ﴿46﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز ذكره : وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وقفينا على آثارهم "، (1) أتبعنا. يقول: أتبعنا عيسى ابن مريم على آثار النبيين الذين أسلموا من قبلك، يا محمد، فبعثناه نبيًّا مصدّقا لكتابنا الذي أنزلناه إلى موسى من قبله أنّه حق، وأن العمل بما لم ينسخه الإنجيل منه فرضٌ واجب=" وآتيناه الإنجيل "، يقول: وأنزلنا إليه كتابنا الذي اسمه " الإنجيل "" فيه هدى ونور " يقول: في الإنجيل " هدًى "، وهو بيان ما جهله الناس من حكم الله في زمانه=" ونور "، يقول: وضياء من عَمَى الجهالة=" ومصدقًا لما بين يديه "، يقول: أوحينا إليه ذلك وأنزلناه إليه بتصديق ما كان قبله من كتب الله التي كان أنزلها على كل أمة أُنزل إلى نبيِّها كتاب للعمل بما أنزل إلى نبيهم في ذلك الكتاب، من تحليل ما حلّل، وتحريم ما حرّم=" وهدى وموعظة "، يقول: أنزلنا الإنحيل إلى عيسى مصدِّقا للكتب التي قبله، وبيانًا لحكم الله الذي ارتضاه لعباده المتَّقين في زمان عيسى،=" وموعظة "، لهم= يقول: وزجرًا لهم عما يكرهه الله إلى ما يحبُّه من الأعمال، وتنبيهًا لهم عليه.و " المتقون "، هم الذين خافوا الله وحَذِروا عقابه، فاتقوه بطاعته فيما أمرهم، وحذروه بترك ما نهاهم عن فعله. وقد مضى البيان عن ذلك بشواهده قبل، فأغنى ذلك عن إعادته. (2)-----------------------الهوامش :(1) انظر تفسير"قفى" فيما سلف 2: 318.(2) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ ﴿47﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عزّ ذكره : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة قوله: " وليحكم أهل الإنجيل ".فقرأته قرأة الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين: (3) " وَلْيَحْكُمْ" بتسكين " اللام "، على وجه الأمر من الله لأهل الإنجيل: أن يحكموا بما أنزل الله فيه من أحكامه. وكأنّ من قرأ ذلك كذلك، أراد: وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونورٌ ومصدقًا لما بين يديه من التوراة، وأمرنا أهْلَه أن يحكموا بما أنزل الله فيه= فيكون في الكلام محذوف، ترك استغناءً بما ذكر عما حُذِف.* * *وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة: ( وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنْجِيلِ ) بكسر " اللام "، من " ليحكم "، بمعنى: كي يحكم أهل الإنجيل. وكأنّ معنى من قرأ ذلك كذلك: وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونورٌ ومصدقًا لما بين يديه من التوراة، كي يحكم أهله بما فيه من حكم الله.* * *والذي نقول به في ذلك، (4) أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، فبأيِّ ذلك قرأ قارئ فمصيبٌ فيه الصوابَ.وذلك أن الله تعالى لم ينزل كتابًا على نبيٍّ من أنبيائه إلا ليعمل بما فيه أهله الذين أمروا بالعمل بما فيه، ولم ينزله عليهم إلا وقد أمرهم بالعمل بما فيه، فللعمل بما فيه أنزله، وأمرًا بالعمل بما فيه أنزله. (5) فكذلك الإنجيل، إذ كان من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه، فللعمل بما فيه أنزله على عيسى، وأمرًا بالعمل به أهلَه أنزله عليه. (6) فسواءٌ قرئ على وجه الأمر بتسكين " اللام "، أو قرئ على وجه الخبر بكسرها، لاتفاق معنييهما.* * *وأما ما ذكر عن أبيّ بن كعب من قراءته ذلك ( وأن ليحكم ) على وجه الأمر، فذلك مما لم يَصِحّ به النقل عنه. ولو صحّ أيضا، لم يكن في ذلك ما يوجب أن تكون القراءة بخلافه محظورةً، إذ كان معناها صحيحًا، وكان المتقدّمون من أئمة القرأة قد قرءوا بها.* * *وإذ كان الأمر في ذلك على ما بيَّنَّا، فتأويل الكلام، إذا قرئ بكسر " اللام " من " ليحكم ": وآتينا عيسى ابن مريم الإنجيل فيه هدًى ونورٌ ومصدقًا لما بين يديه من التوراة وهدًى وموعظة للمتقين، وكيْ يحكم أهلُ الإنجيل بما أنزلنا فيه، فبدّلوا حكمه وخالفوه، فضلُّوا بخلافهم إياه إذ لم يحكموا بما أنزل الله فيه وخالفوه=" فأولئك هم الفاسقون "، يعني: الخارجين عن أمر الله فيه، المخالفين له فيما أمرهم ونهاهم في كتابه.* * *فأما إذا قرئ بتسكين " اللام "، فتأويله: وآتينا عيسى ابن مريم الإنجيل، فيه هدى ونورٌ ومصدقا لما بين يديه من التوراة، وأمرنا أهله أن يحكُموا بما أنزلنا فيه، فلم يطيعونا في أمرنا إياهم بما أمرناهم به فيه، ولكنهم خالفوا أمرنا، فالذين خالفوا أمرنا الذي أمرناهم به فيه، هم الفاسقون.* * *وكان ابن زيد يقول: " الفاسقون "، في هذا الموضع وفي غيره، هم الكاذبون.12103 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون "، قال: ومن لم يحكم من أهل الإنجيل أيضًا بذلك=" فأولئك هم الفاسقون "، قال: الكاذبون. بهذا قال. وقال ابن زيد: كل شيء في القرآن إلا قليلا " فاسق " فهو كاذب. وقرأ قول الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ [سورة الحجرات: 6] قال: " الفاسق "، ههنا، كاذب.* * *وقد بينا معنى " الفسق " بشواهده فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (7)-----------------الهوامش :(3) في المطبوعة: "فقرأ قراء الحجاز..." ، وأثبت ما في المخطوطة.(4) في المطبوعة: "والذي يتراءى في ذلك" ، وفي المخطوطة: "وللذي يترك [محذوفة النقط] به في ذلك" ، وأرجح أن صواب قراءتها ما أثبت.(5) في المطبوعة: "وأمر بالعمل بما فيه أهله" ، فغير ما في المخطوطة تغييرًا مفسدًا للمعنى ، مزيلا لقصد أبي جعفر من هذه الجملة التي احتج بها في تقارب معنى القراءتين. وهذا عجب من سوء التصرف. وكذلك سيفعل في الجملة التالية ، كما سترى في التعليق.(6) في المطبوعة ، أسقط قوله: "أنزله عليه" وكتب"وأمر بالعمل به أهله" ، فأخل بمقصد أبي جعفر ، كما فعل بالجملة السالفة. انظر التعليق السالف.(7) انظر تفسير"الفسق" فيما سلف ص: 189 تعليق: 4 ، والمراجع هناك.وعند هذا الموضع ، انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه مخطوطتنا ، وفيها ما نصه:"يتلوه القول في تأويل قوله:وَأَنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بِيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عليه.وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم كثيرًا".ثمّ يتلوه ما نصه:"بسم الله الرحمن الرحيم"
وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةًۭ وَمِنْهَاجًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿48﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز ذكره : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِقال أبو جعفر: وهذا خطابٌ من الله تعالى ذكره لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم. يقول تعالى ذكره: أنزلنا إليك، يا محمد،" الكتاب "، وهو القرآن الذى أنزله عليه= ويعني بقوله: " بالحق "، بالصدق ولا كذب فيه، ولا شك أنه من عند الله (8) =" مصدقًا لما بين يديه من الكتاب "، يقول: أنزلناه بتصديق ما قبله من كتب الله التى أنزلها إلى أنبيائه=" ومهيمنًا عليه "، يقول: أنزلنا الكتاب الذي أنزلناه إليك، يا محمد، مصدّقًا للكتب قبله، وشهيدًا عليها أنها حق من عند الله، أمينًا عليها، حافظا لها.* * *وأصل " الهيمنة "، الحفظ والارتقاب. يقال، إذا رَقَب الرجل الشيء وحفظه وشَهِده: " قد هيمن فلان عليه، فهو يُهَيمن هيمنة، وهو عليه مهيمن ".* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، إلا أنهم اختلفت عباراتهم عنه.فقال بعضهم: معناه: شهيدًا.ذكر من قال ذلك:12103م - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " ومهيمنًا عليه "، يقول: شهيدًا.12104 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ومهيمنًا عليه "، قال: شهيدًا عليه.12105 - حدثني بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب "، يقول: الكتب التي خلت قبله=" ومهيمنًا عليه "، أمينًا وشاهدًا على الكتب التي خلت قبله.* * *12106 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " ومهيمنًا عليه "، مؤتمنًا على القرآن، وشاهدًا ومصدِّقًا= وقال ابن جريج: وقال: آخرون (9) القرآن أمين على الكتب فيما إذا أخبرنا أهل الكتاب في كتابهم بأمرٍ، إن كان في القرآن فصدقوا، وإلا فكذبوا.* * *وقال بعضهم: معناه: أمينٌ عليه.ذكر من قال ذلك:12107 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن= وحدثنا هناد بن السري قال، حدثنا وكيع= جميعًا، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: " ومهيمنًا عليه "، قال: مؤتمنًا عليه.12108 - حدثنا محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس في قوله: " ومهيمنًا عليه "، قال: مؤتمنًا عليه.12109 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي قال، حدثنا سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.12110 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، بإسناده، عن ابن عباس، مثله.12111 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.12112 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.12113 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن رجل من تميم، عن ابن عباس، مثله. (10)12114 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " ومهيمنًا عليه "، قال: والمهيمن الأمين: قال: القرآن أمين على كلِّ كتاب قبله.12115 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب "، وهو القرآن، شاهد على التوراة والإنجيل، مصدقًا لهما=" ومهيمنًا عليه "، يعني: أمينًا عليه، يحكم على ما كان قبله من الكتب.12116 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن قيس، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: " ومهيمنًا عليه "، قال: مؤتمنًا عليه.12117 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن زهير، عن أبي إسحاق، عن رجل من بني تميم، عن ابن عباس: " ومهيمنًا عليه "، قال: مؤتمنًا عليه.12118 - حدثني المثنى قال، حدثنا يحيى الحماني قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله. (11)12119 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= عن سفيان وإسرائيل، عن علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير: " ومهيمنًا عليه " قال: مؤتمنًا على ما قبله من الكتب.12120 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء قال: سألت الحسين عن قوله: " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه "، قال: مصدقًا لهذه الكتب، وأمينا عليها. وسئل عنها عكرمة وأنا أسمع فقال: مؤتمنًا عليه.* * *وقال آخرون: معنى " المهيمن "، المصدق.ذكر من قال ذلك:12121 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ومهيمنًا عليه "، قال: مصدِّقًا عليه. كل شيء أنزله الله من توراة أو إنجيل أو زَبُورٍ، فالقرآن مصدِّق على ذلك. وكل شيء ذكر الله في القرآن، فهو مصدِّقٌ عليها وعلى ما حُدِّث عنها أنه حق.* * *وقال آخرون: عنى بقوله: " مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه "، نبي الله صلى الله عليه وسلم.ذكر من قال ذلك:12122 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ومهيمنًا عليه "، محمد صلى الله عليه وسلم، مؤتمنٌ على القرآن.12123 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ومهيمنًا عليه "، قال: محمد صلى الله عليه وسلم، مؤتمنٌ على القرآن.* * *قال أبو جعفر: فتأويل الكلام على ما تأوّله مجاهد: وأنزلنا الكتاب مصدقًا الكتبَ قبله إليك، مهيمنا عليه= فيكون قوله: " مصدقًا " حالا من " الكتاب " وبعضًا منه، ويكون " التصديق " من صفة " الكتاب "، و " المهيمن " حالا من " الكاف " التي في" إليك "، وهي كناية عن ذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم، و " الهاء " في قوله: " عليه "، عائدة على الكتاب.* * *وهذا التأويل بعيد من المفهوم في كلام العرب، بل هو خطأ. وذلك أنّ" المهيمن " عطفٌ على " المصدق "، فلا يكون إلا من صفة ما كان " المصدِّق " صفةً له. ولو كان معنى الكلام ما روي عن مجاهد، لقيل: " وأنزلنا إليك الكتاب مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب مهيمنًا عليه " (12) = لأنه لم يتقدم من صفة " الكاف " التي في" إليك " بعدَها شيءٌ يكون " مهيمنًا عليه " عطفًا عليه، (13) وإنما عطف به على " المصدق "، لأنه من صفة " الكتاب " الذي من صفته " المصدق ".* * *فإن ظن ظان أن " المصدق "= على قول مجاهد وتأويلهِ هذا= من صفة " الكاف " التي في" إليك "، فإن قوله: " لما بين يديه من الكتاب "، يبطل أن يكون تأويل ذلك كذلك، وأن يكون " المصدق " من صفة " الكاف " التي في" إليك ". لأن " الهاء " في قوله: " بين يديه "، كناية اسم غير المخاطب، وهو النبي صلى الله عليه وسلم في قوله " إليك ". (14) ولو كان " المصدق " من صفة " الكاف "، لكان الكلام: وأنزلنا إليك الكتاب مصدِّقًا لما بين يديك من الكتاب، (15) ومهيمنا عليه= فيكون معنى الكلام حينئذٍ كذلك. (16)* * *القول في تأويل قوله عز ذكره : فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّقال أبو جعفر: وهذا أمر من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين المحتكمين إليه من أهل الكتاب وسائر أهلِ الملل بكتابه الذي أنزله إليه، وهو القرآن الذي خصّه بشريعته. يقول تعالى ذكره: احكم، يا محمد، بين أهل الكتاب والمشركين بما أُنزل إليك من كتابي وأحكامي في كل ما احتمكوا فيه إليك، من الحدود والجُرُوح والقَوَد والنفوس، فارجم الزاني المحصَن، واقتل النفسَ القاتلةَ بالنفس المقتولة ظلمًا، وافقأ العين بالعين، واجدع الأنف بالأنف، فإني أنزلت إليك القرآن مصدِّقًا في ذلك ما بين يديه من الكتب، ومهيمنًا عليه رقيبًا، يقضي على ما قبله من سائر الكتب قبلَه، ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود= الذين يقولون: إن أوتيتم الجلدَ في الزاني المحصن دون الرجم، وقتلَ الوضيع بالشريف إذا قتله، وتركَ قتل الشريف بالوضيع إذا قتله، فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا (17) = عن الذي جاءك من عند الله من الحق، وهو كتاب الله الذي أنزله إليك. يقول له: اعمل بكتابي الذي أنزلته إليك إذا احتكموا إليك فاخترتَ الحكم عليهم، (18) ولا تتركنَّ العمل بذلك اتباعًا منك أهواءَهم، وإيثارًا لها على الحق الذي أنزلته إليك في كتابي، كما:-12124 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " فاحكم بينهم بما أنزل الله "، يقول: بحدود الله=" ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ".12125 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون، عن عنبسة، عن جابر، عن عامر، عن مسروق: أنه كان يحلف اليهوديَّ والنصراني بالله، ثم قرأ: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ [سورة المائدة: 49]، (19) وأنزل الله: أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [سورة الأنعام: 151].* * *القول في تأويل قوله عز ذكره : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًاقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لكل قوم منكم جعلنا شرعةً. (20)* * *و " الشرعة " هي" الشريعة " بعينها، تجمع " الشرعة "" شِرَعًا "، (21) " والشريعة "" شرائع ". ولو جمعت " الشرعة "" شرائع "، كان صوابًا، لأن معناها ومعنى " الشريعة " واحد، فيردّها عند الجمع إلى لفظ نظيرها. وكل ما شرعت فيه من شيء فهو " شريعة ". ومن ذلك قيل: لشريعة الماء " شريعة "، لأنه يُشْرع منها إلى الماء. ومنه سميت شرائع الإسلام " شرائع "، لشروع أهله فيه. ومنه قيل للقوم إذا تساووا في الشيء: " هم شَرَعٌ"، سواءٌ.* * *وأما " المنهاج "، فإنّ أصله: الطريقُ البيِّن الواضح، يقال منه: " هو طريق نَهْجٌ، وَمنهْجٌ"، بيِّنٌ، كما قال الراجز: (22)مَنْ يكُ فِي شَكٍّ فَهذَا فَلْجُمَاءٌ رَوَاءٌ وَطَرِيقٌ نَهْجُ (23)ثم يستعمل في كل شيء كان بينًا واضحًا سهلا.* * *فمعنى الكلام: لكل قوم منكم جعلنا طريقًا إلى الحق يؤمُّه، وسبيلا واضحًا يعمل به.* * *ثم اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بقوله: " لكل جعلنا منكم ".فقال بعضهم: عنى بذلك أهلَ الملل المختلفة، أي: أن الله جعل لكل مِلّةٍ شريعة ومنهاجًا.ذكر من قال ذلك:12126 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا " يقول: سبيلا وسُنّة. والسنن مختلفة: للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يحلُّ الله فيها ما يشاء، ويحرِّم ما يشاء بلاءً، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره: التوحيدُ والإخلاصُ لله، الذي جاءت به الرسل.12127 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا "، قال: الدينُ واحد، والشريعةُ مختلفة.12128 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم قال أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي قال: الإيمان منذُ بَعث الله تعالى ذكره آدم صلى الله عليه وسلم: شهادةُ أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله، لكلّ قوم ما جاءَهم من شرعة أو منهاج، فلا يكون المقرُّ تاركًا، ولكنه مُطِيع. (24)* * *وقال آخرون: بل عنى بذلك أمَّةَ محمد صلى الله عليه وسلم. وقالوا: إنما معنى الكلام: قد جعلنا الكتاب الذي أنزلناه إلى نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، أيها الناس، لكُلِّكم= أي لكل من دخل في الإسلام وأقرّ بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه لي نبيٌّ= شرعةً ومنهاجا.ذكر من قال ذلك:12129 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا " قال: سنة، =" ومنهاجًا "، السبيل=" لكلكم "، من دخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم، فقد جعل الله له شرعة ومنهاجًا. يقول: القرآن، هو له شرعة ومنهاج.* * *قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: معناه: لكل أهل ملة منكم، أيها الأمم جعلنا شِرعةً ومنهاجًا.وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لقوله: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ولو كان عنى بقوله: " لكل جعلنا منكم "، أمة محمد، وهم أمّة واحدةٌ، لم يكن لقوله: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ، وقد فعل ذلك فجعلهم أمة واحدة= معنىً مفهوم. ولكن معنى ذلك، على ما جرى به الخطاب من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر ما كتب على بني إسرائيل في التوراة، وتقدم إليهم بالعمل بما فيها، ثم ذكر أنه قفَّي بعيسى ابن مريم على آثار الأنبياء قبله، وأنزل عليه الإنجيل، وأمر من بَعثه إليه بالعمل بما فيه. ثم ذكر نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأخبره أنه أنزل إليه الكتابَ مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب، وأمره بالعمل بما فيه، والحكم بما أنزل إليه فيه دون ما في سائر الكتب غيره= وأعلمه أنه قد جعل له ولأمته شريعةً غيرَ شرائع الأنبياء والأمم قبلَه الذين قصَّ عليهم قصصَهم، وإن كان دينه ودينهم- في توحيد الله، والإقرار بما جاءهم به من عنده، والانتهاء إلى أمره ونهيه- واحدًا، فهم مختلفو الأحوال فيما شرع لكم واحد منهم ولأمته فيما أحلّ لهم وحرَّم عليهم.* * *وبنحو الذي قلنا في" الشرعة " و " المنهاج " من التأويل، قال أهل التأويل.ذكر من قال ذلك:12130- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا مسعر، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا " قال: سنةً وسبيلا.12131 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا "، قال: سنة وسبيلا.12132 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان وإسرائيل وأبيه، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.12133 - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو يحيى الرازي، عن أبي سنان، عن أبي إسحاق، عن يحيى بن وثَّاب قال: سألت ابن عباس عن قوله: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا "، قال: سنة وسبيلا. (25)12134 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: " شرعة ومنهاجًا "، قال: سنة وسبيلا.12135 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن رجل من بني تميم، عن ابن عباس، بمثله.12136 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، مثله.12137 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا " يعني: سبيلا وسنةً.12138 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين قال: سمعت الحسن يقول: " الشرعة "، السنة.12139 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد قال: سنة وسبيلا. (26)12140 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: " شرعة ومنهاجًا "، قال: " الشرعة "، السنة=" ومنهاجًا "، قال: السبيل.12141 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.12142 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا "، يقول: سبيلا وسنة.12143 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحوضي قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت رجلا من بني تميم، عن ابن عباس، بنحوه. (27)12144 - حدثني محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " شرعة ومنهاجًا "، يقول: سبيلا وسنة.12145 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: السنَّة والسبيل.12146 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا "، يقول: سبيلا وسنة.12147 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، أخبرني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " شرعة ومنهاجًا "، قال: سبيلا وسنةً.* * *القول في تأويل قوله عز ذكره : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو شاء ربُّكم لجعل شرائعكم واحدة، ولم يجعل لكل أمة شريعةً ومنهاجًا غيرَ شرائع الأمم الأخر ومنهاجهم، فكنتم تكونون أمة واحدةً لا تختلف شرائعكم ومنهاجكم، ولكنه تعالى ذكره يعلم ذلك، فخالف بين شرائعكم ليختبركم، فيعرف المطيع منكم من العاصي، والعاملَ بما أمره في الكتاب الذي أنزله إلى نبيِّه صلى الله عليه وسلم من المخالف.* * *و " الابتلاء ": هو الاختيار، وقد أبنتُ ذلك بشواهده فيما مضى قبلُ. (28)* * *وقوله: " في ما آتاكم "، يعني: فيما أنزل عليكم من الكتب، كما:-12148 - حدثنا القاسم، قال، حدثنا الحسين، قال، ثني حجاح، عن ابن جريج: (ولكن ليبلوكم في ما آتاكم) قال عبد الله بن كثير: لا أعلمه إلا قال، ليبلوكم فيما آتاكم من الكتب.* * *فإن قال قائل: وكيف قال: " ليبلوكم في ما آتاكم "، ومن المخاطب بذلك؟ وقد ذكرت أنّ المعنيَّ بقوله: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا نبيُّنا مع الأنبياء الذين مضوا قبله وأممِهم، والذين قبل نبيّنا صلى الله عليه وسلم على حِدَةٍ؟ (29)قيل: إن الخطاب وإن كان لنبينا صلى الله عليه وسلم: فإنه قد أريد به الخبر عن الأنبياء قبله وأممهم. ولكن العرب من شأنها إذا خاطبت إنسانًا وضمَّت إليه غائبًا، فأرادت الخبر عنه، أن تغلِّب المخاطب، فيخرج الخبرُ عنهما على وجه الخطاب، فلذلك قال تعالى ذكره: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا .* * *القول في تأويل قوله عز ذكره : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فبادروا أيها الناس، إلى الصالحات من الأعمال، والقُرَب إلى ربكم، بإدمان العمل بما في كتابكم الذي أنزله إلى نبيكم، فإنه إنما أنزله امتحانًا لكم وابتلاءً، ليتبين المحسن منكم من المسيء، فيجازي جميعكم على عمله جزاءَه عند مصيركم إليه، فإن إليه مصيركم جميعًا، فيخبر كلَّ فريق منكم بما كان يخالف فيه الفرقَ الأخرى، فيفْصَل بينهم بفصل القضاء، وتُبِينُ المحقَّ مجازاته إياه بجناته، (30) من المسيء بعقابه إياه بالنار، فيتبين حينئذ كل حزب عيانًا، المحقَّ منهم من المبطل. (31)* * *فإن قال قائل: أو لم ينبئنا ربُّنا في الدنيا قبل مرجعنا إليه ما نحن فيه مختلفون؟قيل: إنه بيَّن ذلك في الدنيا بالرسل والأدلة والحجج، دون الثواب والعقاب عيانًا، فمصدق بذلك ومكذِّب. وأما عند المرجع إليه، فإنه ينبئهم بذلك بالمجازاة التي لا يشكُّون معها في معرفة المحق والمبطل، ولا يقدرون على إدخال اللبس معها على أنفسهم. فكذلك خبرُه تعالى ذكره أنه ينبئنا عند المرجع إليه بما كنَّا فيه نختلف في الدنيا. وإنما معنى ذلك: إلى الله مرجعكم جميعًا، فتعرفون المحقَّ حينئذ من المبطل منكم، كما:-12149 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن حباب، عن أبي سنان قال: سمعت الضحاك يقول: " فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا "، قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، البرُّ والفاجر. (32)-----------------الهوامش :(8) انظر تفسير"الحق" فيما سلف 7: 97/9: 227.(9) في المطبوعة: "وقال ابن جريج وآخرون"، والصواب من المخطوطة.(10) الآثار 12107- 12113-"التميمي" و"رجل من تميم" ، هو"أربدة التميمي" ، يروي التفسير عن ابن عباس ، رواه عنه أبو إسحق السبيعي ، مضى برقم: 1928 ، 1929 ، ولكن كتب أخي السيد أحمد على الأثر رقم: 2095 ، ثم كتبت أنا على الآثار من رقم: 3986- 3989 ، أنه رجل مجهول من تميم ، ولكن الصواب أنه معروف وهو"أربدة التميمي" ، وهو تابعي ثقة. ثم انظر الآثار الآتية من رقم: 12116- 12118.(11) الآثار: 12116- 12118-"التميمي" ، و"رجل من بني تميم" ، هو"أربدة التميمي" ، انظر التعليق السالف.(12) في المطبوعة والمخطوطة: "ومهيمنًا" بالواو ، والصواب إسقاطها ، لأنه أراد إسقاط العطف ، إذ كان"مهيمنًا" حالا من"الكاف" في"إليك" ، غير معطوف على شيء قبله ، كما ترى في بقية كلامه.(13) في المطبوعة: "لأنه متقدم من صفة الكاف التي في إليك وليس بعدها شئ..." ، فزاد"وليس" ، وليست في المخطوطة ، وجعل"يتقدم""متقدم" ، إذ كان في المخطوطة خطأ ، فأساء الفهم ، وأساء التصرف!! كان في المخطوطة كما أثبت إلا أنه كتب"لأنه يتقدم من صفة الكاف" سقط من الناسخ"لم" ، فأثبتها ، واستقام الكلام على وجهه.(14) في المخطوطة: "والنبي صلى الله عليه..." بإسقاط"هو" ، والصواب ما في المطبوعة.(15) في المخطوطة: "لما بين يديه" ، والصواب ما في المطبوعة.(16) في المخطوطة: "فيكون معنى الكلام حينئذ يكون كذلك" ، بزيادة"يكون" ، والصواب ما في المخطوطة ، إلا أن يكون الناسخ أسقط من الكلام شيئًا. ومع ذلك ، فالذي في المطبوعة مستقيم.(17) السياق: "ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود... عن الذي جاءك من عند الله...".(18) في المطبوعة: "فاختر الحكم" ، والصواب ما في المخطوطة ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخير في الحكم بينهم وفي ترك الحكم ، كما سلف ص: 333.(19) في المخطوطة: "ثم قرأ: فإن جاءوك فاحكم بينهم بما أنزل الله" ، وصواب الاستدلال في هذه الآية من المائدة ، أما آية المائدة الأخرى (42) ، فتلاوتها: "فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم" ، وليس فيها الدليل الذي تطلبه في استحلافهم بالله عز وجل.(20) انظر تفسير"كل" فيما سلف 3: 193/6: 209/8: 269.(21) في المطبوعة والمخطوطة: "تجمع الشرعة شراعًا" ، وهذا خطأ من الناسخ لاشك فيه ، فإن جمع"فعلة" (بكسر فسكون) إنما يكسر على"فعل" (بكسر ففتح) ، في الصحيح وفي غيره مثل"كسر" ، و"لحى". وقد جاء في"فعلة""فعال" ، وهو قليل ، كجمع"لقحة" و"لقاح" ، و"حقة" ، و"حقاق". فجائز أن يكون"شراع" جمعًا عزيزًا للشرعة ، ولكن الأقرب في مثل ذلك أن يذكر الجمع الذي أطبق عليه القياس.(22) كأنه راجز من بني العنبر بن عمرو بن تميم.(23) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 168 ، ومعجم ما استعجم: 1027 ، واللسان (روي) ، وروايتهم جميعًا: "من يك ذا شك". ولكن هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة.و"فلج" (بفتح فسكون): ماءه لبني العنبر بن عمرو بن تميم ، يكثر ذكره في شعر بني تميم ، ويمتدحون ماءه ، قال بعض الأعراب:أَلا شَرْبَةٌ مِنْ مَاءٍ مُزْنٍ عَلَى الصَّفَاحَدِيثَهُ عَهْد بالسَّحَاب المُسَخَّرِإلَى رَصَفٍ مِنْ بَطْنِ فَلْجٍ، كأَنَّهَاإذَا ذُقْتَهَا بَيُّوتَةً مَاءُ سُكَّرِو"ماء رواء" (بفتح الراء): الماء العذب الذي فيه للواردين ري.(24) الأثر: 12128-"عبد الله بن هاشم" ، لم أعرف من يكون. وقد مضى في الإسنادين رقم: 7329 ، 7938 ، في مثل هذا الإسناد نفسه.و"سيف بن عمر التميمي" ، مضى برقم: 7329 ، 7938 ، وهو ساقط الرواية. وكان في المطبوعة هنا أيضا ، كما في الإسنادين المذكورين: "سيف بن عمرو" ، وهو خطأ محض.(25) الأثر: 12133-"أبو يحيى الرازي "أو"أبو يحيى العبدي" هو: "إسحق بن سلمان الرازي" ، ثقة. مضى برقم: 6456.و"أبو سنان" هو: "سعيد بن سنان البرجمي". روى عن أبي إسحق السبيعي ، وروى عنه إسحق بن سليمان أبو يحيى الرازي. مضى برقم: 175 ، 11240. وكان في المطبوعة: "أبو شيبان" ، وهو خطأ صرف.و"يحيى بن وثاب الأسدي" المقرئ. روى عن ابن عمر ، وابن عباس. وروى عنه أبو إسحق السبيعي. قال ابن سعد: "كان ثقة قليل الحديث صاحب قرآن". ومضى برقم: 11488.(26) الأثر: 12139-"أبو يحيى القتات الكناني" ، مختلف في اسمه. وهو ضعيف متكلم فيه. مترجم في التهذيب.(27) الأثر: 12143-"الحوضي" هو"حفص بن عمر بن الحارث بن سخبرة النمري" أبو عمر الحوضي ، ثقة ثبت متقن. مضى برقم: 11449.(28) انظر تفسير"الابتلاء" فيما سلف 2: 49/3: 7/7: 574 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا: "وقد ثبت ذلك" ، وليس بشيء ، أخطأ الناسخ ، صوابها ما أثبت.(29) كانت هذه الجملة في المطبوعة: "وقد ذكرت أن المعنى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا. لكل نبي من الأنبياء الذين مضوا قبله وأممهم الذين قبل نبينا صلى الله عليه وسلم ، والمخاطب النبي وحده". غير ما في المخطوطة ، وحذف منه وزاد فيه. و في المخطوطة: "وقد ذكرت أن المعنى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا نبيا مع الأنبياء الذين مضوا قبله وأممهم ، والذين قبل نبينا صلى الله عليه وسلم حده". وهو سياق لا يستقيم ، ورجحت أن الناسخ أسقط"قوله" قبل الآيه ، وأسقط"على" من قوله: "على حدة". لأن مراد أبي جعفر أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يدخل في خطابه خطاب الأنبياء الذين قبله هم وأممهم. وأما الذي في المطبوعة ، فهو تصرف جاوز حده.(30) في المطبوعة: "ويبين المحق بمجازاته إياه..." ، أساء قراءة المخطوطة ، فتصرف فيها.(31) انظر تفسير"استبق" فيما سلف 3: 196= وتفسير"الخيرات" فيما سلف 3: 196= وتفسير"المراجع" فيما سلف 6: 464= وتفسير"أنبأ" و"النبأ" فيما سلف 1: 488 ، 489/6: 259 ، 404/10: 201(32) الأثر: 12149-"أبو سنان" هو: "سعيد بن سنان" ، مضى قريبا برقم: 12133.
وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ﴿49﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز ذكره : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وأن احكم بينهم بما أنزل الله "، وأنزلنا إليك، يا محمد، الكتابَ مصدقًا لما بين يديه من الكتاب، وأنِ احكم بينهم= ف" أن " في موضع نصب ب" التنزيل ".* * *ويعني بقوله: " بما أنزل الله "، بحكم الله الذي أنزله إليك في كتابه.* * *وأما قوله: " ولا تتبع أهواءهم "، فإنه نهيٌ من الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يتّبع أهواء اليهود الذين احتكموا إليه في قتيلهم وفاجِرَيْهم، (33) وأمرٌ منه له بلزوم العمل بكتابه الذي أنزله إليه.* * *وقوله: " واحذرهم أن يفتِنُوك عن بعض ما أنزل الله إليك "، يقول تعالى ذكره لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: واحذر، يا محمد، هؤلاء اليهود الذين جاءوك محتكمين إليك=" أن يفتنوك "، فيصدُّوك عن بعض ما أنزل الله إليك من حكم كتابه، فيحملوك على ترك العمل به واتّباع أهوائهم. (34)* * *وقوله: " فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم "، يقول تعالى ذكره: فإن تولى هؤلاء اليهود الذين اختصموا إليك عنك، فتركوا العمل بما حكمت به عليهم وقضيت فيهم (35) " فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم "، يقول: فاعلم أنهم لم يتولوا عن الرضى بحكمك وقد قضيت بالحقّ، إلا من أجل أن الله يريد أن يتعجّل عقوبتهم في عاجل الدنيا ببعض ما قد سلف من ذنوبهم (36) =" وإن كثيرًا من الناس لفاسقون "، يقول: وإن كثيرًا من اليهود=" لفاسقون "، يقول: لتاركُو العمل بكتاب الله، ولخارجون عن طاعته إلى معصيته. (37)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الروايةُ عن أهل التأويل.ذكر من قال ذلك:12150 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال كعب بن أسد، وابن صوريا وشأس بن قيس، (38) بعضُهم لبعضٍ: اذهبوا بنا إلى محمد، لعلّنا نفتنه عن دينه! فأتوه فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أنَّا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنَّا إن اتّبعناك اتّبعنا يهود ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين قومِنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدقك! فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله فيهم: " وأنِ احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتِنُوك عن بعض ما أنزل الله إليك "، إلى قوله: لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ . (39)12151 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك "، قال: أن يقولوا: " في التوراة كذا "، وقد بينَّا لك ما في التوراة. وقرأ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [سورة المائدة: 45]، بعضُها ببعضٍ.12152 - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: دخل المجوسُ مع أهل الكتاب في هذه الآية: " وأن احكم بينهم بما أنزل الله ".-----------------الهوامش :(33) قوله: "وفاجريهم" ، يعني اليهودي واليهودية اللذان زنيا ، فرجمها صلى الله عليه وسلم.(34) انظر تفسير"الفتنة" فيما سلف 10: 317 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(35) انظر تفسير"تولى" فيما سلف 10: 336 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.(36) انظر تفسير"الإصابة" فيما سلف 8: 514 ، 538 ، 540 ، 555.(37) انظر تفسير"الفسق" فيما سلف 10: 393 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.(38) في ابن هشام: "وابن صلوبا ، وعبد الله بن صوريا".(39) الأثر: 12150- سيرة ابن هشام 2: 216 ، وهو تابع الأثر السالف رقم: 11974.
أَفَحُكْمَ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًۭا لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ ﴿50﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز ذكره : أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أيبغي هؤلاء اليهود الذين احتكموا إليك، فلم يرضوا بحكمك، (40) إذ حكمت فيهم بالقسط (41) =" حكم الجاهلية "، يعني: أحكام عبَدة الأوثان من أهل الشرك، وعندهم كتاب الله فيه بيان حقيقة الحكم الذي حكمت به فيهم، وأنه الحق الذي لا يجوزُ خلافه.ثم قال تعالى ذكره= موبِّخا لهؤلاء الذين أبوا قَبُول حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ولهم من اليهود، ومستجهلا فعلَهم ذلك منهم=: ومَنْ هذا الذي هو أحسن حكمًا، أيها اليهود، من الله تعالى ذكره عند من كان يوقن بوحدانية الله، ويقرُّ بربوبيته؟ يقول تعالى ذكره: أيّ حكم أحسن من حكم الله، إن كنتم موقنين أن لكم ربًّا، وكنتم أهل توحيدٍ وإقرار به؟* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال مجاهد.12153 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " أفحكم الجاهلية يبغون "، قال: يهود.12154 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " أفحكم الجاهلية يبغون "، يهود.12155 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا شيخ، عن مجاهد: " أفحكم الجاهلية يبغون "، قال: يهود.* * *---------------الهوامش:(40) انظر تفسير"بغى" و"ابتغى" فيما سلف 10: 290 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(41) في المطبوعة: "وقد حكمت" ، وفي المخطوطة: "أو حكمت" ، وصوابها ما أثبت.
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴿51﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله عز ذكره : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍقال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بهذه الآية، وإن كان مأمورًا بذلك جميع المؤمنين.فقال بعضهم: عنى بذلك عبادة بن الصامت، وعبد الله بن أبي ابن سلول، في براءة عُبَادة من حلف اليهود، وفي تمسك عبد الله بن أبي ابن سلول بحلف اليهود، بعد ما ظهرت عداوتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم= وأخبره الله أنه إذا تولاهم وتمسَّك بحلفهم: أنه منهم في براءته من الله ورسوله كَبرَاءتهم منهما.ذكر من قال ذلك:12156 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي، عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن لي موالي من يهود كثيرٌ عدَدُهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من وَلاية يهود، وأتولَّى الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبي: إنّي رجل أخاف الدَّوائر، لا أبرأ من ولاية مواليّ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله ابن أبيّ: يا أبا الحباب، ما بخلتَ به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو إليك دونه؟ (1) قال: قد قبلتُ. فأنزل الله: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضُهم أولياء بعض " إلى قوله: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ .12157 - حدثنا هناد قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثني عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري قال: لما انهزم أهلُ بدر، قال المسلمون لأوليائهم من يهود: آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوٍم مثل يوم بدر! فقال مالك بن صيف: غرَّكم أن أصبتم رهطًا من قريش لا علم لهم بالقتال!! أما لو أمْرَرْنَا العزيمة أن نستجمع عليكم، (2) لم يكن لكم يدٌ أن تقاتلونا! فقال عبادة: يا رسول الله، إن أوليائي من اليهود كانت شديدةً أنفسهم، كثيًرا سلاحهم، شديدةً شَوْكتُهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من وَلايتهم، ولا مولى لي إلا الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبيّ: لكني لا أبرأ من ولاء يهود، إنّي رجل لا بدَّ لي منهم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يا أبا حُباب، أرأيت الذي نَفِست به من ولاء يهود على عبادة، فهو لك دونه؟ قال: إذًا أقبلُ! فأنزل الله تعالى ذكره: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعض أولياء بعض " إلى أن بلغ إلى قوله: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ . (3)12158 - حدثنا هناد قال، حدثنا يونس قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني والدي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تشبَّث بأمرهم عبد الله بن أبيّ وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم= وكان أحد بني عوف بن الخزرج، له من حلفهم مثلُ الذي لهم من عبد الله بن أبيّ= فخلعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أتبرَّأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكُفّار وَولايتهم! ففيه وفي عبد الله بن أبيّ نزلت الآيات في" المائدة ": " يا أيها الذين آمنوا لا تتْخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعضٍ"، الآية. (4)* * *وقال آخرون: بل عُني بذلك قومٌ من المؤمنين كانوا هَمُّوا حين نالهم بأحُدٍ من أعدائهم من المشركين ما نالهم= أن يأخذوا من اليهود عِصَمًا، (5) فنهاهم الله عن ذلك، وأعلمهم أنّ من فعل ذلك منهم فهو منهم.ذكر من قال ذلك:12159 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم "، قال: لما كانت وقعة أحُدٍ، اشتدّ على طائفة من الناس، وتخوَّفوا أن يُدَال عليهم الكفَّار، (6) فقال رجل لصاحبه: أمَّا أنا فألحق بدهلك اليهوديّ، فآخذ منه أمانًا وأتهَوّد معه، (7) فإني أخاف أن تُدال علينا اليهود. وقال الآخر: أمَّا أنا فألحق بفلانٍ النصراني ببعض أرض الشأم، فآخذ منه أمانًا وأتنصَّر معه، فأنزل الله تعالى ذكره ينهاهما: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهودَ والنصارَى أولياءَ بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ".* * *وقال آخرون: بل عُني بذلك أبو لبابة بن عبد المنذر، في إعلامه بني قريظة إذ رَضُوا بحكم سعدٍ: أنه الذَّبح.ذكر من قال ذلك:12160 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم "، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا لُبابة بن عبد المنذر، من الأوس= وهو من بني عمرو بن عوف= فبعثه إلى قريظة حين نَقَضت العهد، فلما أطاعوا له بالنزول، (8) أشار إلى حلقه: الذَّبْحَ الذَّبْحَ.* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهَىَ المؤمنين جميعا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارًا وحلفاءَ على أهل الإيمان بالله ورسوله وغيرَهم، (9) وأخبر أنه من اتخذهم نصيرًا وحليفًا ووليًّا من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم في التحزُّب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان. وقد يجوز أن تكون الآية نزلت في شأن عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي ابن سلول وحلفائهما من اليهود= ويجوز أن تكون نزلت في أبي لبابة بسبب فعله في بني قريظة= ويجوز أن تكون نزلت في شأن الرَّجلين اللذين ذكر السدي أن أحدَهما همَّ باللحاق بدهلك اليهودي، والآخر بنصرانيّ بالشأم= ولم يصحّ بواحدٍ من هذه الأقوال الثلاثة خبرٌ تثبت بمثله حجة، فيسلّم لصحته القولُ بأنه كما قيل.فإذْ كان ذلك كذلك، فالصواب أن يحكم لظاهر التنزيل بالعموم على ما عمَّ، ويجوز ما قاله أهل التأويل فيه من القول الذي لا علم عندنا بخلافه. غير أنه لا شك أن الآية نزلت في منافق كان يوالي يهودًا أو نصارى خوفًا على نفسه من دوائر الدهر، لأن الآية التي بعد هذه تدلّ على ذلك، وذلك قوله: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ الآية.وأما قوله: " بعضهم أولياء بعض "، فإنه عنى بذلك: أن بعض اليهود أنصار بعضهم على المؤمنين، ويد واحدة على جميعهم= وأن النصارى كذلك، بعضهم أنصار بعض على من خالف دينهم وملتهم= معرِّفًا بذلك عباده المؤمنين: أنّ من كان لهم أو لبعضهم وليًّا، فإنما هو وليهُّم على من خالف ملتهم ودينهم من المؤمنين، كما اليهود والنصارى لهم حَرْب. فقال تعالى ذكره للمؤمنين: فكونوا أنتم أيضًا بعضكم أولياء بعض، ولليهوديّ والنصراني حربًا كما هم لكم حرب، وبعضهم لبعض أولياء، لأن من والاهم فقد أظهر لأهل الإيمان الحربَ، ومنهم البراءة، وأبان قطع وَلايتهم. (10)* * *القول في تأويل قوله عز ذكره : وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ومن يتولهم منكم فإنه منهم "، ومن يتولَّ اليهود والنصارى دون المؤمنين، فإنه منهم. يقول: فإن من تولاهم ونصرَهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متولً أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راضٍ. وإذا رضيه ورضي دينَه، فقد عادى ما خالفه وسَخِطه، وصار حكُمه حُكمَه، (11) ولذلك حَكَم مَنْ حكم من أهل العلم لنصارى بني تغلب في ذبائحهم ونكاح نسائهم وغير ذلك من أمورهم، بأحكام نصَارَى بني إسرائيل، لموالاتهم إياهم، ورضاهم بملتهم، ونصرتهم لهم عليها، وإن كانت أنسابهم لأنسابهم مخالفة، وأصل دينهم لأصل دينهم مفارقًا.* * *وفي ذلك الدلالةُ الواضحة على صحة ما نقول، من أن كل من كان يدين بدينٍ فله حكم أهل ذلك الدين، كانت دينونته به قبل مجيء الإسلام أو بعده. إلا أن يكون مسلمًا من أهل ديننا انتقل إلى ملّة غيرِها، فإنه لا يُقَرُّ على ما دان به فانتقل إليه، ولكن يقتل لردَّته عن الإسلام ومفارقته دين الحق، إلا أن يرجع قبل القَتْل إلى الدين الحق= (12) وفسادِ ما خالفه من قول من زعم: أنه لا يحكم بحكم أهل الكتابين لمن دان بدينهم، إلا أن يكون إسرائيليًّا أو منتقلا إلى دينهم من غيرهم قبل نزول الفرقان. فأما من دان بدينهم بعد نزول الفُرْقان، ممن لم يكن منهم، ممن خالف نسبُه نسبهم وجنسه جنسهم، فإنه حكمه لحكمهم مخالفٌ. (13)* * *ذكر من قال بما قلنا من التأويل.12161 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرُّؤَاسي، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى العرب، فقرأ: " ومن يتولَّهم منكم فإنه منهم ". (14)12162 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم "، أنها في الذبائح. من دخل في دين قوم فهو منهم.12163 - حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كلوا من ذبائح بني تغلب، وتزوّجوا من نسائهم، فإن الله بقول في كتابه: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم "، ولو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم.12164 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن هشام قال: كان الحسن لا يرى بذبائح نصارى العرب ولا نكاح نسائهم بأسًا، وكان يتلو هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهودَ والنصارَى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهَّم منكم فإنه منهم ". (15)12165 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد، قال، أخبرنا ابن المبارك، عن هارون بن إبراهيم قال: سئل ابن سيرين عن رجل يبيع دارَه من نصارَى يتخذونها بِيعَةً، قال: فتلا هذه الآية: لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ .* * *القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: إن الله لا يوفِّق من وضع الولاية في غير موضعها، فوالى اليهود والنصارى= مع عداوتهم الله ورسوله والمؤمنين= على المؤمنين، وكان لهم ظهيًرا ونصيرًا، لأن من تولاهم فهو لله ولرسوله وللمؤمنين حَرْبٌ.وقد بينا معنى " الظلم " في غير هذا الموضع، وأنه وضع الشيء في غير موضعه، بما أغنى عن إعادته.-----------------الهوامش :(1) في المخطوطة: "فهو إلى دونه" ، والصواب ما في المطبوعة.(2) في المطبوعة: "أسررنا العزيمة" ، وهو خطأ ، والصواب من المخطوطة."أمر الحبل يمره إمرارًا" : فتله فتلاً محكمًا قويًا. يعني: أجمعنا عزيمتنا.(3) الأثر: 12157-"عثمان بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري" ، ضعيف متروك الحديث. مضى برقم: 5754.(4) الأثر: 12158- سيرة ابن هشام 3: 52 ، 53.(5) "العصم" جمع"عصمة": وهي الحبال والعهود ، تعصمهم وتمنعهم من الضياع.(6) "أديل عليه" (بالبناء للمجهول): أي كانت له الدولة والغلبة.(7) "دهلك اليهودي" لم أجد له ذكرًا فيما بين يدي من الكتب. وأخشى أن يكون اسمه تحريف.(8) في المخطوطة: "أطاعوا الله بالنزول" ، والجيد ما في المطبوعة.(9) في المطبوعة ، حذف قوله: "وغيرهم".(10) انظر تفسير"ولي" و"أولياء" فيما سلف 9: 319 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(11) انظر تفسير"التولي" فيما سلف 9: 319 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(12) قوله: "وفساد ما خالفه" ، مجرور معطوف على قوله آنفا: "وفي ذلك الدلالة الواضحة على صحة ما نقول".(13) انظر ما سلف 9: 573- 587(14) الأثر: 12161-"حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي" ، ثقة. مضى برقم: 178 ، 886 ، 5347.(15) الأثر: 12164-"حسين بن علي بن الوليد الجعفي" ، مضى مرارًا ، منها: 29 ، 174 ، 441 ، 4415 ، 7287 ، 7499 ، 11463 ، وكان في المطبوعة"حسن بن علي" ، وهو خطأ ، وفي المخطوطة غير منقوط.و"زائدة" ، هو: "زائدة بن قدامة الثقفي" ، مضى برقم: 29 ، 4897 ، 7287.
فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌۭ ۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍۢ مِّنْ عِندِهِۦ فَيُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ نَٰدِمِينَ ﴿52﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌاختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية.فقال بعضهم: عنى بها عبد الله بن أبي ابن سلول.ذكر من قال ذلك:12166 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي، عن عطية بن سعد: " فترى الذين في قلوبهم مرض "، عبد الله بن أبي=" يسارعون فيهم "، في ولايتهم=" يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة "، إلى آخر الآية: فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ .12167 - حدثنا هناد قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني والدي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت: " فترى الذين في قلوبهم مرض "، يعني عبد الله بن أبي=" يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة "، لقوله: إني أخشى دائرةً تُصِيبني! (16)* * *وقال آخرون: بل عُني بذلك قومٌ من المنافقين كانوا يُناصِحون اليهود ويغشون المؤمنين، ويقولون: " نخشى أن تكون الدائرة لليهود على المؤمنين "! (17)ذكر من قال ذلك:12168 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: " فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم "، قال: المنافقون، في مصانعة يهود، ومناجاتهم، واسترضاعهم أولادَهم إياهم= وقول الله تعالى ذكره: " نخشى أن تصيبنا دائرة "، قال يقول: نخشى أن تكون الدَّائرة لليهود.12169 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.12170 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " فترى الذين في قلوبهم مرض " إلى قوله: نَادِمِينَ ، أُناسٌ من المنافقين كانوا يوادُّون اليهود ويناصحونهم دون المؤمنين.12171 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فترى الذين في قلوبهم مرض "، قال: شك =" يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة "، و " الدائرة "، ظهور المشركين عليهم.* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن ذلك من الله خبر عن ناس من المنافقين كانوا يوالون اليهودَ والنصارى ويغشُّون المؤمنين، ويقولون: نخشى أن تدور دوائر= إما لليهود والنصارى، وإما لأهل الشرك من عبدة الأوثان، أو غيرهم= على أهل الإسلام، أو تنزل بهؤلاء المنافقين نازلةٌ، فيكون بنا إليهم حاجة.وقد يجوز أن يكون ذلك كان من قول عبد الله بن أبي، ويجوز أن يكون كان من قول غيره، غير أنه لا شك أنه من قول المنافقين.* * *فتأويل الكلام إذًا: فترى، يا محمد، الذين في قلوبهم شكٌّ، (18) ومرضُ إيمانٍ بنبوّتك وتصديق ما جئتهم به من عند ربك (19) =" يسارعون فيهم "، يعني في اليهود والنصارى= ويعني بمسارعتهم فيهم: مسارعتهم في مُوالاتهم ومصانعتهم (20) =" يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة "، يقول هؤلاء المنافقون: إنما نسارع في موالاة هؤلاء اليهود والنصارى، خوفًا من دائرة تدور علينا من عدوّنا. (21)* * *ويعني ب" الدائرة "، الدولة، كما قال الراجز: (22)تَرُدُّ عَنْكَ القَدَرَ المَقْدُورَاوَدَائِرَاتِ الدَّهْرِ أَنْ تَدُورَا (23)يعني: أن تدول للدهر دولة، فنحتاج إلى نصرتهم إيانا، فنحن نواليهم لذلك. فقال الله تعالى ذكره لهم: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ .* * *القول في تأويل قوله : فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده "، فلعل الله أن يأتي بالفتح. (24)* * *ثم اختلفوا في تأويل " الفتح " في هذا الموضع.فقال بعضهم: عُنى به ههنا، القضاء.ذكر من قال ذلك:12172 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " فعسى الله أن يأتي بالفتح "، قال: بالقضاء.* * *وقال آخرون: عني به فتح مكة.ذكر من قال ذلك:12173 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فعسى الله أن يأتي بالفتح "، قال: فتح مكة.* * *و " الفتح " في، كلام العرب، هو القضاء، كما قال قتادة، ومنه قول الله تعالى ذكره: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ [سورة الأعراف: 89].وقد يجوز أن يكون ذلك القضاء الذي وعدَ الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بقوله: " فعسى الله أن يأتي بالفتح " فتح، مكة، لأن ذلك كان من عظيم قضاءِ الله، وفَصْل حُكمه بين أهل الإيمان والكفر، ومقرِّرًا عند أهل الكفر والنفاق، (25) أن الله معلي كلمته وموهن كيد الكافرين. (26)* * *وأما قوله: " أو أمر من عنده "، فإن السدي كان يقول في ذلك، ما:-12174 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " أو أمر من عنده " قال: " الأمر "، الجزية.* * *وقد يحتمل أن يكون " الأمر " الذي وعد الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يأتي به هو الجزية، ويحتمل أن يكون غيرها. (27) غير أنه أيّ ذلك كان، فهو مما فيه إدالة المؤمنين على أهل الكفر بالله وبرسوله، ومما يسوء المنافقين ولا يسرُّهم. وذلك أن الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنّ ذلك الأمر إذا جاء، أصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين.* * *وأما قوله: " فيصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين "، فإنه يعني هؤلاء المنافقين الذين كانوا يوالون اليهود والنصارى. يقول تعالى ذكره: لعل الله أن يأتي بأمرٍ من عنده يُديل به المؤمنين على الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر، فيصبح هؤلاء المنافقون على ما أسرُّوا في أنفسهم من مخالّة اليهود والنصارى ومودّتهم، وبغْضَة المؤمنين ومُحَادّتهم،" نادمين "، كما:-12175 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين "، من موادّتهم اليهود، ومن غِشِّهم للإسلام وأهله.----------------الهوامش :(16) الأثر: 12167- سيرة ابن هشام 3: 53 ، مختصرًا وهو تابع الأثر السالف رقم: 12158.(17) في المطبوعة: "أن تكون دائرة" ، وأثبت ما في المخطوطة.(18) في المطبوعة: "في قلوبهم مرض وشك إيمان" ، غير ما في المخطوطة وهو الصواب المحض. لأنه يريد: أن المرض قد دخل إيمانهم وتصديقهم ، بعد ذكر"الشك".(19) انظر تفسير"المرض" فيما سلف 1: 278- 281.(20) انظر تفسير"المسارعة" فيما سلف 7: 130 ، 207 ، 418/10: 301 وما بعدها.(21) انظر تفسير"الإصابة" فيما سلف ص: 1393 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(22) هو حميد الأرقط.(23) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 169 ، ولم أجد سائر الرجز.(24) انظر تفسير"عسى" فيما سلف 4: 298/8: 579.(25) في المطبوعة والمخطوطة: "ويقرر" ، وكأن الصواب ما أثبت.(26) انظر تفسير"الفتح" فيما سلف 2: 254 ، 332/9: 323 ، 324.(27) في المخطوطة: "أن يكون إلى غيرها" ، وكأنه خطأ من الناسخ.
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فَأَصْبَحُوا۟ خَٰسِرِينَ ﴿53﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53)قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة قوله: " ويقول الذين آمنوا ". فقرأتها قرأة أهل المدينة: فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله ) بغير " واو ".* * *وتأويل الكلام على هذه القراءة: فيصبح المنافقون، إذا أتى الله بالفتح أو أمرٍ من عنده، على ما أسروا في أنفسهم نادمين، يقول المؤمنون تعجُّبًا منهم ومن نفاقهم وكذبهم واجترائهم على الله في أيمانهم الكاذبة بالله: أهؤلاء الذين أقسمُوا لنا بالله إنهم لمعنا، وهم كاذبون في أيمانهم لنا؟ وهذا المعنى قصَد مجاهد في تأويله ذلك، الذي:-12176 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ ، حينئذ،" يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد إيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين ".* * *وكذلك ذلك في مصاحف أهل المدينة بغير " واو ". (28)وقرأ ذلك بعض البصريين: ( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ) بالواو، ونصب " يقول " عطفًا به على فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ . وذكر قارئ ذلك أنه كان يقول: إنما أريد بذلك: فعسى الله أن يأتي بالفتح، وعسى أن يقولَ الذين آمنوا= ومحالٌ غير ذلك، لأنه لا يجوز أن يقال: " وعسى الله أن يقول الذين آمنوا "، وكان يقول: ذلك نحو قولهم: " أكلت خبزًا ولبنًا "، كقول الشاعر:وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِي الوَغَىمُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا (29)* * *فتأويل الكلام على هذه القراءة: فعسى الله أن يأتي بالفتح المؤمنين، أو أمر من عنده يُديلهم به على أهل الكفر من أعدائهم، فيصبح المنافقون على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين= وعسى أن يقول الذين آمنوا حينئذ: أهؤلاء الذين أقسموا بالله كذبًا جهدَ أيمانهم إنهم لمعكم؟* * *وهي في مصاحف أهل العراق بالواو: ( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا )* * *وقرأ ذلك قرأة الكوفيين ( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ) بالواو، ورفع " يقول "، بالاستقبال والسلامة من الجوازم و النواصب.* * *وتأويل من قرأ ذلك كذلك: فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم يندمون، ويقول الذين آمنوا= فيبتدئ" يقول " فيرفعها.* * *قال أبو جعفر: وقراءتنا التي نحن عليها " وَيَقُولُ" بإثبات " الواو " في " ويقول "، لأنها كذلك هي في مصاحِفِنا مصاحف أهل المشرق، بالواو، وبرفع " يقول " على الابتداء.* * *فتأويل الكلام= إذْ كانت القراءة عندنا على ما وصفنا (30) =: فيصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم نادمين، ويقولُ المؤمنون: أهؤلاء الذين حَلَفوا لنا بالله جهد أيمانهم كَذِبًا إنهم لمعنا؟* * *يقول لله تعالى ذكره، مخبرًا عن حالهم عنده بنفاقهم وخبث أعمالهم=" حبطت أعمالهم "، يقول: ذهبت أعمالهم التي عملوها في الدنيا باطلا لا ثواب لها ولا أجر، لأنهم عملوها على غير يقين منهم بأنها عليهم لله فرضٌ واجب، ولا على صِحّة إيمان بالله ورسوله، وإنما كانوا يعملونها ليدفعوا المؤمنين بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم، فأحبط الله أجرَها، إذ لم تكن له (31) =" فأصبحوا خاسرين "، يقول: فأصبح هؤلاء المنافقون، عند مجيء أمر الله بإدالة المؤمنين على أهل الكفر، قد وُكِسوا في شرائهم الدنيا بالآخرة، وخابت صفقتهم، وهَلَكوا. (32)-----------------الهوامش :(28) انظر معاني القرآن للفراء 1: 313.(29) مضى تخريجه في 1: 140 ، 265/6: 423.(30) في المطبوعة والمخطوطة: "إذ كان القراءة" ، والجيد ما أثبت.(31) انظر تفسير"حبط" فيما سلف 9: 592 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(32) انظر تفسير"خسر" فيما سلف ص: 224 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ﴿54﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله وبرسوله: " يا أيها الذين آمنوا "، أي: صدّقوا لله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيُّهم محمد صلى الله عليه وسلم=" من يرتد منكم عن دينه "، يقول: من يرجع منكم عن دينه الحق الذي هو عليه اليوم، فيبدِّله ويغيره بدخوله في الكفر، إما في اليهودية أو النصرانية أو غير ذلك من صنوف الكفر، (33) فلن يضر الله شيئا، وسيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، يقول: فسوف يجيء الله بدلا منهم، المؤمنين الذين لم يبدِّلوا ولم يغيروا ولم يرتدوا، بقومٍ خير من الذين ارتدُّوا وابدَّلوا دينهم، يحبهم الله ويحبون الله. (34)وكان هذا الوعيد من الله لمن سبق في علمه أنه سيرتدُّ بعد وفاةِ نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم. وكذلك وعدُه من وعدَ من المؤمنين ما وعدَه في هذه الآية، لمن سبق له في علمه أنه لا يبدّل ولا يغير دينه، ولا يرتدّ. فلما قَبَض الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم، ارتدّ أقوام من أهل الوبَرِ، وبعضُ أهل المَدَر، فأبدل الله المؤمنين بخيرٍ منهم كما قال تعالى ذكره، ووفى للمؤمنين بوعده، وأنفذ فيمن ارتدَّ منهم وعيدَه.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.ذكر من قال ذلك:12177 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عبد الله بن عياش، عن أبي صخر، عن محمد بن كعب: أن عمر بن عبد العزيز أرسل إليه يومًا، وعمر أمير المدينة يومئذ، فقال: يا أبا حمزة، آية أسهرتني البارحة! قال محمدٌ: وما هي، أيها الأمير؟ قال: قول الله: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه " حتى بلغ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ . فقال محمد: أيها الأمير، إنما عنى الله بالذين آمنوا، الولاةَ من قريش، من يرتدَّ عن الحق. (35)ثم اختلف أهل التأويل في أعيان القوم الذين أتى الله بهم المؤمنين، وأبدل المؤمنين مكانَ من ارتدَّ منهم.فقال بعضهم: هو أبو بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة حتى أدخلوهم من الباب الذي خرجوا منه.ذكر من قال ذلك:12178 - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا حفص بن غياث، عن الفضل بن دلهم، عن الحسن في قوله: " يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، قال: هذا والله أبو بكر وأصحابه. (36)12179 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن الفضل بن دلهم، عن الحسن، مثله.12180 - حدثنا هناد قال، حدثنا عبدة بن سليمان، عن جويبر، عن سهل، عن الحسن في قوله: " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، قال: أبو بكر وأصحابه.12181 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حسين بن علي، عن أبي موسى قال: قرأ الحسن: " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، قال: هي والله لأبي بكر وأصحابه. (37)12182 - حدثني نصر بن عبد الرحمن الأزدي قال، حدثنا أحمد بن بشير، عن هشام، عن الحسن في قوله: " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، قال: نزلت في أبي بكر وأصحابه. (38)12183 - حدثني علي بن سعيد بن مسروق الكندي قال، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم "، قال: هو أبو بكر وأصحابه. لما ارتد من ارتدَّ من العرب عن الإسلام، جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردَّهم إلى الإسلام.12184 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، إلى قوله: وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ، أنزل الله هذه الآية وقد علم أن سيرتدُّ مرتدُّون من الناس، فلما قبض الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم، ارتدّ عامة العرب عن الإسلام= إلا ثلاثة مساجد: أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل البحرين من عبد القيس= قالوا: نصلي ولا نزكِّي، والله لا تُغصب أموالنا! (39) فكُلِّم أبو بكر في ذلك فقيل له: إنهم لو قد فُقِّهوا لهذا أعطوها= أو: أدَّوها= (40) فقال: لا والله، لا أفرق بين شيء جمع الله بينه، ولو منعوا عِقالا مما فرضَ الله ورسوله لقاتلناهم عليه! (41) فبعث الله عصابة مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، حتى سبَى وقتل وحرق بالنيران أناسًا ارتدّوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة، فقاتلهم حتى أقرّوا بالماعون =وهي الزكاة= صَغرة أقمياء. (42) فأتته وفود العرب، فخيَّرهم بين خُطَّة مخزية أو حرب مُجْلية. فاختاروا الخطة المخزية، وكانت أهون عليهم أن يقرُّوا: أن قتلاهم في النار، وأن قتلى المؤمنين في الجنة، (43) وأن ما أصابوا من المسلمين من مال ردّوه عليهم، وما أصاب المسلمون لهم من مال فهو لهم حلال.12185 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، قال ابن جريج: ارتدوا حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتلهم أبو بكر.12186 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هشام قال، أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن أبي أيوب، عن علي في قوله: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه "، قال: عَلِم الله المؤمنين، ووقع معنى السوء على الحَشْو الذي فيهم من المنافقين ومن في علمه أن يرتدُّوا، (44) قال: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله "، المرتدَّة في دورهم (45) =" بقوم يحبهم ويحبونه "، بأبي بكر وأصحابه. (46)* * *وقال آخرون: يعني بذلك قومًا من أهل اليمن. وقال بعض من قال ذلك منهم: هم رهط أبي موسى الأشعري، عبد الله بن قيس. (47)ذكر من قال ذلك:12188 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن عياض الأشعري قال: لما نزلت هذه الآية،" يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، قال: أومأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى بشيء كان معه، فقال: هم قومُ هذا!12189 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت عياضًا يحدّث عن أبي موسى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، قال: يعني قوم أبي موسى.12190 - حدثني أبو السائب سلم بن جنادة قال، حدثنا ابن إدريس، عن شعبة = قال أبو السائب: قال أصحابنا: هو: " عن سماك بن حرب "، وأنا لا أحفظ " سماكًا " = عن عياض الأشعريّ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم قوم هذا يعني أبا موسى.12191 - حدثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا ابن إدريس، عن شعبة، عن سماك، عن عياض الأشعري، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي موسى: هم قوم هذا= في قوله: " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ".12192 - حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا شعبة، عن سماك بن حرب قال: سمعت عياضًا الأشعري يقول: لما نزلت: " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم قومك يا أبا موسى!= أو قال: هم قوم هذا= يعني أبا موسى. (48)12193 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو سفيان الحميري، عن حصين، عن عياض= أو: ابن عياض=" فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، قال: هم أهل اليمن. (49)12194 - حدثنا محمد بن عوف قال، حدثنا أبو المغيرة قال، حدثنا صفوان قال، حدثنا عبد الرحمن بن جبير، عن شريح بن عبيد قال: لما أنزل الله: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه " إلى آخر الآية، قال عمر: أنا وقومي هم، يا رسول الله؟ قال:لا بل هذا وقومه! يعني أبا موسى الأشعري. (50)* * *وقال آخرون منهم: بل هم أهل اليمن جميعًا.ذكر من قال ذلك:12195 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " يحبهم ويحبونه "، قال: أناسٌ من أهل اليمن.12196 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.12197 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد قال: هم قوم سَبَأ.12198 - حدثنا مطر بن محمد الضبي قال، حدثنا أبو داود قال، أخبرنا شعبة قال، أخبرني من سمع شهر بن حوشب قال: هم أهل اليمن. (51)12199 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عبد الله بن عياش، عن أبي صخر، عن محمد بن كعب القرظي: أن عمر بن عبد العزيز أرسل إليه يومًا، وهو أمير المدينة، يسأله عن ذلك: فقال محمد: " يأتي الله بقوم "، وهم أهل اليمن! قال عمر: يا ليتني منهم! قال: آمين! (52)* * *وقال آخرون: هم أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم.ذكر من قال ذلك:12200 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا من يرتدَّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، يزعم أنهم الأنصار.* * *وتأويل الآية على قول من قال: عنى الله بقوله: " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه "، أبا بكر وأصحابه في قتالهم أهل الرِّدَّة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم=: يا أيها الذين آمنوا، من يرتدَّ منكم عن دينه فلن يضر الله شيئًا، وسيأتي الله من ارتد منكم عن دينه بقوم يحبهم ويحبونه، ينتقم بهم منهم على أيديهم. وبذلك جاء الخبر والرواية عن بعض من تأول ذلك كذلك:12201 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هشام قال، أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي في قوله: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم "، قال يقول: فسوف يأتي الله المرتدَّةَ في دورهم (53) =" بقوم يحبهم ويحبونه "، بأبي بكر وأصحابه. (54)* * *وأما على قول من قال: عنى الله بذلك أهل اليمن، فإن تأويله: يا أيها الذين آمنوا، من يرتد منكم عن دينه، فسوف يأتي الله المؤمنين الذين لم يرتدوا، بقوم يحبهم ويحبونه، أعوانًا لهم وأنصارًا. وبذلك جاءت الرواية عن بعض من كان يتأول ذلك كذلك.12202 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح،عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه " الآية، وعيدٌ من الله أنه من ارتدّ منكم، أنه سيستبدل خيًرا منهم.* * *وأما على قول من قال: عنى بذلك الأنصار، فإن تأويله في ذلك نظير تأويل من تأوَّله أنه عُنِي به أبو بكر وأصحابه.* * *قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، ما رُوي به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم أهل اليمن، قوم أبي موسى الأشعري. ولولا الخبر الذي روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر الذي روي عنه، ما كان القول عندي في ذلك إلا قول من قال: " هم أبو بكر وأصحابه ". وذلك أنه لم يقاتل قومًا كانوا أظهروا الإسلام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ارتدوا على أعقابهم كفارًا، غير أبي بكر ومن كان معه ممن قاتل أهل الردة معه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكنا تركنا القول في ذلك للخبر الذي رُوي فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنْ كان صلى الله عليه وسلم مَعْدِن البيان عن تأويل ما أنزل الله من وحيه وآيِ كتابه. (55)* * *فإن قال لنا قائل: فإن كان القومُ الذين ذكر الله أنه سيأتي بهم= عند ارتداد من ارتد عن دينه، ممن كان قد أسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم = هم أهل اليمن، فهل كان أهل اليمن أيام قتال أبي بكر رضي الله عنه أهل الردة أعوانَ أبي بكر على قتالهم، فتستجيز أن توجِّه تأويل الآية إلى ما وجِّهت إليه؟ (56) أم لم يكونوا أعوانًا له عليهم، فكيف استجزت أن توجه تأويل الآية إلى ذلك، وقد علمت أنه لا خُلْفَ لوعد الله؟قيل له: إن الله تعالى ذكره لم يعدِ المؤمنين أن يبدِّلهم بالمرتدِّين منهم يومئذ، خيرًا من المرتدين لقتال المرتدين، وإنما أخبر أنه سيأتيهم بخيرٍ منهم بدلا منهم، فقد فعل ذلك بهم قريبًا غير بعيد، (57) فجاء بهم على عهد عمر، فكان موقعهم من الإسلام وأهله أحسن موقع، وكانوا أعوان أهل الإسلام وأنفعَ لهم ممن كان ارتدَّ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من طَغَام الأعراب وجُفاة أهل البوادي الذين كانوا على أهل الإسلام كلا لا نفعًا؟ (58)* * *قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ".فقرأته قرأة أهل المدينة: ( يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه )، بإظهار التضعيف، بدالين، مجزومة " الدال " الآخرة. وكذلك ذلك في مصاحفهم.وأما قرأة أهل العراق، فإنهم قرأوا ذلك: ( مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ) بالإدغام، بدالٍ واحدة، وتحريكها إلى الفتح، بناء على التثنية، لأن المجزوم الذي يظهر تضعيفه في الواحد، إذا ثنيّ أدغم. ويقال للواحد: " اردُدْ يا فلان إلى فلان حقه "، فإذا ثنى قيل: " ردّا إليه حقه "، ولا يقال: " ارددا "، وكذلك في الجمع: " ردّوا "، ولا يقال: " ارددوا "، فتبني العرب أحيانًا الواحد على الاثنين، وتظهر أحيانًا في الواحد التضعيفَ لسكون لام الفعل. وكلتا اللغتين فصيحةٌ مشهورة في العرب. (59)* * *قال أبو جعفر: والقراءة في ذلك عندنا على ما هو به في مصاحفنا ومصاحف أهل المشرق، بدال واحدة مشدّدة، بترك إظهار التضعيف، وبفتح " الدال "، للعلة التي وصفت.* * *القول في تأويل قوله : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " أذلة على المؤمنين "، أرقَّاء عليهم، رحماءَ بهم.* * *= من قول القائل: " ذلَّ فلان لفلان ". إذا خضع له واستكان. (60)* * *ويعني بقوله: " أعزة على الكافرين "، أشداء عليهم، غُلَظاء بهم.* * *= من قول القائل: " قد عزّني فلان "، إذا أظهر العزة من نفسه له، وأبدى له الجفوة والغِلْظة. (61)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.ذكر من قال ذلك:12203 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم قال، أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي في قوله: " أذلة على المؤمنين "، أهل رقة على أهل دينهم=" أعزة على الكافرين "، أهل غلظة على من خالفهم في دينهم. (62)12204 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين "، يعني بالأذلة: الرحماء. (63)12205 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج في قوله: " أذلة على المؤمنين "، قال: رحماء بينهم=" أعزة على الكافرين "، قال: أشداء عليهم.12206 - حدثنا الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، قال سفيان: سمعت الأعمش يقول في قوله: " أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين "، ضعفاء عن المؤمنين. (64)* * *القول في تأويل قوله : يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " يجاهدون في سبيل الله "، هؤلاء المؤمنين الذين وعد الله المؤمنين أن يأتيهم بهم إن ارتدّ منهم مرتدّ، بدلا منهم يجاهدون في قتال أعداء الله على النحو الذي أمر الله بقتالهم، والوجه الذي أذن لهم به، ويجاهدون عدوَّهم. فذلك مجاهدتهم في سبيل الله (65) =" ولا يخافون لومة لائم "، يقول: ولا يخافون في ذات الله أحدًا، ولا يصدُّهم عن العمل بما أمرهم الله به من قتال عدوهم، لومةُ لائم لهم في ذلك.* * *وأما قوله: " ذلك فضل الله "، فإنه يعني هذا النعتَ الذي نعتهم به تعالى ذكره= من أنهم أذلة على المؤمني، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون في الله لومة لائم = فضلُ الله الذي تفضل به عليهم، (66) والله يؤتي فضله من يشاء من خلقه مِنّةً عليه وتطوّلا (67) =" والله واسع "، يقول: والله جواد بفضله على من جادَ به عليه، (68) لا يخاف نَفاد خزائنه فتَتْلف في عطائه (69) =" عليم "، بموضع جوده وعطائه، فلا يبذله إلا لمن استحقه، ولا يبذل لمن استحقه إلا على قدر المصلحة، لعلمه بموضع صلاحه له من موضع ضرّه. (70)-------------------الهوامش :(33) انظر تفسير"ارتد" فيما سلف ص: 170 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(34) سياق هذه العبارة: "فسوف يجي الله... المؤمنين... بقوم...".(35) الأثر: 12177-"عبد الله بن عياش بن عباس القتباني" ، ليس بالمتين ، وهو ثقة. مترجم في التهذيب.و"أبو صخر" هو"حميد بن زياد الخراط" ، مضى مرارًا ، منها برقم: 4280 ، 4325 ، 5386 ، 8391 ، 11867 ، 11891.ثم انظر الأثر التالي برقم: 12199.(36) الأثر: 12178-"الفضل بن دلهم الواسطي القصاب". مختلف في أمره. مضى برقم: 4928.(37) الأثر: 12181-"حسين بن علي بن الوليد الجعفي" ، مضى قريبًا: 12164.و"أبو موسى" ، هو: "إسرائيل بن موسى البصري" ، نزيل الهند. روى عن الحسن البصري. ثقة لا بأس به. مترجم في التهذيب.(38) الأثر: 12182-"نصر بن عبد الرحمن الأزدي" ، هكذا جاء هنا أيضًا في المخطوطة والمطبوعة: "الأودي" ، وقد سلف أن تكلم عليه أخي السيد أحمد ، وصححه"الأزدي" كما أثبته هنا ، ولكني في شك من تصحيح ذلك كذلك ، لكثرة إثباته في التفسير في كل مكان"الأودي" انظر ما سلف: 423 ، 875 ، 2859 ، 8783.و"أحمد بن بشير القرشي المخزومي" ، أبو بكر الكوفي. مضى برقم: 7819.و"هشام" هو: "هشام بن عروة بن الزبير بن العوام" ، مضى برقم: 2889 ، 8461.(39) القائلون: "نصلي ولا نزكي" ، هم الذين ارتدور من عامة العرب.(40) في المطبوعة: "أعطوها أو زادوها" ، وهو تخليط فاحش ، وصوابه من المخطوطة وقوله: "أو: أدوها" ، كأنه قال: روى بدل"أعطوها" ، "أدوها". و"الهاء" فيهما راجعة إلى"الزكاة" التي منعوها.(41) "العقال" (بكسر العين): زكاة عام من الإبل والغنم. يقال: "أخذ منهم عقال هذا العام" ، أي زكاته وصدقته. وقد فسره آخرون بأنه الحبل الذي كان تعقل به الفريضة التي كانت تؤخذ في الصدقة. وذلك أنه كان على صاحب الإبل أن يؤدي مع كل فريضة عقالا تعقل به ، و"رواء" أي: حبلا. ويروي الخبر"لو منعوني عناقًا". و"العناق": الأنثى من أولاد المعز ، إذا أتت عليها سنة.(42) "صغرة" جمع"صاغر": وهو الراضي بالذل والضيم. و"أقمياء"جمع"قمئ": وهو الذليل الضارع المتضائل. والذي في كتب اللغة من جمع"قمئ""قماء" (بكسر القاف) و"قماء" (بضمها). وقد مر في الأثر رقم: 4221"قمأة" في المخطوطة ، وانظر التعليق عليه هناك. و"أقمياء" جمع عزيز هنا ، فإن"فعيلا" الصفة ، يجمع قياسا على"أفعلاء" ، إذا كان مضاعفًا ، مثل"شديد" و"أشداء" ، وكذلك إذا كان ناقصا واويًا أو يائيًا ، نحو"غني" و"أغنياء" ، و"شقي" و"أشقياء". أما الصحيح ، فقليل جمعه على"أفعلاء" ، مثل"صديق" و"أصدقاء". فإذا صحت رواية"أقمياء" في هذا الخبر ، فهو صحيح في العربية إن شاء الله ، لهذه العلة ولغيرها أيضا.(43) في المطبوعة: "أن يستعدوا أن قتلاهم في النار" ، وفي المخطوطة مثلها غير منقوطة ، ولم أجد لها تحريفًا أقرب مما أثبت ، استظهرته من الخبر الذي رواه الشعبي ، عن ابن مسعود وهو: قوله: "فوالله ما رضى لهم إلا بالخطة المخزية ، أو الحرب المجلية. فأما الخطة المخزية فأن أقروا بأن من قتل منهم في النار ، وأن ما أخذوا من أموالنا مردود علينا. وأما الحرب المجلية ، فأن يخرجوا من ديارهم" (فتوح البلدان للبلاذري: 101).(44) في المطبوعة: "وأوقع معنى السوء" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وأنا في شك من العبارة كلها ، وإن كان لها وجه ومعنى.(45) في المطبوعة: "المرتدة عن دينهم" ، وفي المخطوطة: "في دينهم" ، والصواب ما أثبته من الأثر التالي رقم: 12201.(46) الأثر: 12186- في المطبوعة: "سيف بن عمرو" ، وهو خطأ ، صوابه ما أثبت من المخطوطة. وقد مضى مثل هذا الأثر برقم: 12128 وفيه"عبد الله بن هشام". وقد ذكرت هنالك أني لم أعرفه. وسقط من الترقيم؛ رقم: 12187 سهوًا.(47) عن هذا الموضع ، انتهى جزء من تقسيم قديم ، وفي المخطوطة ما نصه:"يتلوه: ذكر من قال ذلك.وصلى الله على محمد".ثم يتلوه ما نصه:"بسم الله الرحمن الرحيمرَبِّ يَسِّرْ برحمتك".(48) الآثار: 12188- 12192-"عياض الأشعري" ، هو"عياض بن عمرو الأشعري" ، تابعي ، مختلف في صحبته ، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. رأى أبا عبيدة بن الجراح ، وعمر بن الخطاب ، وأبا موسى الأشعري ، وغيرهم. قال ابن سعد 6: 104: "كان قليل الحديث". روى عنه الشعبي ، وسماك بن حرب. مترجم في التهذيب ، وأسد الغابة ، والإصابة ، والاستيعاب: 498 ، والكبير للبخاري 4/ 1/ 19.وهذا الخبر رواه ابن سعد في الطبقات 4/ 1/ 79 ، من طريق عبد الله بن إدريس ، وعفان بن مسلم ، عن شعبة ، عن سماك ، عن عياض. والحاكم في المستدرك 2: 313 ، من طريق وهب بن جرير ، وسعيد بن عامر ، عن شعبة ، عن سماك ، عن عياض ، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي. وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7: 16 ، وقال: "رواه الطبراني ، ورجاله رجال الصحيح". وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 292 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة في مسنده ، وعبد بن حميد ، والحكيم الترمذي ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل. وذكره ابن كثير في تفسيره 3: 179 ، 180 ، عن ابن أبي حاتم ، عن عمر بن شبة ، عن عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن شعبة.(49) الأثر: 12193-"وأبو سفيان الحميري" ، هو"سعيد بن يحيى بن مهدي الحميري" الحذاء ، الواسطي. صدوق ، وقال الدارقطني: "متوسط الحال ليس بالقوي". مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2/ 1/ 477 ، وابن أبي حاتم 2/ 1/ 74.و"حصين" هو"حصين بن عبد الرحمن السلمي" ، ثقة ، من كبار الأئمة. مضى برقم: 579 ، 2986.و"عياض" هو الأشعري كما سلف في الآثار السابقة. وأما "ابن عياض" ، فلم أجد من ذكر ذلك ، وكأنه شك من أبي سفيان الحميري ، أو سفيان بن وكيع.وانظر تخريج الآثار السالفة.(50) الأثر: 12194-"محمد بن عوف بن سفيان الطائي" ، شيخ الطبري ، ثقة حافظ ، مضى برقم: 5445.و"أبو المغيرة" هو: "عبد القدوس بن الحجاج الخولاني" ، "أبو المغيرة الحمصي" ثقة ، صدوق. مضى برقم: 10371.و"صفوان" ، هو: "صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي" ، سمع عبد الرحمن بن جبير ، مضى برقم: 7009. وهو مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2/ 2/ 309 ، وابن أبي حاتم 2/ 1/ 422 ، وفي ترجمته في التهذيب خطأ بين ، ذكر أنه مات سنة (100) والصواب سنة (155) ، كما في التاريخ الكبير وغيره.و"عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي" ، تابعي ثقة. مضى برقم: 186 ، 187.و"شريح بن عبيد بن شريح الحضرمي" تابعي ثقة ، مضى برقم: 5445. و"صفون بن عمرو" يروي عن شريح مباشرة ، ولكنه روى هنا عنه بواسطة"عبد الرحمن بن جبير".وهذا الأثر خرجه السيوطي في الدّرّ المنثور 2: 292 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير.(51) الأثر: 12198-"مطر بن محمد الضبي" ، شيخ الطبري ، لم أجد له ترجمة ولا ذكرًا. وفيمن اسمه"مطر": "مطر بن محمد بن نصر التميمي الهروي" ، مترجم في تاريخ بغداد 3: 275. و"مطر بن محمد بن الضحاك السكري" ، يروي عن يزيد بن هرون. مترجم في لسان الميزان 6: 49. ولا أظنه أحدهما ، وأخشى أن يكون دخل اسمه بعض التحريف.(52) الأثر: 12199- انظر الأثر السالف رقم: 12177 ، والتعليق عليه.(53) قوله: في دورهم" ، هو الصواب ، وقد كان في المخطوطة والمطبوعة ، في الأثر السالف رقم: 12186"في دينهم" و"عن دينهم" ، والصواب هو الذي هنا. انظر التعليق السالف ص: 414 تعليق: 2.(54) الأثر: 10201- هو بعض الأثر السالف رقم: 12186 ، وكان في هذا الموضع أيضًا"سيف بن عمرو" ، وهو خطأ ، كما بينته هناك.(55) "المعدن" (بفتح الميم ، وسكون العين ، وكسر الدال): مكان كل شيء يكون فيه أصله ومبدؤه. ومنه قيل: "معدن الذهب والفضة" ، وهو الذي نسميه اليوم"المنجم" ، حيث أنبت الله سبحانه وتعالى جوهرهما ، وأثبتهما فيه. ومنه في المجاز ، ما جاء في الخبر: "فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم" يعني: أصولها التي ينسبون إليها ، ويتفاخرون بها.(56) في المطبوعة: "حتى تستجيز" ، وفي المخطوطة: "تستجير" بغير"حتى" ، فآثرت قراءتها كما أثبتها.(57) في المطبوعة: "يعد فعل ذلك" ، وهو لا معنى له ، والصواب ما في المخطوطة.(58) "الطغام" (بفتح الطاء): أوغاد الناس وأراذلهم. و"الكل" (بفتح الكاف): العيال والثقل على صاحبه أو من يتولى أمره.(59) في المطبوعة والمخطوطة: "في العرف" ، وآثرت قراءتها كما أثبتها ، وهو الصواب.(60) وانظر تفسير"الذل" فيما سلف 2: 212/7: 171.(61) انظر تفسير"العزة" فيما سلف 9: 319 ، تعليق: 5 ، والمراجع هناك.(62) الأثر: 12203- انظر أسانيد الآثار السالفة رقم: 12186 ، 12201 ، والتعليق عليها. وفي المخطوطة والمطبوعة: "سفيان بن عمر" مكان"سيف بن عمر" ، وهو خطأ فاحش.(63) في المخطوطة: "يعني بالأذلة: الرحمة" ، وفي المطبوعة: "يعني بالذلة الرحمة" ، وآثرت ما كتبت ، وهو تصحيف قريب.(64) في المطبوعة: "ضعفاء على المؤمنين" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب جيد.(65) انظر تفسير"يجاهد" فيما سلف 4: 318/10: 292= وتفسير"سبيل الله" فيما سلف من فهارس اللغة (سبل).(66) سياق الجملة: "هذا النعت الذي نعتهم به... فضل الله...".(67) انظر تفسير"الفضل" فيما سلف من فهارس اللغة (فضل).(68) انظر تفسير"واسع" فيما سلف 9: 294 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(69) في المطبوعة: "فكيف من عطائه" ، غير ما في المخطوطة ، لأنه لم يحسن قراءته إذ كان غير منقوط. وهذا صواب قراءته.(70) انظر تفسير"عليم" فيما سلف من فهارس اللغة (علم).
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَٰكِعُونَ ﴿55﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا "، ليس لكم، أيها المؤمنون، ناصر إلا الله ورسوله، والمؤمنون الذين صفتهم ما ذكر تعالى ذكره. (71) فأما اليهود والنصارى الذين أمركم الله أن تبرأوا من وَلايتهم، ونهاكم أن تتخذوا منهم أولياء، فليسوا لكم أولياء لا نُصرَاء، بل بعضهم أولياء بعض، ولا تتخذوا منهم وليًّا ولا نصيرًا.* * *وقيل إن هذه الآية نزلت في عبادة بن الصامت، في تبرُّئه من ولاية يهود بني قينقاع وحِلفهم، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.ذكر من قال ذلك:12207 - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني والدي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، مشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم= وكان أحد بني عوف بن الخزرج= فخلعهم إلى رسول الله، (72) وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حِلفهم، وقال: أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حِلف الكفار ووَلايتهم! ففيه نزلت: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون "= لقول عبادةَ: " أتولى الله ورسوله والذين آمنوا "، وتبرئه من بني قينقاع ووَلايتهم= إلى قوله: فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ . (73)12208 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي، عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر نحوه.12209 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا "، يعني: أنه من أسلم تولى الله ورسوله.* * *وأما قوله: " والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون "، فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنيِّ به.فقال بعضهم: عُنِي به علي بن أبي طالب.* * *وقال بعضهم: عني به جميع المؤمنين.ذكر من قال ذلك:12210 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ثم أخبرهم بمن يتولاهم فقال: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون "، هؤلاء جميع المؤمنين، ولكن علي بن أبي طالب مرَّ به سائل وهو راكع في المسجد، فأعطاه خاتَمَه.12211 - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا عبدة، عن عبد الملك، عن أبي جعفر قال: سألته عن هذه الآية: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون "، قلت: (74) من الذين آمنوا؟ قال: الذين آمنوا! (75) قلنا: بلغنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب! قال: عليٌّ من الذين آمنوا.12212 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن عبد الملك قال: سألت أبا جعفر عن قول الله: " إنما وليكم الله ورسوله "، وذكر نحو حديث هنّاد، عن عبدة.12213 - حدثنا إسماعيل بن إسرائيل الرملي قال، حدثنا أيوب بن سويد قال، حدثنا عتبة بن أبي حكيم في هذه الآية: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا "، قال: علي بن أبي طالب. (76)12214 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا غالب بن عبيد الله قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: " إنما وليكم الله ورسوله "، الآية، قال: نزلت في علي بن أبي طالب، تصدَّق وهو راكع. (77)-------------------الهوامش :(71) انظر تفسير"ولي" فيما سلف ص: 399 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(72) في المخطوطة: "فجعلهم إلى رسول الله" ، والصواب ما في المطبوعة ، مطابقًا لما سلف ، ولما في سيرة ابن هشام.(73) الأثر: 12207- سيرة ابن هشام 3: 52 ، 53 ، وهو مطول الأثر السالف رقم: 12158 ، وتابع الأثر رقم: 12167.وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا: "حدثني والدي إسحق بن يسار ، عن عبادة بن الصامت" ، أسقط ما أثبت من السيرة ، ومن إسناد الأثرين المذكورين آنفًا.(74) في المطبوعة والمخطوطة: "قلنا" ، والصواب الجيد ما أثبت.(75) هذا ليس تكرارًا ، بل هو تعجب من سؤاله عن شيء لا عن مثله.(76) الأثر: 12213-"إسمعيل بن إسرائيل الرملي" ، مضى برقم: 10236.و"أيوب بن سويد الرملي" ، مضى برقم: 5494.و"عتبة بن أبي حكيم الهمداني ، ثم الشعباني" ، أبو العباس الأردني. ضعفه ابن معين ، وكان أحمد يوهنه قليلا ، وذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب.(77) الأثر: 12214-"غالب بن عبيد الله العقيلي الجزري" ، منكر الحديث متروك. مترجم في لسان الميزان ، والكبير للبخاري 4/1/101 ، وابن أبي حاتم 3/2/48.هذا ، وأرجح أن أبا جعفر الطبري قد أغفل الكلام في قوله تعالى: "وهم راكعون" ، وفي بيان معناها في هذا الموضع ، مع الشبهة الواردة فيه ، لأنه كان يحب أن يعود إليه فيزيد فيه بيانًا ، ولكنه غفل عنه بعد.وقد قال ابن كثير في تفسيره 3: 182 : "وأما قوله: "وهم راكعون" ، فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله: "ويؤتون الزكاة" ، أي: في حال ركوعهم. ولو كان هذا كذلك ، لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره ، لأنه ممدوح. وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ، ممن نعلمه من أئمة الفتوى. وحتى إن بعضهم ذكر في هذا أثرًا عن علي بن أبي طالب أن هذه الآية نزلت فيه..." ثم ، ساق الآثار السالفة وما في معناها من طرق مختلفة.وهذه الآثار جميعًا لا تقوم بها حجة في الدين. وقد تكلم الأئمة في موقع هذه الجملة ، وفي معناها. والصواب من القول في ذلك أن قوله: "وهم راكعون" ، يعني به: وهم خاضعون لربهم ، متذللون له بالطاعة ، خاضعون له بالأنقياد لأمره في إقامة الصلاة بحدودها وفروضها من تمام الركوع والسجود ، والصلاة والخشوع ، ومطيعين لما أمرهم به من إيتاء الزكاة وصرفها في وجوهها التي أمرهم بصرفها فيها. فهي بمعنى"الركوع" الذي هو في أصل اللغة ، بمعنى الخضوع = انظر تفسير"ركع" فيما سلف 1: 574.وإذن فليس قوله: "وهم راكعون" حالا من"ويؤتون الزكاة". وهذا هو الصواب المحض إن شاء الله.
وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَٰلِبُونَ ﴿56﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)قال أبو جعفر: وهذا إعلامٌ من الله تعالى ذكره عبادَه جميعًا= الذين تبرأوا من حلف اليهود وخلعوهم رضًى بولاية الله ورسوله والمؤمنين، (78) والذين تمسكوا بحلفهم وخافوا دوائر السوء تدور عليهم، فسارعوا إلى موالاتهم= أنّ مَن وثق بالله وتولى الله ورسوله والمؤمنين، (79) ومن كان على مثل حاله من أولياء الله من المؤمنين، لهم الغلبة والدوائر والدولة على من عاداهم وحادّهم، لأنهم حزب الله، وحزبُ الله هم الغالبون، دون حزب الشيطان، كما:-12215 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أخبرهم= يعني الرب تعالى ذكره= مَنِ الغالب، فقال: لا تخافوا الدولة ولا الدائرة، فقال: " ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون "، و " الحزب "، هم الأنصار.* * *ويعني بقوله: " فإن حزب الله "، فإن أنصار الله، (80) ومنه قول الراجز: (81)وَكَيْفَ أَضْوَى وَبِلالٌ حِزْبِي! (82)يعني بقوله: " أضوى "، أستضْعَفُ وأضام= من الشيء " الضاوي". (83) ويعني بقوله: " وبلال حزبي"، يعني: ناصري.-------------------الهوامش :(78) في المطبوعة: "الذين تبرأوا من اليهود وحلفهم رضى بولاية الله..." ، غير ما في المخطوطة إذ لم يحسن قراءته ، والذي أثبت هو صواب القراءة.(79) في المطبوعة: "بأن من وثق بالله..." ، وفي المخطوطة مكان ذلك كله: "ووثقوا بالله". والذي أثبت هو صواب المعنى.(80) انظر تفسير"الحزب" فيما سلف 1: 244. وهذا التفسير الذي هنا لا تجده في كتب اللغة.(81) هو رؤبة بن العجاج.(82) ديوانه: 16 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 169 ، من أرجوزة يمدح بها بلال ابن أبي بردة ، ذكر في أولها نفسه ، ثم قال يذكر من يعترضه ويعبي له الهجاء والذم:ذَاكِ، وإن عَبَّى لِيَ المُعَبِّيوَطِحْطَحَ الجِدُّ لِحَاءَ القَشْبِأَلَقَيتُ أَقْوَالَ الرِّجَالِ الكُذْبِفَكَيْفَ أَضْوَى وَبِلالٌ حِزْبِي!ورواية الديوان: "ولست أضوي". وفي المخطوطة: "وكيف أضرى" ، وهو تصحيف"طحطح الشيء" : فرقه وبدده وعصف به فأهلكه. و"اللحاء": المخاصمة. و"القشب" ، (بفتح فسكون): الكلام المفترى: ولو قرئت"القشب" (بكسر فسكون) ، فهو الرجل الذي لا خير فيه.(83) "الضاوي": الضعيف من الهزال وغيره."ضوى يضوي ضوى": ضعف ورق. وكان في المخطوطة: "أضرى" و"الضاري" ، وهو خطأ وتصحيف.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَكُمْ هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿57﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: " يا أيها الذين آمنوا "، أي: صدقوا الله ورسوله=" لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هُزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "، يعني اليهود والنصارى الذين جاءتهم الرسل والأنبياء، وأنزلت عليهم الكتب من قبل بَعْث نبينا صلى الله عليه وسلم، ومن قبل نزول كتابنا=" أولياء "، يقول: لا تتخذوهم، أيها المؤمنون، أنصارًا أو إخوانًا أو حُلفاء، (84) فإنهم لا يألونكم خَبَالا وإن أظهروا لكم مودّة وصداقة.* * *وكان اتخاذ هؤلاء اليهود الذين أخبر الله عنهم المؤمنين أنهم اتخذوا دينهم هُزُوًا ولعبًا بالدين على ما وصفهم به ربنا تعالى ذكره، (85) أن أحدهم كان يظهر للمؤمنين الإيمان وهو على كفره مقيم، ثم يراجع الكفر بعد يسير من المدة بإظهار ذلك بلسانه قولا بعد أن كان يُبدي بلسانه الإيمان قولا وهو للكفر مستبطن تلعبًا بالدين واستهزاءً به، كما أخبر تعالى ذكره عن فعل بعضهم ذلك بقوله: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [سورة البقرة: 14، 15].* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الخبر عن ابن عباس.12216 - حدثنا هناد بن السري وأبو كريب قالا حدثنا يونس بن بكير قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادُّونهما، فأنزل الله فيهما: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء " إلى قوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ . (86)* * *= فقد أبان هذا الخبر عن صحة ما قلنا، من أنّ اتخاذ من اتخذ دين الله هزوًا ولعبًا من أهل الكتاب الذين ذكرهم الله في هذه الآية، إنما كان بالنفاق منهم، وإظهارهم للمؤمنين الإيمان، واستبطانهم الكفر، وقيلهم لشياطينهم من اليهود إذا خلوا بهم: " إنا معكم "، فنهى الله عن موادَّتهم ومُخَالّتهم، (87) والتمسك بحلفهم، والاعتداد بهم أولياء= وأعلمهم أنهم لا يألونهم خبالا وفي دينهم طعنًا، وعليه إزراء.* * *وأمّا " الكفار " الذين ذكرهم الله تعالى ذكره في قوله: " من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء "، فإنهم المشركون من عبدة الأوثان. نهى الله المؤمنين أن يتخذوا من أهل الكتاب ومن عبدة الأوثان وسائر أهل الكفر، أولياءَ دون المؤمنين.* * *وكان ابن مسعود فيما:-12217 - حدثني به أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج، عن هارون، عن ابن مسعود= يقرأ: ( مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ).* * *= ففي هذا بيان صحة التأويل الذي تأوَّلناه في ذلك.* * *واختلفت القرأة في قراءة ذلك.فقرأته جماعة من أهل الحجاز والبصرة والكوفة: ( وَالْكُفَّارِ أَوْلِيَاءَ ) بخفض " الكفار "، بمعنى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، ومن الكفارِ، أولياءَ.* * *وكذلك ذلك في قراءة أبيّ بن كعب فيما بلغنا: ( من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الكفار أولياء ).* * *وقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: ( وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ) بالنصب، بمعنى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا والكفارَ= عطفًا ب" الكفار " على " الذين اتخذوا ".* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان متفقتا المعنى، صحيحتا المخرج، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرأة، فبأي ذلك قرأ القارئ فقد أصاب. لأن النهيَ عن اتخاذ ولي من الكفار، نهيٌ عن اتخاذ جميعهم أولياء. والنهي عن اتخاذ جميعهم أولياء، نهيٌ عن اتخاذ بعضهم وليًّا. وذلك أنه غير مشكل على أحدٍ من أهل الإسلام أنّ الله تعالى ذكره إذا حرّم اتخاذ وليّ من المشركين على المؤمنين، أنه لم يبح لهم اتخاذ جميعهم أولياء= ولا إذا حرَّم اتخاذ جميعهم أولياء، أنه لم يخصص إباحة اتخاذ بعضهم وليًّا، فيجب من أجل إشكال ذلك عليهم، طلبُ الدليل على أولى القراءتين في ذلك بالصواب. وإذ كان ذلك كذلك، فسواء قرأ القارئ بالخفض أو بالنصب، لما ذكرنا من العلة.* * *وأما قوله: " واتقوا الله إن كنتم مؤمنين "، فإنه يعني: وخافوا الله، أيها المؤمنون، في هؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب ومن الكفار، أن تتخذوهم أولياء ونصراء، وارهبوا عقوبته في فعل ذلك إن فعلتموه بعد تقدُّمه إليكم بالنهي عنه، إن كنتم تؤمنون بالله وتصدِّقونه على وعيده على معصيته. (88)* * *---------------الهوامش :(84) في المطبوعة: "أنصار وإخوانا وحلفاء" ، وفي المخطوطة: "أنصارًا أو إخوانًا وحلفاء" ، وأجريتها جميعا بأو ، كما ترى.(85) في المطبوعة: "ولعبًا الدين على ما وصفهم" ، وهو غير مستقيم ، وفي المخطوطة: "ولعبا الذين على ما وصفهم" ، وهو أشد التواء ، والصواب ما أثبت ، كما سيأتي بعد"تلعبًا بالدين واستهزاء به".(86) الأثر: 12216- سيرة ابن هشام 2: 217 ، 218.(87) في المطبوعة: "ومحالفتهم" ، لم يحسن قراءة المخطوطة إذ كانت غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت.(88) انظر تفسير"كفار" و"أولياء" و"اتقى" فيما سلف من فهارس اللغة ، (كفر) و(ولى) و(وقى).
وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْقِلُونَ ﴿58﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (58)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا أذن مؤذنكم، أيها المؤمنون بالصلاة، سخر من دعوتكم إليها هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين، ولعبوا من ذلك=" ذلك بأنهم قوم لا يعقلون "، يعني تعالى ذكره بقوله: " ذلك "، فعلهم الذي يفعلونه، وهو هزؤهم ولعبهم من الدعاء إلى الصلاة، إنما يفعلونه بجهلهم بربهم، وأنهم لا يعقلون ما لهم في إجابتهم إن أجابوا إلى الصلاة، وما عليهم في استهزائهم ولعبهم بالدعوة إليها، ولو عَقَلوا ما لمن فعل ذلك منهم عند الله من العقاب، ما فعلوه.* * *وقد ذكر عن السدي في تأويله ما:-12218 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوًا ولعبًا "، كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: " أشهد أن محمدًا رسول الله "، قال: " حُرِّق الكاذب "! فدخلت خادمه ذات ليلة من الليالي بنار وهو نائم وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله.
قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَٰسِقُونَ ﴿59﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لأهل الكتاب من اليهود والنصارى: يا أهل الكتاب، هل تكرهون منا أو تجدون علينا في شيء إذ تستهزئون بديننا، وإذ أنتم إذا نادينا إلى الصلاة اتخذتم نداءنا ذلك هزوًا ولعبًا (1) =" إلا أن آمنا بالله "، يقول: إلا أن صدقنا وأقررنا بالله فوحدناه، وبما أنزل إلينا من عند الله من الكتاب، وما أنزل إلى أنبياء الله من الكتب من قبل كتابنا=" وأن أكثركم فاسقون "، يقول: وإلا أن أكثركم مخالفون أمر الله، خارجون عن طاعته، تكذبون عليه. (2)* * *والعرب تقول: " نقَمتُ عليك كذا أنقِم "= وبه قرأه القرأة من أهل الحجاز والعراق وغيرهم= و " نقِمت أنقِم "، لغتان (3) = ولا نعلم قارئًا قرأ بهما (4) بمعنى وجدت وكرهت، (5) ومنه قول عبد الله بن قيس الرقيات: (6)مَا نَقَمُوا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ إِلاأَنَّهُمْ يَحْلُمُونَ إِنْ غَضِبُوا (7)* * *وقد ذكر أن هذه الآية نزلت بسبب قوم من اليهود.ذكر من قال ذلك:12219 - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق، قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نفرٌ من اليهود فيهم أبو ياسر بن أخطب، ورافع بن أبي رافع، وعازر، (8) وزيد، وخالد، وأزار بن أبي أزار، وأشيع، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟ قال: أومن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. (9) فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا: لا نؤمن بمن آمن به! (10) فأنزل الله فيهم: " قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون ". (11)* * *= عطفًا بها على " أن " التي في قوله: " إلا أن آمنا بالله "، (12) لأن معنى الكلام: هل تنقمون منا إلا إيمانَنا بالله وفسقكم.-----------------الهوامش :(1) في المطبوعة: "أو تجدون علينا حتى تستهزئوا بديننا إذ أنتم إذا نادينا إلى الصلاة" ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، فحذف وغير وبدل ، وأساء غاية الإساءة.(2) انظر تفسير"الفسق" فيما سلف ص: 393 تعليق: 3 ، والمراجع هناك.(3) اللغة الأولى"نقم" (بفتحتين)"ينقم" (بكسر القاف) = واللغة الثانية"نقم" (بفتح فكسر)"ينقم" (بكسر القاف أيضا).(4) في المطبوعة: "قرأ بها" بالإفراد ، والصواب ما في المخطوطة ، ويعني"نقمت" ، أنقم. من اللغة الثانية.(5) "وجدت" من قولهم: "وجد عليه يجد وجدًا وموجدة": غضب.(6) مختلف في اسمه يقال: "عبد الله" ويقال: "عبيد الله" بالتصغير ، وهو الأكثر.(7) ديوانه: 70 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 170 ، واللسان (نقم) ، من قصيدته التي قالها لعبد الملك بن مروان ، في خبر طويل ذكره أبو الفرج في الأغاني 5: 76- 80 ، وبعد البيت:وأنَّهُمْ مَعْدِنَ المُلُوكِ، فَلاتَصْلُحُ إلا عَلَيْهِمُ العَرَبُإِن الفَنِيق الَّذِي أَبُوهُ أَبُوالعَاصِي، عَلَيْهِ الوَقَارُ والحُجُبُخَلِيفَةُ اللهِ فَوْقَ مِنْبَرِهجَفَّتْ بِذَاكَ الأقْلامُ والكُتُبُيَعْتَدِلُ التَّاجُ فَوْقَ مَفْرِقِهِعَلَى جَبِينٍ كأَنّهُ الذَّهَبُ(8) في المخطوطة: "عازي" ، وصوابه من المراجع الآتي ذكرها.(9) هذا تضمين آية سورة البقرة: 136.(10) في المخطوطة: "لا نؤمن آمن به" ، أسقط"بمن".(11) الأثر: 12219- سيرة ابن هشام 2: 216 ، ومضى بالإسنادين رقم 2101 ، 2102(12) يعني قوله: "وأن أكثركم فاسقون" ، فتح الألف من"وأن" ، عطفًا بها على"أن" التي في قوله: "إلا أن آمنا بالله".
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّۢ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ﴿60﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل "، يا محمد، لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار=" هل أنبئكم "، يا معشر أهل الكتاب، بشر من ثواب ما تنقِمون منا من إيماننا بالله وما أنزل إلينا من كتاب الله، وما أنزل من قبلنا من كتبه؟ (13)* * *[و " مثوبة "، تقديرها " مفعولة "]، غير أن عين الفعل لما سقطت نقلت حركتها إلى " الفاء "، (14) وهي" الثاء " من " مثوبة "، فخرجت مخرج " مَقُولة "، و " مَحُورة "، و " مَضُوفة "، (15)كما قال الشاعر: (16)وَكنْتُ إذَا جَارِي دَعَا لِمَضُوفةٍأُشَمِّر حَتَّى يَنْصُفَ السَّاقُ مِئْزَرِي (17)* * *وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.ذكر من قال ذلك:12220 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله "، يقول: ثوابًا عند الله.12221 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله " قال: " المثوبة "، الثواب،" مثوبة الخير "، و " مثوبة الشر "، وقرأ: خَيْرٌ ثَوَابًا [سورة الكهف: 44]. (18)* * *وأما " مَنْ" في قوله: " من لعنه الله "، فإنه في موضع خفض، ردًّا على قوله: " بشرّ من ذلك ". فكأن تأويل الكلام، إذ كان ذلك كذلك: قل هل أنبئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله، بمن لعنه الله.ولو قيل: هو في موضع رفع، لكان صوابًا، على الاستئناف، بمعنى: ذلك من لعنه الله= أو: وهو من لعنه الله.ولو قيل: هو في موضع نصب، لم يكن فاسدًا، بمعنى: قل هل أنبئكم من لعنه الله (19) = فيجعل " أنبئكم " عاملا في" من "، واقعًا عليه. (20)* * *وأما معنى قوله: " من لعنه الله "، فإنه يعني: من أبعده الله وأسْحَقه من رحمته (21) =" وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير "، يقول: وغضب عليه، وجعل منهم المُسوخَ القردة والخنازير، غضبًا منه عليهم وسخطًا، فعجَّل لهم الخزي والنكال في الدنيا. (22)* * *وأما سبب مَسْخ الله من مَسخ منهم قردة، فقد ذكرنا بعضه فيما مضى من كتابنا هذا، وسنذكر بقيته إن شاء الله في مكان غير هذا. (23)* * *وأما سبب مسخ الله من مَسخ منهم خنازير، فإنه كان فيما:-12223 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن عُمرَ بن كثير بن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري، قال: حدِّثت أن المسخ في بني إسرائيل من الخنازير، كان أن امرأة من بني إسرائيل كانت في قرية من قرى بني إسرائيل، وكان فيها مَلِك بني إسرائيل، وكانوا قد استجمعوا على الهلكة، إلا أنّ تلك المرأة كانت على بقية من الإسلام متمسكة به، فجعلت تدعو إلى الله، (24) حتى إذا اجتمع إليها ناس فتابعوها على أمرها قالت لهم: إنه لا بد لكم من أن تجاهدوا عن دين الله، وأن تنادوا قومكم بذلك، فاخرجوا فإني خارجة. فخرجت، وخرج إليها ذلك الملك في الناس، فقتل أصحابها جميعًا، وانفلتت من بينهم. قال: ودعت إلى الله حتى تجمَّع الناس إليها، حتى إذا رضيت منهم، أمرتهم بالخروج، فخرجوا وخرجت معهم، وأصيبوا جميعًا وانفلتت من بينهم. ثم دعت إلى الله حتى إذا اجتمع إليها رجال واستجابوا لها، أمرتهم بالخروج، فخرجوا وخرجت، فأصيبوا جميعًا، وانفلتت من بينهم، فرجعت وقد أيست، وهي تقول: سبحان الله، لو كان لهذا الدين وليٌّ وناصرٌ، لقد أظهره بَعْدُ! قال: فباتت محزونة، وأصبح أهل القرية يسعون في نواحيها خنازيرَ، قد مسخهم الله في ليلتهم تلك، فقالت حين أصبحت ورأت ما رأت: اليوم أعلم أن الله قد أعزَّ دينه وأمر دينه! قال: فما كان مسخ الخنازير في بني إسرائيل إلا على يديْ تلك المرأة. (25)12224 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وجعل منهم القردة والخنازير "، قال: مسخت من يهود.12225 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.وللمسخ سبب فيما ذكر غير الذي ذكرناه، سنذكره في موضعه إن شاء الله. (26)* * *القول في تأويل قوله : وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60)قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.فقرأته قرأة الحجاز والشأم والبصرة وبعض الكوفيين: ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، بمعنى: وجعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت، بمعنى: " عابد "، فجعل " عبد "، فعلا ماضيًا من صلة المضمر، ونصب " الطاغوتَ"، بوقوع " عبَدَ" عليه.* * *وقرأ ذلك جماعة من الكوفيين: ( وَعَبُدَ الطَّاغُوتَ ) بفتح " العين " من " عبد " وضم بائها، وخفض " الطاغوت " بإضافة " عَبُد " إليه. وعنوا بذلك: وخدَمَ الطاغوت.12226 - حدثني بذلك المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد قال، حدثني حمزة، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب أنه قرأ: ( وَعُبَدَ الطَّاغُوتِ ) يقول: خدم= قال عبد الرحمن: وكان حمزة كذلك يقرأها.12227 - حدثني ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن الأعمش: أنه كان يقرأها كذلك.* * *وكان الفَرَّاء يقول: إن تكن فيه لغة مثل " حَذِرٍ" و " حَذُر "، و " عجِلٍ"، و " وعَجُلٍ"، فهو وجه، والله أعلم= وإلا فإن أراد قول الشاعر: (27)أَبَنِي لُبَيْنَى إنَّ أُمَّكُمُأَمَةٌ وَإنَّ أَبَاكُمُ عَبُدُ (28)فإن هذا من ضرورة الشعر، وهذا يجوز في الشعر لضرورة القوافي، وأما في القراءة فلا. (29)* * *وقرأ ذلك آخرون: ( وَعُبُدَ الطَّاغُوتِ ) ذكر ذلك عن الأعمش.* * *وكأنَّ من قرأ ذلك كذلك، أراد جمع الجمع من " العبد "، كأنه جمع " العبد "" عبيدًا "، ثم جمع " العبيد "" عُبُدًا "، مثل: " ثِمَار وُثُمر ". (30)* * *وذكر عن أبي جعفر القارئ أنه كان يقرأه: (31) ( وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ ).12228 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن قال: كان أبو جعفر النحويّ يقرأها: ( وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ )، كما يقول: " ضُرِب عبدُ الله ".* * *قال أبو جعفر: وهذه قراءة لا معنى لها، لأن الله تعالى ذكره، إنما ابتدأ الخبر بذمّ أقوام، فكان فيما ذمَّهم به عبادُتهم الطاغوت. وأما الخبر عن أن الطاغوت قد عُبد، فليس من نوع الخبر الذي ابتدأ به الآية، ولا من جنس ما ختمها به، فيكون له وجه يوجَّه إليه في الصحة. (32)* * *وذكر أن بُريدة الأسلمي كان يقرأه: ( وعابد الطاغوت ). (33)12229 - حدثني بذلك المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شيخ بصري: أن بريدة كان يقرأه كذلك.* * *ولو قرئ ذلك: ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، بالكسر، كان له مخرج في العربية صحيح، وإن لم أستجز اليوم القراءة بها، إذ كانت قراءة الحجة من القرأة بخلافها. ووجه جوازها في العربية، أن يكون مرادًا بها " وعَبَدَة الطاغوت "، ثم حذفت " الهاء " للإضافة، كما قال الراجز: (34)قَامَ وُلاهَا فَسَقَوْهُ صَرْخَدَا (35)يريد: قام وُلاتها، فحذف " التاء " من " ولاتها " للإضافة. (36)* * *قال أبو جعفر: وأما قراءة القرأة، فبأحد الوجهين اللذين بدأت بذكرهما وهو: ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، بنصب " الطاغوت " وإعمال " عبد " فيه، وتوجيه " عبد " إلى أنه فعل ماض من " العبادة ".والآخر: (وعبد الطاغوت)، على مثال " فَعُلٍ"، وخفض " الطاغوت " بإضافة " عَبُدٍ" إليه.فإذ كانت قراءة القرأة بأحد هذين الوجهين دون غيرهما من الأوجه التي هي أصح مخرجًا في العربية منهما، فأولاهما بالصواب من القراءة، قراءة من قرأ ذلك ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، بمعنى: وجعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت، لأنه ذكر أن ذلك في قراءة أبيّ بن كعب وابن مسعود: ( وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، بمعنى: والذين عبدوا الطاغوت= ففي ذلك دليل واضحٌ على صحة المعنى الذي ذكرنا من أنه مراد به: ومَن عبد الطاغوت، وأن النصب ب" الطاغوت " أولى، على ما وصفت في القراءة، لإعمال " عبد " فيه، إذ كان الوجه الآخر غير مستفيض في العرب ولا معروف في كلامها.على أن أهل العربية يستنكرون إعمال شيء في" مَنْ" و " الذي" المضمرين مع " مِنْ" و " في" إذا كفت " مِنْ" أو " في" منهما ويستقبحونه، حتى كان بعضهم يُحيل ذلك ولا يجيزه. وكان الذي يحيل ذلك يقرأه: ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، فهو على قوله خطأ ولحن غير جائز.وكان آخرون منهم يستجيزونه على قبح. فالواجب على قولهم أن تكون القراءة بذلك قبيحة. وهم مع استقباحهم ذلك في الكلام، قد اختاروا القراءة بها، وإعمال و " جعل " في" مَنْ"، وهي محذوفة مع " مِن ".ولو كنا نستجيز مخالفة الجماعة في شيء مما جاءت به مجمعة عليه، لاخترنا القراءة بغير هاتين القراءتين، غير أن ما جاء به المسلمون مستفيضًا فيهم لا يتناكرونه، (37) فلا نستجيز الخروجَ منه إلى غيره. فلذلك لم نستجز القراءة بخلاف إحدى القراءتين اللتين ذكرنا أنهم لم يعدُوهما.* * *وإذ كانت القراءة عندنا ما ذكرنا، فتأويل الآية: قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله، من لعنه الله وغضب عليه، وجعل منهم القردة والخنازير، ومن عبد الطاغوت.* * *وقد بينا معنى " الطاغوت " فيما مضى بشواهده من الروايات وغيرها، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا. (38)* * *وأما قوله: " أولئك شر مكانًا وأضلُّ عن سواء السبيل "، فإنه يعني بقوله: " أولئك "، هؤلاء الذين ذكرهم تعالى ذكره، وهم الذين وصفَ صفتهم فقال: " من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت "، وكل ذلك من صفة اليهود من بني إسرائيل.يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم=" شر مكانًا "، في عاجل الدنيا والآخرة عند الله ممن نَقَمتم عليهم، يا معشر اليهود، إيمانَهم بالله، وبما أنزل إليهم من عند الله من الكتاب، وبما أنزل إلى من قبلهم من الأنبياء=" وأضل عن سواء السبيل "، يقول تعالى ذكره: وأنتم مع ذلك، أيها اليهود، أشد أخذًا على غير الطريق القويم، وأجورُ عن سبيل الرشد والقصد منهم. (39)* * *قال أبو جعفر: وهذا من لَحْنِ الكلام. (40) وذلك أن الله تعالى ذكره إنما قصد بهذا الخبر إخبارَ اليهود الذين وصف صفتهم في الآيات قبل هذه، بقبيح فعالهم وذميم أخلاقهم، واستيجابهم سخطه بكثرة ذنوبهم ومعاصيهم، حتى مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير، خطابًا منه لهم بذلك، تعريضًا بالجميل من الخطاب، ولَحَن لهم بما عَرَفوا معناه من الكلام بأحسن اللحن، (41) وعلَّم نبيه صلى الله عليه وسلم من الأدب أحسنه فقال له: قل لهم، يا محمد، أهؤلاء المؤمنون بالله وبكتبه الذين تستهزئون منهم، شرٌّ، أم من لعنه الله؟ وهو يعني المقولَ ذلك لهم.----------------الهوامش :(13) انظر تفسير"مثوبة" فيما سلف 2: 458 ، 459.(14) كان في المطبوعة: "غير أن العين لما سكنت نقلت حركتها إلى الفاء..." ، سقط صدر الكلام ، فغير ما كان في المخطوطة ، فأثبت ما أثبته بين القوسين ، استظهارًا من إشتقاق الكلمة. والذي كان في المخطوطة: "غير أن الفعل لما سقط نقلت حركتها إلى الفاء" ، سقط أيضًا صدر الكلام الذي أثبته بين القوسين ، وسقط أيضًا"عين" من قوله: "عين الفعل". وأخشى أن يكون سقط من الكلام غير هذا. انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 170 ، وذلك قراءة من قرأ"مثوبة" (بفتح فسكون ففتح).(15) في المطبوعة: "محوزة" بالحاء والزاي وفي المخطوطة: "محوره ومصرفه" غير منقوطة. والصواب ما أثبت. ويأتي في بعض الكتب كالقرطبي 6: 243"مجوزة" بالجيم والزاي ، وكل ذلك خطأ ، صوابه ما أثبت. و"المحورة" من"المحاورة" ، مثل" المشورة" و"المشاورة" يقال: "ما جاءتني عنه محورة" ، أي: ما رجع إليّ عنه خبر. وحكى ثعلب: "اقض محورتك" ، أي الأمر الذي أنت فيه. ويقال فيها أيضًا: "محورة" (بفتح الميم وسكون الحاء) ومنه قول الشاعر:لِحَاجَةِ ذي بَثٍّ ومَحْوَرةٍ لَهُ،كَفَى رَجْعُهَا مِنْ قِصَّةِ المُتَكَلِّمِ(16) هو أبو جندب الهذلي.(17) أشعار الهذليين 3: 92 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 170 ، واللسان (ضيف) (نصف) وغيرها كثير ، وبعده:وَلَكِنَّنيِ جَمْرُ الغَضَا من وَرَائِهِيُخَفِّرُنِي سَيْفِي إذَا لَمْ أُخَفَّرِأَبَى النَّاسُ إلا الشَّرَّ مِنِّي، فَدَعْهُمُوَإيّايَ مَا جَاءُوا إلَيَّ بِمُنْكَرِإذَا مَعْشَرٌ يَوْمًا بَغَوْنِي بَغَيْتُهُمُبِمُسْقِطَةِ الأحْبَالِ فَقْمَاءَ قِنْطِرِو"المضوفة" و"المضيفة" و"المضافة": الأمر يشفق منه الرجل. وبها جميعًا روى البيت."ضاف الرجل وأضاف": خاف. و"نصف الإزار ساقه": إذا بلغ نصفها. يريد بذلك اجتهاده في الدفاع عمن استجار به. وقوله: "ولكني جمر الغضا..." ، يقول: أتحرق في نصرته تحرقًا كأنه لهب باق من جمر الغضا. وقوله: "يخفرني سيفي...". يقول: سيفي خفيري إذا لم أجد لي خفيرًا ينصرني. وقوله: "مسقطة الأحبال": يريد: أعمد إليهم بداهية تسقط الحبالي من الرعب. و"فقماء". وصف للداهية المنكرة ، يذكر بشاعة منظرها يقال: "امرأة فقماء": وهي التي تدخل أسنانها العليا إلى الفم ، فلا تقع على الثنايا السفلى ، وهي مع ذلك مائلة الحنك. و"قنطر" هي الداهية ، وجاء بها هنا وصفًا ، وكأن معناها عندئذ أنها داهية تطبق عليه إطباقًا ، كالقنطرة التي يعبر عليها تطبق على الماء. ولم يذكر أصحاب اللغة هذا الاشتقاق ، وإنما هو اجتهاد مني في طلب المعنى.وكان صدر البيت الشاهد في المخطوطة: "وكنت إذا جاي دعالم" ، ولم يتم البيت ، وأتمته المطبوعة.(18) في المطبوعة والمخطوطة: "شر ثوابا" ، وليس في كتاب الله آية فيها"شر ثوابا" ، فأثبت آية الكهف التي استظهرت أن يكون قرأها ابن زيد في هذا الموضع. ونقل السيوطي في الدر المنثور 2: 295 ، وكتب: "وقرئ: بشر ثوابًا" ، ولم أجد هذه القراءة الشاذة ، فلذلك استظهرت ما أثبت. هذا ، وقد سقط من الترقيم رقم: 12222 سهوا.(19) انظر هذا كله في معاني القرآن للفراء 1: 314.(20) في المطبوعة: "فيجعل"أنبئكم" على ما في"من" واقعًا عليه" ، وفي المخطوطة: "فيجعل"أنبئكم" علامًا فيمن واقعًا عليه" ، وكلاهما فاسد ، وصواب قراءة ما أثبت ، ولكن أخطأ الناسخ كعادته في كتابته أحيانًا. و"الوقوع" التعدي ، كما سلف مرارًا ، انظر فهارس المصطلحات في الأجزاء السالفة.(21) انظر تفسير"اللعنة" فيما سلف 9: 213 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.(22) انظر تفسير"غضب الله" فيما سلف 1: 188 ، 189/2: 138 ، 345/7: 116/9: 57.(23) انظر ما سلف 2: 167- 172/8: 447 ، 448/ وما سيأتي في التفسير 9: 63- 70 (بولاق).(24) في المخطوطة: "تدعوا الله" بحذف"إلى" ، والصواب ما في المطبوعة ، بدليل ما سيأتي بعد . وأما قوله: "واستجمعوا على الهلكة" فإنه يعني: قد أشرفت جمعاتهم على الهلاك بكفرهم.(25) الأثر: 12223-"عمر بن كثير بن أفلح ، مولى أبي أيوب الأنصاري" ، روى عن كعب بن مالك ، وابن عمر ، وسفينة ، وغيرهم. وذكره ابن حبان في الثقات ، في أتباع التابعين. وقال ابن سعد: "كان ثقة ، له أحاديث". وقال ابن أبي حاتم: "روى عنه محمد بن بشر العبدي ، وحماد بن خالد الخياط ، وأبو عون الزيادي" ، غير أن أبا عون قال: "عمرو بن كثير بن أفلح" ، وهو وهم منه". وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا"عمرو بن كثير" ، فتابعت ابن أبي حاتم. وهو مترجم في التهذيب"عمر" ، وابن أبي حاتم 3/1/130.(26) لم أعرف مكانه فيما سيأتي من التفسير ، فإذا عثرت عليه أثبته إن شاء الله. ولعل منه ما سيأتي في الآثار رقم: 12301- 12304. وانظر رقم: 7110.(27) هو أوس بن حجر.(28) ديوانه ، القصيدة: 5 ، البيت: 4 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 314 ، 315 ، واللسان (عبد) ، وقد مضى منها بيت فيما سلف ص: 275 ، وقبل البيت:أَبَنِي لُبَيْنِيَ لَسْتُ مُعْترِفًالِيَكُونَ أَلأَمَ مِنْكُمُ أَحَدُ(29) انظر معاني القرآن للفراء 1: 314 ، 315.(30) كان الأجود أن يقول: "كأنه جمع العبد عبادًا ، ثم جمع العباد عبدًا ، مثل ثمار وثمر" ، وهو ظاهر مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 314.(31) في المطبوعة: "أنه يقرؤه" بحذف"كان" ، وأثبت ما في المخطوطة.(32) في المطبوعة: "من الصحة" ، والصواب ما في المخطوطة.(33) في المخطوطة: "وعابد الشيطان" ، وهو خطأ لا شك فيه ، صححته المطبوعة ، وانظر القراءات الشاذة لابن خالويه: 34.(34) لم أعرف الراجز.(35) معاني القرآن للفراء 1: 314 ، وقوله: "صرخد" جعلها الخمر الصرخدية نفسها. وأما أصحاب اللغة ، فيقولون: "صرخد" ، موضع بالشأم ، من عمل حوران ، تنسب إليه الخمر الجيدة.(36) انظر ما سلف جميعه في معاني القرآن للفراء 1: 314 ، 315.(37) في المطبوعة: "فهم لا يتناكرونه" ، وأثبت ما في المخطوطة.(38) انظر تفسير"الطاغوت" فيما سلف 5: 416- 419/8: 461-465 ، 507- 513 ، 546.(39) انظر تفسير"الضلال" فيما سلف من فهارس اللغة.= وتفسير"سواء السبيل" فيما سلف 10: 124 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(40) "اللحن" هنا بمعنى التعريض والإيماء ، عدولا عن تصريح القول. قال ابن بري: "للحن ستة معان: الخطأ في الإعراب ، واللغة ، والغناء ، والفطنة ، والتعريض ، والمعنى".(41) أي: عرض لهم بأحسن التعريض والإيماء.
وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا۟ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا۟ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْتُمُونَ ﴿61﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا جاءكم، أيها المؤمنون، هؤلاء المنافقون من اليهود قالوا لكم: "آمنا ": أي صدّقنا بما جاء به نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم واتبعناه على دينه، وهم مقيمون على كفرهم وضلالتهم، قد دخلوا عليكم بكفرهم الذي يعتقدونه بقلوبهم ويُضمرونه في صدورهم، وهم يبدون كذبًا التصديق لكم بألسنتهم=" وقد خرجوا به "، يقول: وقد خرجوا بالكفر من عندكم كما دخلوا به عليكم، لم يرجعوا بمجيئهم إليكم عن كفرهم وضلالتهم، يظنون أن ذلك من فعلهم يخفى على الله، جهلا منهم بالله=" والله أعلم بما كانوا يكتمون "، يقول: والله أعلم بما كانوا- عند قولهم لكم بألسنتهم: "آمنا بالله وبمحمد وصدّقنا بما جاء به "- يكتمون منهم، بما يضمرونه من الكفر، بأنفسهم. (42)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.ذكر من قال ذلك:12230 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وإذا جاءوكم قالوا آمنا " الآية، أناسٌ من اليهود، كانوا يدخلون على النبيّ صلى الله عليه وسلم فيخبرونه أنهم مؤمنون راضون بالذي جاء به، وهم متمسكون بضلالتهم والكفر. وكانوا يدخلون بذلك ويخرجون به من عند نبي الله صلى الله عليه وسلم.12231 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به "، قال: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يهود. يقول: دخلوا كفارًا، وخرجوا كفارًا.12232 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به "، وإنهم دخلوا وهم يتكلمون بالحق، وتُسرُّ قلوبهم الكفر، فقال: " دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به ".12233 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به "= وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ، [سورة آل عمران: 72]. فإذا رجعوا إلى كفارهم من أهل الكتاب وشياطينهم، رجعوا بكفرهم. وهؤلاء أهل الكتاب من يهود.12234 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير: " وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به "، أي: إنه من عندهم.----------------------الهوامش :(42) في المطبوعة: "مما يضمرونه" ، والصواب من المخطوطة"بما". وسياق هذه الجملة بعد إسقاط الجمل المعترضة المفسرة: والله أعلم بما كانوا... يكتمون منهم... بأنفسهم" أي: أعلم منهم بأنفسهم. وقوله: "بما يضمرون من الكفر" ، متعلق بقوله: "والله أعلم بما كانوا يكتمون" تفسيرًا لقوله: "بما كانوا يكتمون".وانظر تفسير"الكتمان" فيما سلف 2: 228 ، 229.
وَتَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿62﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " وترى " يا محمد =" كثيرًا "، من هؤلاء اليهود الذين قصصت عليك نبأهم من بني إسرائيل=" يسارعون في الإثم والعدوان "، يقول: يعجلون بمواقعة الإثم. (43)* * *وقيل: إن " الإثم " في هذا الموضع، معنيّ به الكفر. (44)12235 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: " وترى كثيًرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان "، قال: " الإثم "، الكفر.12236 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وترى كثيًرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان "، وكان هذا في حُكّام اليهود بين أيديكم. (45)12237 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " يسارعون في الإثم والعدوان "، قال: هؤلاء اليهود=" لبئس ما كانوا يعملون "= لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ ، إلى قوله: لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ، قال: " يَصْنَعُونَ" و " يعملون " واحد. قال: لهؤلاء حين لم ينهوا، كما قال لهؤلاء حين عملوا.قال: وذلك الإدهان. (46)* * *قال أبو جعفر: وهذا القول الذي ذكرناه عن السدي، وإن كان قولا غير مدفوع جوازُ صحته، فإن الذي هو أولى بتأويل الكلام: أن يكون القوم موصوفين بأنهم يسارعون في جميع معاصي الله، لا يتحاشون من شيء منها، لا من كفر ولا من غيره. لأن الله تعالى ذكره عمَّ في وصفهم بما وصفهم به من أنهم يسارعون في الإثم والعدوان، من غير أن يخصّ بذلك إثمًا دون إثم.* * *وأما " العدوان "، فإنه مجاوزة الحدّ الذي حدَّه الله لهم في كل ما حدَّه لهم. (47)* * *وتأويل ذلك: أن هؤلاء اليهود الذين وصفهم في هذه الآيات بما وصفهم به تعالى ذكره، يسارع كثير منهم في معاصي الله وخلاف أمره، ويتعدَّون حدودَه التي حدَّ لهم فيما أحلّ لهم وحرّم عليهم، في أكلهم " السحت "= وذلك الرشوة التي يأخذونها من الناس على الحكم بخلاف حكم الله فيهم. (48)* * *يقول الله تعالى ذكره: " لبئس ما كانوا يعملون "، يقول: أقسم لَبئس العمل ما كان هؤلاء اليهود يعملون، في مسارعتهم في الإثم والعدوان، وأكلهم السحت.* * *
لَوْلَا يَنْهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ ﴿63﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: هلا ينهى هؤلاء الذين يسارعون في الإثم والعدوان وأكل الرشى في الحكم، من اليهود من بني إسرائيل، (49) ربانيوهم= وهم أئمتهم المؤمنون، وساستهم العلماء بسياستهم (50) = وأحبارهم، وهم علماؤهم وقوادهم (51) =" عن قولهم الإثم " يعني: عن قول الكذب والزور، وذلك أنهم كانوا يحكمون فيهم بغير حكم الله، ويكتبون كتبًا بأيديهم ثم يقولون: " هذا من حكم الله، وهذا من كتبه ". يقول الله: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [سورة البقرة: 79].* * *وأما قوله: " وأكلهم السحت "، فإنه يعني به الرشوة التي كانوا يأخذونها على حكمهم بغير كتاب الله لمن حكموا له به.* * *وقد بينا معنى " الربانيين " و " الأحبار " ومعنى " السحت "، بشواهد ذلك فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (52)* * *=" لبئس ما كانوا يصنعون "، وهذا قسم من الله أقسم به، يقول تعالى ذكره: أقسم: لبئس الصنيع كان يصنع هؤلاء الربانيون والأحبار، في تركهم نهيَ الذين يسارعون منهم في الإثم والعدوان وأكل السحت، عما كانوا يفعلون من ذلك.* * *وكان العلماء يقولون: ما في القرآن آية أشدَّ توبيخًا للعلماء من هذه الآية، ولا أخوفَ عليهم منها.12238 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الله بن داود قال، حدثنا سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم في قوله: " لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم " قال: ما في القرآن آية، أخوف عندي منها: أَنَّا لا ننهى. (53)12239 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا قيس، عن العلاء بن المسيب، عن خالد بن دينار، عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية أشدَّ توبيخًا من هذه الآية: ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون ) قال: كذا قرأ. (54)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.ذكر من قال ذلك:12240 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك: " لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت " [قال: " الربانيون والأحبار "، فقهاؤهم وقراؤهم وعلماؤهم. قال: ثم يقول الضحاك: وما أخوفني من هذه الآية!]. (55)12241 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون "، يعني: الربانيين، أنهم: لبئس ما كانوا يصنعون.-------------------الهوامش :(43) انظر تفسير"المسارعة" فيما سلف 10: 404 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.(44) انظر تفسير"الإثم" فيما سلف 9: 196 ، 197 ، ثم سائر فهارس اللغة.(45) في المطبوعة: "في أحكام اليهود" ، والصواب من المخطوطة.(46) قوله: "وذلك الإدهان"حذفت من المطبوعة ، وهي في المخطوطة سيئة الكتابة هكذا: "قال: وذلك الإركان" ، وصواب قراءته ما أثبت. و"الإدهان": اللين والمصانعة ، في الدين وفي كل شيء ، وفي التنزيل: "ودوا لو تدهن فيدهنون".(47) انظر تفسير"العدوان" فيما سلف 9: 362 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(48) انظر تفسير"السحت" فيما سلف 10: 317- 324.(49) انظر تفسير"لولا" بمعنى: "هلا" ، فيما سلف 2: 552 ، 553.(50) انظر تفسير"الربانيون" فيما سلف 5: 540- 544/10: 341- 343(51) انظر تفسير"الأحبار" فيما سلف 6: 543 ، 544/10: 341- 343(52) انظر التعليقات السالفة قريبًا.(53) الأثر: 12238-"عبد الله بن داود بن عامر بن الربيع الهمداني" ، أبو عبد الرحمن الخريبي. كان ثقة عابدًا ، وكان عسرًا في الرواية. مترجم في التهذيب.(54) الأثر: 12239-"ابن عطية" هو: "الحسن بن عطية بن نجيح القرشي" ، أبو علي البزار مضى برقم: 1939 ، 4962 ، 7535 ، 8961 ، 8962. وهو الذي يروي عنه أبو كريب ويقول: "ابن عطية" ، وكان في المطبوعة والمخطوطة: "أبو عطية". وهو خطأ.و"قيس" ، هو"قيس بن الربيع الأسدي" ، مضى برقم: 159 ، 4842 ، 5413 ، 6892 ، 7535.و"العلاء بن المسيب بن رافع الأسدي" ، مضى برقم: 3789.و"خالد بن دينار التميمي السعدي" مضى برقم: 44 ، ولم يدرك ابن عباس.(55) الأثر: 12240- كان في المطبوعة"... وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون" ، أتم الآية ، وليس للخبر تتمة. أما المخطوطة ، فليس فيها تتمة الآية ولا تتمة الخبر ، والذي أثبته من الدر المنثور 1: 296 قال: "وأخرج عبد بن حميد من طريق سلمة بن نبيط..." ، وساق الأثر كما أثبته.
وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ كُلَّمَآ أَوْقَدُوا۟ نَارًۭا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًۭا ۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴿64﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُقال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن جرأة اليهود على ربهم، ووصفهم إياه بما ليس من صفته، توبيخًا لهم بذلك، وتعريفًا منه نبيَّه صلى الله عليه وسلم قديمَ جهلهم واغترارهم به، وإنكارهم جميع جميل أياديه عندهم، وكثرة صفحه عنهم وعفوه عن عظيم إجرامهم= واحتجاجًا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأنه له نبيٌّ مبعوث ورسول مرسل: أنْ كانت هذه الأنباء التي أنبأهم بها كانت من خفيِّ علومهم ومكنونها التي لا يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم دون غيرهم من اليهود، فضلا عن الأمة الأمية من العرب الذين لم يقرأوا كتابًا، ولاوَعَوْا من علوم أهل الكتاب علمًا، فأطلع الله على ذلك نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، ليقرر عندهم صدقه، ويقطع بذلك حجتهم.* * *يقول تعالى ذكره: " وقالت اليهود "، من بني إسرائيل=" يد الله مغلولة "، يعنون: أن خير الله مُمْسَك وعطاؤه محبوس عن الاتساع عليهم، كما قال تعالى ذكره في تأديب نبيه صلى الله عليه وسلم: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [سورة الإسراء: 29].* * *وإنما وصف تعالى ذكره " اليد " بذلك، والمعنى العَطاء، لأن عطاء الناس وبذلَ معروفهم الغالبَ بأيديهم. فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضًا، إذا وصفوه بجود وكرم، أو ببخل وشحّ وضيق، بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه، كما قال الأعشى في مدح رجل:يَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ, فَكَفٌ مُفِيدَةٌوَكَفٌّ إذَا مَا ضُنَّ بِالزَّادِ تُنْفِقُ (56)فأضاف ما كان صفة صاحب اليد من إنفاق وإفادة إلى " اليد ". ومثل ذلك من كلام العرب في أشعارها وأمثالها أكثر من أن يُحْصى. فخاطبهم الله بما يتعارفونه ويتحاورونه بينهم في كلامهم فقال: " وقالت اليهود يد الله مغلولة "، يعني بذلك: أنهم قالوا: إن الله يبخل علينا، ويمنعنا فضله فلا يُفْضِل، كالمغلولة يده الذي لا يقدر أن يبسطَها بعطاء ولا بذلِ معروف، تعالى الله عما قالوا، أعداءَ الله! (57)فقال الله مكذِّبَهم ومخبرَهم بسخَطه عليهم: " غلت أيديهم "، يقول: أمسكت أيديهم عن الخيرات، وقُبِضت عن الانبساط بالعطيات=" ولعنوا بما قالوا "، وأبعدوا من رحمة الله وفضله بالذي قالوا من الكفر، وافتروا على الله ووصفوه به من الكذب والإفك (58)=" بل يداه مبسوطتان "، يقول: بل يداه مبسوطتان بالبذل والإعطاء وأرزاق عباده وأقوات خلقه، غيُر مغلولتين ولا مقبوضتين (59) =" ينفق كيف يشاء "، يقول: يعطي هذا، ويمنع هذا فيقتِّر عليه. (60)* * *وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.ذكر من قال ذلك:12242 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا "، قال: ليس يعنون بذلك أن يد الله موثقةٌ، ولكنهم يقولون: إنه بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيًرا.12243 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " يد الله مغلولة "، قالوا: لقد تَجَهَّدنا الله = يا بني إسرائيل، (61) حتى جعل الله يده إلى نحره! وكذبوا!12244 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " يد الله مغلولة "، قال: اليهود تقوله: (62) لقد تجهَّدنا الله يا بني إسرائيل ويا أهل الكتاب، (63) حتى إن يده إلى نحره=" بل يداه مبسوطتان، ينفق كيف يشاء ".12245 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا " إلى وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ، أما قوله: " يد الله مغلولة "، قالوا: الله بخيل غير جواد! قال الله: " بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ".12246 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء "، قالوا: إن الله وضع يده على صدره، فلا يبسطها حتى يردّ علينا ملكنا.* * *= وأما قوله: " ينفق كيف يشاء "، يقول: يرزق كيف يشاء.12247 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عكرمة: " وقالت اليهود يد الله مغلولة " الآية، نزلت في فنْحاص اليهوديّ.12248 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم قوله: " يد الله مغلولة "، يقولون: إنه بخيل ليس بجواد! قال الله: " غلت أيديهم "، أمسكت أيديهم عن النفقة والخير. ثم قال يعني نفسه: " بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ". وقال: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ [سورة الإسراء: 29]، يقول: لا تمسك يدك عن النفقة.* * *قال أبو جعفر: واختلف أهل الجدل في تأويل قوله: " بل يداه مبسوطتان ". (64) فقال بعضهم: عنى بذلك: نِعمتاه. وقال: ذلك بمعنى: " يد الله على خلقه "، وذلك نعمه عليهم. وقال: إن العرب تقول: " لك عندي يد "، يعنون بذلك: نعمةٌ.* * *وقال آخرون منهم: عنى بذلك القوة. وقالوا: ذلك نظير قول الله تعالى ذكره: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي [سورة ص: 45].* * *وقال آخرون منهم: بل " يده "، ملكه. وقال: معنى قوله: " وقالت اليهود يد الله مغلولة "، ملكه وخزائنه.قالوا: وذلك كقول العرب للمملوك: " هو ملك يمينه "، و " فلان بيده عُقدة نكاح فلانة "، أي يملك ذلك، وكقول الله تعالى ذكره: فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ، [سورة المجادلة: 12].* * *وقال آخرون منهم: بل " يد الله " صفة من صفاته، هي يد، غير أنها ليست بجارحة كجوارح بني آدم.قالوا: وذلك أنّ الله تعالى ذكره أخبرَ عن خصوصه آدم بما خصّه به من خلقه إياه بيده. (65)قالوا: ولو كان [معنى " اليد "، النعمة، أو القوة، أو الملك، ما كان لخصوصِه] آدم بذلك وجه مفهوم، (66) إذ كان جميع خلقه مخلوقين بقدرته، ومشيئتُه في خلقه تعمةٌ، وهو لجميعهم مالك.قالوا: وإذ كان تعالى ذكره قد خص آدم بذكره خلقَه إياه بيده دون غيره من عباده، كان معلومًا أنه إنما خصه بذلك لمعنى به فارق غيره من سائر الخلق.قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، بطل قول من قال: معنى " اليد " من الله، القوة والنعمة أو الملك، في هذا الموضع.قالوا: وأحرى أن ذلك لو كان كما قال الزاعمون أن: " يد الله " في قوله: " وقالت اليهود يد الله مغلولة "، هي نعمته، لقيل: " بل يده مبسوطة "، ولم يقل: " بل يداه "، لأن نعمة الله لا تحصى كثرة. (67) وبذلك جاء التنزيل، يقول الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [سورة إبراهيم: 34 وسورة النحل: 18]قالوا: ولو كانت نعمتين، كانتا محصاتين.قالوا: فإن ظن ظانٌّ أن النعمتين بمعنى النعم الكثيرة، فذلك منه خطأ، وذلك أنّ العرب قد تخرج الجميع بلفظ الواحد لأداء الواحد عن جميع جنسه، وذلك كقول الله تعالى ذكره: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [سورة العصر: 1، 2] وكقوله (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ)، [سورة الحجر: 26] وقوله: وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا [سورة الفرقان: 55]، قال: فلم يُرَدْ ب" الإنسان " و " الكافر " في هذه الأماكن إنسان بعينه، ولا كافر مشار إليه حاضر، بل عني به جميع الإنس وجميع الكفار، ولكن الواحد أدَّى عن جنسه، كما تقول العرب: " ما أكثر الدرهم في أيدي الناس "، وكذلك قوله: وَكَانَ الْكَافِرُ معناه: وكان الذين كفروا.قالوا: فأما إذا ثنَّى الاسم، فلا يؤدي عن الجنس، ولا يؤدّي إلا عن اثنين بأعيانهما دون الجميع ودون غيرهما. (68)قالوا: وخطأ في كلام العرب أن يقال: " ما أكثر الدرهمين في أيدي الناس "، بمعنى: ما أكثر الدراهم في أيديهم.قالوا: وذلك أن الدرهم إذا ثنِّي لا يؤدي في كلامها إلا عن اثنين بأعيانهما.قالوا: وغيرُ محال: " ما أكثر الدرهم في أيدي الناس "، و " ما أكثر الدراهم في أيديهم "، لأن الواحد يؤدي عن الجميع.قالوا: ففي قول الله تعالى: " بل يداه مبسوطتان "، مع إعلامه عبادَه أن نعمه لا تحصى، مع ما وصفنا من أنه غير معقول في كلام العرب أن اثنين يؤدّيان عن الجميع= ما ينبئ عن خطأ قول من قال: معنى " اليد "، في هذا الموضع، النعمة= وصحةِ قول من قال: إن " يد الله "، هي له صفة.قالوا: وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال به العلماء وأهل التأويل.* * *القول في تأويل قوله : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًاقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن هذا الذي أطلعناك عليه من خفيِّ أمور هؤلاء اليهود، مما لا يعلمه إلا علماؤهم وأحبارهم، احتجاجًا عليهم لصحة نبوتك، وقطعًا لعذر قائلٍ منهم أن يقول: مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ =: " ليزيدن كثيرًا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا ". يعني ب" الطغيان ": الغلو في إنكار ما قد علموا صحته من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والتمادي في ذلك=" وكفرًا "، يقول: ويزيدهم مع غلوِّهم في إنكار ذلك، جحودَهم عظمة الله ووصفهم إياه بغير صفته، بأن ينسبوه إلى البخل، ويقولوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ . وإنما أعلم تعالى ذكره نبيَّه صلى الله عليه وسلم أنهم أهل عتوّ وتمرُّدٍ على ربهم، وأنهم لا يذعنون لحقّ وإن علموا صحته، ولكنهم يعاندونه، يسلِّي بذلك نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم عن الموجِدة بهم في ذهابهم عن الله، وتكذيبهم إياه.* * *وقد بينت معنى " الطغيان " فيما مضى بشواهده، بما أغنى عن إعادته. (69)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.ذكر من قال ذلك:12249 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وليزيدن كثيرًا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا "، حملهم حسدُ محمد صلى الله عليه وسلم والعرب على أن كفروا به، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم.* * *القول في تأويل قوله : وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة "، بين اليهود و النصارى، كما:-12250 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة "، اليهود والنصارى.* * *فإن قال قائل: وكيف قيل: " وألقينا بينهم العداوة والبغضاء "، جعلت " الهاء والميم " في قوله: " بينهم "، كناية عن اليهود والنصارى، ولم يجر لليهود والنصارى ذكر؟قيل: قد جرى لهم ذكر، وذلك قوله: لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ، [سورة المائدة: 51]، جرى الخبر في بعض الآي عن الفريقين، وفي بعضٍ عن أحدهما، إلى أن انتهى إلى قوله: " وألقينا بينهم العداوة والبغضاء "، ثم قصد بقوله: " ألقينا بينهم "، الخبرَ عن الفريقين.* * *القول في تأويل قوله : كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: كلما جمع أمرهم على شيء فاستقام واستوى، فأرادوا مناهضة من ناوأهم، شتته الله عليهم وأفسده، لسوء فعالهم وخُبْثِ نياتهم، (70) كالذي:-12251 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ [سورة الإسراء: 4- 6]، قال: كان الفساد الأول، فبعث الله عليهم عدوًّا فاستباحوا الديار، واستنكحوا النساء، واستعبدوا الولدان، وخرَّبوا المسجد. فغَبَرُوا زمانًا، (71) ثم بعث الله فيهم نبيًّا وعاد أمرهم إلى أحسن ما كان. ثم كان الفساد الثاني بقتلهم الأنبياء، حتى قتلوا يحيى بن زكريا، فبعث الله عليهم بُخْت نصَّر، فقتل من قتل منهم، وسبى من سبى، وخرب المسجد. فكان بخت نصر الفسادَ الثاني= قال: و " الفساد "، المعصية= ثم قال، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ إلى قوله: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [سورة الإسراء: 7، 8] فبعث الله لهم عُزَيْرًا، وقد كان علم التوراة وحفظها في صدره وكتبها لهم. فقام بها ذلك القرن، ولبثوا فنسوا. (72) ومات عزير، وكانت أحداثٌ، ونسوا العهد وبَخَّلوا ربهم، وقالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ، وقالوا في عزير: " إن الله اتخذه ولدًا "، وكانوا يعيبون ذلك على النصارى في قولهم في المسيح، فخالفوا ما نَهَوْا عنه، وعملوا بما كانوا يكفِّرون عليه، فسبق من الله كلمة عند ذلك أنهم لن يظهروا على عدوٍّ آخرَ الدهر، (73) فقال: " كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادًا والله لا يحب المفسدين "، فبعث الله عليهم المجوس الثالثةَ أربابًا، (74) فلم يزالوا كذلك والمجوس على رقابهم، وهم يقولون: " يا ليتنا أدركنا هذا النبي الذي نجده مكتوبًا عندنا، عسى الله أن يفكَّنا به من المجوس والعذاب الهون "! فبعث محمدًا صلى الله عليه وسلم= واسمه " محمد "، واسمه في الإنجيل " أحمد "= فلما جاءهم وعرفوا، (75) كفروا به، قال: فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [سورة البقرة: 89]، وقال: فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ، بسورة البقرة: 90]. (76)12252 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله "، هم اليهود.12253 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادًا "، أولئك أعداء الله اليهود، كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله، فلن تلقَى اليهود ببلد إلا وجدتهم من أذلّ أهله. لقد جاء الإسلام حين جاء، وهم تحت أيدي المجوس أبغضِ خلقه إليه.12254 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله "، قال: كلما أجمعوا أمرهم على شيء فرَّقه الله، وأطفأ حَدَّهم ونارهم، (77) وقذف في قلوبهم الرعب.* * *وقال مجاهد بما:-12255 - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: " كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله "، قال: حربُ محمد صلى الله عليه وسلم.* * *القول في تأويل قوله : وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويعمل هؤلاء اليهود والنصارى بمعصية الله، فيكفرون بآياته ويكذبون رسله، ويخالفون أمره ونهيه، وذلك سعيُهم فيها بالفساد=" والله لا يحب المفسدين "، يقول: والله لا يحب من كان عامِلا بمعاصيه في أرضه. (78)* * *---------------الهوامش:(56) ديوانه: 150 ، وغيره. من قصيدته الغالية التي رفعت المحلق وطارت بذكره في الآفاق ، يقول له:لَعَمْرِي لَقَدْ لاحَتْ عُيُونٌ كَثِيرَةٌإلَى ضَوْءِ نارٍ في يَفَاٍع تُحَرَّقُتُشَبُّ لمقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيَانِهِاوَبَاتَ عَلَى النَّارِ النَّدَى والمحَلَّقُرَضِيعَيْ لِبَانٍ ثَدْيَ أُمٍّ تَحَالفَابِأَسْحَمَ عَوْضَ الدَّهْرِ لا نَتَفَرَّقُتَرَى الجُودَ يَجْرِيِ ظَاهِرًا فَوْقَ وَجْهِهِكَمَا زَانَ مَتْنَ الهُنْدُوَانِيِّ رَوْنَقُيَدَاهُ يَدَا صِدْقٍ، فَكفٌّ مُفِيدَةٌوَكَفٌّ إذَا مَا ضُنَّ بِالْمَالِ تُنْفِقُهذه رواية مخطوطة ديوانه التي صورتها حديثًا ، ورواية هذه المخطوطة تخالف الرواية المطبوعة في أشياء كثيرة ، ولا سيما في ترتيب أبيات الشعر.(57) في المطبوعة: "عما قال أعداء الله" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وقوله: "أعداء الله" منصوب على الذم.(58) انظر تفسير"اللعنة" فيما سلف 10: 437 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.(59) انظر تفسير"البسط" فيما سلف 5: 288 ، 290 ، 313.(60) انظر تفسير"الإنفاق" فيما سلف 7: 134 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك ، ثم سائر فهارس اللغة.(61) في المطبوعة ، حذف ما وضعته بين الخطين ، وكان في المخطوطة: "لقد تجهدنا الله ، أي تجهدنا الله يا بني إسرائيل" ، ورجحت أن صوابها كما أثبتها. ولم يذكر في كتب اللغة"تجهد" (مشددة الهاء) بمعنى: ألح عليه في السؤال حتى أفنى ما عنده ، وكأنه من أجل ذلك فسره بقوله (كما قرأته): "أي جهدنا الله" من قولهم"جهد الرجل" (ثلاثيا): إذا ألح عليه في السؤال. هذا ما رأيته ، وفوق كل ذي علم عليم. وانظر الأثر التالي.(62) في المطبوعة: "اليهود تقول" ، وأثبت ما في المخطوطة.(63) انظر التعليق السالف ص: 452 ، رقم: 4.(64) هذه أول مرة يذكر فيها أبو جعفر أصحاب الكلام ويسميهم"أهل الجدل".(65) في المطبوعة: "عن خصوصية آدم" ، وأعاد"خصوصية" بالنسب في جميع ما سيأتي ، وهو عبث من المصحح ، وأثبت ما في المخطوطة.(66) هذه الزيادة بين القوسين زيادة يقتضيها الكلام ، استظهرتها من سياق هذه الحجج ما استطعت ، وإسقاطها مفسد للكلام.(67) في المطبوعة: "لا تحصى بكثرة" ، وأثبت ما في المخطوطة.(68) في المطبوعة والمخطوطة: "فلا يؤدي إلا عن اثنين" ، وهو لا يستقيم بالفاء ، إنما يستقيم بالواو كما أثبته.(69) انظر تفسير"الطغيان" فيما سلف 1: 308 ، 309/5: 419.(70) انظر تفسير"أوقد" فيما سلف 1: 320 ، 380/6: 222.(71) في المطبوعة: "فغيروا" بالياء ، وهو خطأ."غبروا زمانا": لبثوا زمانًا.(72) في المطبوعة: "ونسوا" ، وأثبت ما في المخطوطة.(73) في المطبوعة والمخطوطة: "لم يظهروا" ، والسياق يقتضي ما أثبت.(74) في المطبوعة: "المجوس الثلاثة أربابًا" ، والصواب ما في المخطوطة ، ويعني وعد الآخرة ، وهي المرة الثالثة.(75) في المطبوعة: "فلما جاءهم ما عرفوا..." كنص آية البقرة: 89 ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو صواب أيضًا ، لا يريد الآية ، بل أراد معناها.(76) الأثر: 12251- هذا الأثر ، لم يذكره أبو جعفر في تفسير آيات"سورة الإسراء: 4- 8" في تفسيره 15: 17- 35 (بولاق). وهذا أحد الأدلة على اختصار التفسير.(77) "الحد": البأس والنفاذ. و"حد الظهيرة": شدة توقدها.(78) انظر تفسير"الفساد في الأرض" فيما سلف: 287 ، 416/ ثم 10: 257 تعليق: 1 ، والمراجع هناك.= وتفسير"السعي" فيما سلف 4: 238 ، وفي سائر فهارس اللغة.
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَٰهُمْ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ﴿65﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: " ولو أن أهل الكتاب "، وهم اليهود والنصارى="آمنوا " بالله وبرسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فصدَّقوه واتبعوه وما أنزل عليه=" واتقوا " ما نهاهم الله عنه فاجتنبوه=" لكفرنا عنهم سيئاتهم "، يقول: محوْنا عنهم ذنوبَهم فغطينا عليها، ولم نفضحهم بها (1) =" ولأدخلناهم جنات النعيم "، يقول: ولأدخلناهم بساتِين ينعَمون فيها في الآخرة. (2)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.ذكر من قال ذلك:12256 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا "، يقول: آمنوا بما أنزل الله، واتقوا ما حرم الله، =" لكفرنا عنهم سيئاتهم ".------------------الهوامش :(1) انظر تفسير"التكفير" فيما سلف 7: 482 ، 490/8: 254= وتفسير"السيئات" فيما سلف من فهارس اللغة (سوأ).(2) انظر تفسير"الجنة" فيما سلف 8: 448 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌۭ مُّقْتَصِدَةٌۭ ۖ وَكَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ ﴿66﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ولو أنهم أقامُوا التوراة والإنجيلَ"، ولو أنهم عملوا بما في التوراة والإنجيل (3) =" وما أنزل إليهم من ربهم "، يقول: وعملوا بما أنزل إليهم من ربهم من الفرقانِ الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم.* * *فإن قال قائل: وكيف يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، مع اختلاف هذه الكتب، ونسخِ بعضها بعضًا؟قيل: إنها وإن كانت كذلك في بعض أحكامها وشرائعها، فهي متَّفِقة في الأمر بالإيمان برُسُل الله، والتصديق بما جاءت به من عند الله. فمعنى إقامتهم التوراةَ والإنجيل وما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم: تصديقُهُم بما فيها، والعملُ بما هي متفقة فيه، وكل واحد منها في الحين الذي فرض العمل به. (4)* * *وأما معنى قوله: " لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم "، فإنه يعني: لأنزل الله عليهم من السماء قَطْرَها، فأنبتت لهم به الأرض حبها ونباتها، فأخرج ثمارَها.* * *وأما قوله: " ومن تحت أرجلهم "، فإنه يعني تعالى ذكره: لأكلوا من برَكة ما تحت أقدامِهم من الأرض، وذلك ما تخرجه الأرض من حَبِّها ونباتها وثمارِها، وسائرِ ما يؤكل مما تخرجه الأرض.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.ذكر من قال ذلك:12257 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربّهم لأكلوا من فوقهم "، يعني: لأرسل السماءَ عليهم مدرارًا=" ومن تحت أرجلهم "، تخرج الأرض برَكتها.12258 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم "، يقول: إذًا لأعطتهم السماء برَكتها والأَرْضُ نَباتها.12259 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم "، يقول: لو عملوا بما أنزل إليهم مما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم، لأنزلنا عليهم المطرَ، فلأنبت الثَّمر. (5)12260 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم "، أمّا " إقامتهم التوراة "، فالعمل بها= وأما " ما أنزل إليهم من ربهم "، فمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه. يقول: " لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم "، أما " من فوقهم "، فأرسلت عليهم مطرًا، وأما " من تحت أرجلهم "، يقول: لأنبتُّ لهم من الأرض من رزقي ما يُغْنيهم.12261 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: " لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم "، قال: بركات السماء والأرض= قال ابن جريج: " لأكلوا من فوقهم "، المطر=" ومن تحت أرجلهم "، من نبات الأرض.12262 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " من فوقهم ومن تحت أرجلهم "، يقول: لأكلوا من الرزق الذي ينزل من السماء=" ومن تحت أرجلهم "، يقول: من الأرض.* * *وكان بعضهم يقول (6) إنما أريد بقوله: " لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم "، التَّوْسِعَة، كما يقول القائل: " هو في خير من قَرْنه إلى قدمه ". (7)وتأويل أهل التأويل بخلاف ما ذكرنا من هذا القول، وكفى بذلك شهيدًا على فساده.* * *القول في تأويل قوله : مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " منهم أمة "، منهم جماعة (8) =" مقتصدة "، يقول: مقتصدة في القول في عيسى ابن مريم، قائلةٌ فيه الحقَّ أنه رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، لا غاليةٌ قائلةٌ: إنه ابن الله، تعالى الله عما قالوا من ذلك، ولا مقصرة قائلةٌ: هو لغير رِشْدَة=" وكثير منهم "، يعني: من بني إسرائيل من أهل الكتابِ اليهودِ والنصارى =" ساء ما يعملون "، يقول: كثير منهم سيئ عملهم، (9) وذلك أنهم يكفرون بالله، فتكذب النصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتزعُم أن المسيحَ ابن الله= وتكذِّب اليهود بعيسى وبمحمد صلى الله عليهما. فقال الله تعالى فيهم ذامًّا لهم: " ساء ما يعملون "، في ذلك من فعلهم.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.ذكر من قال ذلك:12264 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " منهم أمة مقتصدة "، وهم مسلمة أهل الكتاب=" وكثير منهم ساءَ ما يعملون ". (10)12265 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل قال، حدثنا عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهدًا يقول: تفرَّقت بنو إسرائيل فِرَقًا، فقالت فرقة: " عيسى هو ابن الله "، وقالت فرقة: " هو الله "، وقالت فرقة: " هو عبد الله وروحه "، وهي المقتصدة، وهي مسلمةُ أهل الكتاب.12266 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال الله: " منهم أمة مقتصدة "، يقول: على كتابه وأمره. ثم ذمّ أكثر القوم فقال: " وكثير منهم ساء ما يعملون ".12267 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " منهم أمة مقتصدة "، يقول: مؤمنة.12268 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون " قال: المقتصدة، أهلُ طاعة الله. قال: وهؤلاء أهل الكتاب.12269 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله: " منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون "، قال: فهذه الأمة المقتصدة، الذين لا هم جَفَوا في الدين ولا هم غلوا. (11) قال: و " الغلو "، الرغبة [عنه]، و " الفسق "، التقصير عنه. (12)----------------الهوامش:(3) انظر تفسير"الإقامة" فيما سلف من فهارس اللغة (قوم) مثل"إقامة الصلاة".(4) في المطبوعة: "وكل واحد منهما في الخبر الذي فرض العمل به" ، وهي جملة لا معنى لها ، صوابها من المخطوطة.(5) في المطبوعة: "فأنبتت الثمر" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض.(6) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 315.(7) في المطبوعة: "من فرقه إلى قدمه" ، وأثبت ما في المخطوطة ، ومعاني القرآن للفراء و"القرن": حد الرأس وجانبها ، ورأس كل عال قرنه.(8) انظر تفسير"أمة" فيما سلف 7: 106 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(9) انظر تفسير"ساء" فيما سلف 9: 205 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.(10) سقط من الترقيم ، رقم: 12263 سهوًا.(11) في المطبوعة: "الذين لا هم فسقوا في الدين" ، وهي كذلك في الدر المنثور 2: 297 ، والذي في المخطوطة هو ما أثبته ، وهو الصواب إن شاء الله ، وفي الحديث: "وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي" ، وفيه أيضا: "اقرأوا القرآن ولا تجفوا عنه" ، أي تعاهدوه ولا تبعدوا عن تلاوته.(12) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها ، استظهرتها من الأثر السالف رقم: 10853 ، من تفسير الربيع بن أنس أيضا لآية سورة النساء: 171.
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴿67﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)قال أبو جعفر: وهذا أمر من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم، (13) بإبلاغ هؤلاء اليهود والنصارى من أهل الكتابين الذين قصَّ تعالى ذكره قَصَصهم في هذه السورة، وذكر فيها معايبهم وخُبْثَ أديانهم، واجتراءَهم على ربهم، وتوثُّبهم على أنبيائهم، وتبديلَهم كتابه، وتحريفَهم إياه، ورداءةَ مطاعِمهم ومآكلهم= وسائرِ المشركين غيرِهم، (14) ما أنزل عليه فيهم من معايبهم، والإزراء عليهم، والتقصير بهم، والتهجين لهم، وما أمرهم به ونهاهم عنه، وأن لا يُشْعر نفسَه حذرًا منهم أن يُصيبوه في نفسه بمكروهٍ ما قام فيهم بأمر الله، (15) ولا جَزعًا من كثرة عددهم وقلّة عدد من معه، وأن لا يتّقى أحدًا في ذات الله، فإن الله تعالى ذكره كافيه كلَّ أحد من خلقه، ودافعٌ عنه مكروهَ كل من يبغي مكروهه. (16) وأعلمه تعالى ذكره أنه إن قصَّر عن إبلاغ شيء مما أنزل إليه إليهم، فهو في تركه تبليغ ذلك= وإن قلّ ما لم يبلّغ منه= فهو في عظيم ما ركب بذلك من الذَّنب بمنزلته لو لم يبلِّغ من تنزيله شيئًا.* * *وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.ذكر من قال ذلك:12270 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته "، يعني: إن كتمت آية مما أنزل عليك من ربك، لم تبلِّغ رسالاتي. (17)12271 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك "، الآية، أخبر الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم أنه سيكفيه الناس، ويعصمه منهم، وأمره بالبلاغ. ذكر لنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم قيل له: لو احتجبت! فقال: والله لأبديَنَّ عَقِبي للناس ما صاحبتهم. (18)12272 - حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان الثوري، عن رجل، عن مجاهد قال: لما نزلت: " بلغ ما أنزل إليك من ربك "، قال: إنما أنا واحد، كيف أصنع؟ تجَمَّع عليّ الناس! (19) فنزلت: " وإن لم تفعل فما بلغت رسالته "، الآية.12273 - حدثنا هناد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن ثعلبة، عن جعفر، عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس "، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحرسوني، إنّ ربّي قد عَصَمني. (20)12274 - حدثني يعقوب بن إبراهيم وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية، عن الجُريريّ، عن عبد الله بن شقيق: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتقِبه ناسٌ من أصحابه، فلما نزلت: " والله يعصمك من الناس "، خرج فقال: يا أيها الناس، الحقوا بملاحِقِكم، فإنّ الله قد عصمني من الناس. (21)12275 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن عاصم بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحارسه أصحابه، فأنزل الله تعالى ذكره: " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته "، إلى آخرها.12276 - حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا الحارث بن عبيدة أبو قدامة الإيادي قال، حدثنا سعيد الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحْرَس، حتى نزلت هذه الآية: " والله يعصمك من الناس "، قالت: فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من القُبَّة فقال:أيها الناس، انصرفوا، فقد عصمني الله. (22)12277 - حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن القرظيّ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يُحْرَس، حتى أنزل الله: " والله يعصمك من الناس ".* * *واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية.فقال بعضهم: نزلت بسبب أعرابيّ كان همَّ بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكفاه الله إياه.ذكر من قال ذلك:12278 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي وغيره قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلا اختار له أصحابه شجرة ظليلة، فيَقِيل تحتها. فأتاه أعرابي فاخترط سيفه ثم قال (23) من يمنعك مني؟ قال: الله! فرُعِدت يد الأعرابيّ وسقط السيف منه، (24) قال: وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دُماغه، فأنزل الله: " والله يعصمك من الناس ". (25)* * *وقال آخرون: بل نزلت لأنه كان يخاف قريشًا، فأومن من ذلك.ذكر من قال ذلك:12279 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يهاب قريشًا، فلما نزلت: " والله يعصمك من الناس "، استلقى ثم قال:من شاء فليخذلني= مرتين أو ثلاثًا.12280 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن ابن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق قال، قالت عائشة: من حدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من الوحي فقد كذب! ثم قرأت: " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك "، الآية. (26)12281 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن المغيرة، عن الشعبي قال، قالت عائشة: من قال إن محمدًا صلى الله عليه وسلم كتم، فقد كذبَ وأعظم الفرية على الله! قال الله تعالى ذكره: " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك " الآية.12282 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق قال، قالت عائشة: من زعم أنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من كتاب الله، فقد أعظم على الله الفرية! والله يقول: " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك "، الآية. (27)12283 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن الجهم، عن مسروق بن الأجدع قال: دخلت على عائشة يومًا فسمعتها تقول: لقد أعظمَ الفرية من قال إنّ محمدًا كتم شيئًا من الوحي! والله يقول: " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ". (28)* * *ويعني بقوله: " والله يعصمك من الناس "، يمنعك من أن ينالوك بسوء. وأصله من " عِصَام القربة "، وهو ما تُوكىَ به من سير وخيط، (29)ومنه قول الشاعر: (30)وَقُلْتُ: عَلَيْكُمْ مَالِكًا, إنَّ مَالِكًاسَيَعْصِمُكُمُ, إنْ كَانَ فِي النَّاسِ عَاصِمُ (31)يعني: يمنعكم.* * *وأما قوله: " إن الله لا يهدي القوم الكافرين "، فإنه يعني: إن الله لا يوفِّق للرُّشْد من حاد عن سبيل الحق، وجار عن قصد السبيل، وجحد ما جئته به من عند الله، ولم ينته إلى أمر الله وطاعته فيما فرض عليه وأوجبه. (32)-----------------الهوامش :(13) في المطبوعة: "لنبيه محمد" ، غير ما في المخطوطة على غير طائل.(14) قوله: "وسائر المشركين" مجرور معطوف على قوله: "بإبلاغ هؤلاء اليهود والنصارى ..." ومفعول قوله: "بإبلاغ هؤلاء ..." هو: "ما أنزل عليه فيهم".(15) في المطبوعة: "أن يصيبه في نفسه مكروه" ، غير ما في المخطوطة على غير طائل.(16) في المطبوعة والمخطوطة: "كل من يتقي مكروهه" ، وهو فاسد جدًا ، صوابه ما أثبت.(17) في المطبوعة: "رسالتي" ، غير ما في المخطوطة.(18) قوله: "احتجبت" ، أي: احتجبت عن الناس حتى لا يدرك منه من يبغيه الغوائل. و"العقب" هنا"عقب القدم" ، وهي مؤخرها ، وهي مؤنثة. يعني بذلك: لأظهرن لهم سائرًا بينهم لا أحتجب. وكل من خرج إلى الناس ، فقد بدا لهم عقبه ، وهو يسير بينهم. وهذه كناية حسنة. وقوله: "ما صاحبتهم" ، للتأييد ، كأنه قال: "ما عشت".(19) في المطبوعة: "تجتمع على الناس" ، وأثبت ما في المخطوطة. ومعنى قوله: "تجمع على الناس" ، أي: تألبوا عليه وعادوه من جراء دعوته إلى دين الله. وهذا تعجب.(20) الأثر: 12273-"جرير" ، هو"جرير بن عبد الحميد الضبي" ، مضى مرارًا كثيره.و"ثعلبة" هو"ثعلبة بن سهيل التميمي الطهوي" ، كان متطببًا ، ثقة ، لا بأس به ، مترجم في التهذيب.و"جعفر" هو"جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي" ، مضى برقم: 87 ، 617 ، 4347 ، 7269.وهذا خبر مرسل. انظر تفسير ابن كثير 3: 196.(21) الأثر: 12274-"الجريري" ، هو"سعيد بن إياس الجريري" ، مضى برقم: 196.و"عبد الله بن شقيق العقيلي" ، تابعي ثقة ، مضى برقم: 196 ، وهذا الخبر مرسل أيضًا ، وسيأتي موصولا برقم: 12276وقوله: "يعتقبه ناس من أصحابه": أي يتناوبون حراسته ويتداولونها ، من"العقبة" وهي النوبة ، يقال: "جاءت عقبة فلان" ، أي نوبته.وقوله: "ألحقوا بملاحقكم" ، يأمرهم أن يوافوا أماكنهم التي يرجعون إليها إذا آبوا. ولم أجد هذا التعبير في غير هذا الخبر ، ولا قيده أصحاب غريب الحديث. و"الملاحق" جمع"ملحق" (بفتح الميم وسكون اللام وفتح الحاء): أي الموضع الذي ينزلونه عند مرجعهم.(22) الأثر: 12276-"الحارث بن عبيد الإيادي" ، "أبو قدامة" ، قال أحمد: "مضطرب الحديث" ، وقال ابن معين: "ضعيف" ، وقال أبو حاتم: "ليس بالقوي ، يكتب حديثه ولا يحتج به". وقال ابن حبان: "كان ممن كثر وهمه ، حتى خرج عن جملة من يحتج به إذا انفرد". مترجم في التهذيب. والكبير 1/ 2/ 273.وهذا الخبر رواه الترمذي في كتاب التفسير وقال: "هذا حديث غريب ، وروى بعضهم هذا الحديث عن الجريري ، عن عبد الله بن شقيق ، ولم يذكر فيه عائشة".ورواه الحاكم في المستدرك 2: 313 ، من هذه الطريق نفسها ثم قال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.وكان في المطبوعة: "فإن الله قد عصمني" ، خالف نص المخطوطة لغير شيء. وما في المخطوطة هو المطابق لروايته في الترمذي والمستدرك.(23) "اخترط السيف": سله من غمده.(24) هكذا جاءت الرواية"فرعدت يد الأعرابي" بالبناء للمجهول ، ولم أجد من"الرعدة" ثلاثيًا"رعد" بالبناء للمجهول ، بل الذي رووه وأطبقوا عليه"أرعد" (بالبناء للمجهول). فإن صح هذا الخبر ، فالثلاثي المبني للمجهول مما يزاد على مادة اللغة.(25) الأثر: 12278- انظر خبر هذا الأعرابي فيما سلف رقم: 11565 ، والتعليق عليه هناك ، وليس فيه أنه ضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه.(26) الأثر: 12280-"ابن أبي خالد" ، هو: "إسمعيل بن أبي خالد الأحمسي". وكان في المخطوطة والمطبوعة: "عن أبي خالد" ، وهو خطأ لا شك فيه ، فإن البخاري رواه من طريق وكيع ، عن إسمعيل بن أبي خالد ، عن عامر ، عن مسروق ، مطولا (الفتح 8: 466) ، وليس فيمن روى عنه وكيع هذا الخبر من يسمى"أبا خالد".وهذا الخبر رواه أبو جعفر من أربع طرق ، سيأتي تخريجها بعد.(27) الأثر: 12282- رواه مسلم مطولا في صحيحه ، من طريق إسماعيل بن علية ، عن داود.وهذه الأخبار الثلاثة السالفة ، خبر واحد بأسانيد ثلاثة. رواه البخاري (الفتح 8: 206) من طريق سفيان ، عن إسمعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن مسروق. ثم رواه من هذه الطريق ، ومن طريق أبي عامر العقدي ، عن شعبة ، عن إسمعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي (الفتح 13: 422) ، مختصرا.(28) الأثر: 12283-"الليث" هو"الليث بن سعد" الإمام.و"خالد" ، هو: "خالد بن يزيد الجمحي المصري" ، الفقيه المفتي ، ثقة ، مضى برقم: 3965 ، 5465 ، 9185 ، 9507.و"سعيد بن أبي هلال الليثي المصري" ، ثقة. مضى برقم: 1495 ، 3965 ، 5465.(29) انظر تفسير"عصم" و"عصام" فيما سلف 7: 62 ، 63 ، 70/9: 341.(30) لم أعرف قائله.(31) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 171. و"عليك" اسم فعل للإغراء ، يقال: "عليك زيدًا" و"عليك بزيد".(32) انظر تفسير"هدى" فيما سلف من فهارس اللغة.
قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴿68﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْقال أبو جعفر: وهذا أمرٌ من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بإبلاغ اليهود والنصارى الذين كانوا بين ظهرانَيْ مُهاجَره. يقول تعالى ذكره له: " قل "، يا محمد، لهؤلاء اليهود والنصارى=" يا أهل الكتاب "، التوراة والإنجيل=" لستم على شيء "، مما تدَّعون أنكم عليه مما جاءكم به موسى صلى الله عليه وسلم، معشرَ اليهود، ولا مما جاءكم به عيسى، معشرَ النصارى=" حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم "، مما جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم من الفرقان، فتعملوا بذلك كله، وتؤمنوا بما فيه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه، وتقرُّوا بأن كل ذلك من عند الله، فلا تكذِّبوا بشيء منه، ولا تفرِّقوا بين رسل الله فتؤمنوا ببعض وتكفروا ببعض، فإن الكفر بواحد من ذلك كفر بجميعه، لأنّ كتب الله يصدِّق بعضها بعضًا، فمن كذَّب ببعضها فقد كذَّب بجميعها.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثر.12284 - حدثنا هناد بن السري وأبو كريب قالا حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رافعُ بن حارثة وسَلام بن مِشْكم، (33) ومالك بن الصيف، ورافع بن حريملة، (34) فقالوا: يا محمد، ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله حق؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخِذَ عليكم من الميثاق، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبيِّنوه للناس، وأنا بريء من أحداثكم! قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا، فإنا على الحق والهدى، ولا نؤمن بك، ولا نتبعك! فأنزل الله تعالى ذكره: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) إلى: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . (35)12285 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم "، قال: فقد صرنا من أهل الكتاب=" التوراة "، لليهود، و " الإنجيل "، للنصارى،" وما أنزل إليكم من ربكم "، وما أنزل إلينا من ربنا= أي: " لستم على شيء حتى تقيموا "، حتى تعملوا بما فيه.* * *القول في تأويل قوله : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وليزيدن كثيًرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا "، وأقسم: ليزيدن كثيرًا من هؤلاء اليهود والنصارى الذين قص قصصهم في هذه الآيات، الكتابُ الذي أنزلته إليك، يا محمد (36) =" طغيانًا "، يقول: تجاوزًا وغلوًّا في التكذيب لك، على ما كانوا عليه لك من ذلك قبل نزول الفرقان=" وكفرًا " يقول: وجحودًا لنبوتك. (37)وقد أتينا على البيان عن معنى " الطغيان "، فيما مضى قبل. (38)* * *وأما قوله: " فلا تأس على القوم الكافرين "، يعني بقوله: (39) " فلا تأس "، فلا تحزن.* * *يقال: " أسِيَ فلان على كذا "، إذا حزن " يأسَى أسىً"،، ومنه قول الراجز: (40)وَانْحَلَبَتْ عَيْنَاهُ مِنْ فَرْطِ الأَسَى (41)* * *يقول تعالى ذكره لنبيه: لا تحزن، يا محمد، على تكذيب هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى من بني إسرائيل لك، فإن مثلَ ذلك منهم عادة وخلق في أنبيائهم، فكيف فيك؟* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:12286 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " وليزيدن كثيًرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا "، قال: الفرقان= يقول: فلا تحزن.12287 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " فلا تأس على القوم الكافرين "، قال: لا تحزن.---------------الهوامش :(33) في المطبوعة والمخطوطة: "سلام بن مسكين" ، ولم أجد هذا الاسم فيمن كان من يهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمعروف هو ما أثبته وهو الموجود في هذا الخبر في سيرة ابن هشام.(34) في المطبوعة: "... بن حرملة" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لما في سيرة ابن هشام.(35) الأثر: 12284- سيرة ابن هشام 2: 217 ، وهو تابع الآثار التي مضت رقم: 2101 ، 2102 ، 12219.(36) "الكتاب" فاعل قوله: "ليزيدن كثيرًا من هؤلاء اليهود...".(37) انظر تفسير"الكفر" فيما سلف من فهارس اللغة.(38) انظر تفسير"الطغيان" فيما سلف ص: 457 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(39) في المطبوعة: "يعبي يقول" ، والصواب من المخطوطة.(40) هو العجاج.(41) ديوانه: 31 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 171 ، والكامل 1: 352 ، واللسان (حلب) (كرس) ، وهو من رجزه المشهور ، مضى أوله في هذا التفسير 1: 509 ، يقول:يَا صَاحِ، هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا?قَالَ: نَعَمْ! أَعْرِفُهُ! وَأَبْلَسَاوَانْحَلَبَتْ عَيْنَاهُ مِنْ فَرْطِ الأَسَىومضى شرح البيتين الأولين. و"انحلبت عيناه" و"تحلبتا": سال دمعهما وتتابع. وكان في المطبوعة: "وأنحلت" ، خالف ما في المخطوطة ، لأنها غير منقوطة ، فأتى بما لا يعرف. فجاء بعض من كتب على هذا البيت وصححه فكتب"وأبخلت" وقال: "معنى: أبخلت: وجدتا بخيلتين بالدمع لغلبة الحزن عليه ، أي أنه من شدة حزنه لم يبك ، وإنما جمدت عيناه" ، فأساء من وجوه: ترك مراجعة الشعر ومعرفته ، واجتهد في غير طائل ، وأتى بكلام سخيف جدًا! والله المستعان.
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًۭا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿69﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين صدّقوا الله ورسوله، وهم أهل الإسلام=" والذين هادوا "، وهم اليهود (42) = " والصابئون "، وقد بينا أمرهم (43) =" والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر "، فصدّق بالبعث بعد الممات=" وعمل "، من العمل=" صالحًا " لمعاده " فلا خوف عليهم "، فيما قَدِموا عليه من أهوال القيامة=" ولا هم يحزنون "، على ما خلَّفوا وراءهم من الدنيا وعيشها، بعد معاينتهم ما أكرمهم الله به من جزيل ثوابه. (44)* * *وقد بينا وجه الإعراب فيه فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته. (45)-----------------الهوامش :(42) انظر تفسير"هاد" فيما سلف ص: 341 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(43) انظر تفسير"الصابئون" فيما سلف 2: 145- 147.(44) انظر تفسير"عمل صالحًا" فيما سلف 2: 148 (وفهارس اللغة).= وتفسير"اليوم الآخر" ، فيما سلف من فهارس اللغة (أخر).= وتفسير"لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" فيما سلف 2: 150 ، وسائر فهارس اللغة.(45) انظر ما سلف 3: 352- 354/ ثم انظر الموضع الذي أشار إليه 9: 395- 399. ثم انظر أيضًا معاني القرآن للفراء 1: 105- 108 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 172 ، ومشكل القرآن لابن قتيبة: 36- 39.
لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلًۭا ۖ كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًۭا كَذَّبُوا۟ وَفَرِيقًۭا يَقْتُلُونَ ﴿70﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أقسم: لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل على الإخلاص في توحيدنا، (46) والعمل بما أمرناهم به، والانتهاء عما نهيناهم عنه= وأرسلنا إليهم بذلك رسلا ووعدناهم على ألسن رسلنا إليهم على العمل بطاعتنا الجزيلَ من الثواب، وأوعدناهم على العمل بمعصيتنا الشديدَ من العقاب= كلما جاءهم رسول لنا بما لا تشتهيه نفوسهم ولا يوافق محبَّتهم، كذّبوا منهم فريقًا، ويقتلون منهم فريقًا، نقضًا لميثاقنا الذي أخذناه عليهم، وجرأة علينا وعلى خلاف أمرنا. (47)---------------الهوامش:(46) في المطبوعة: "وتوحيدنا" ، وفي المخطوطة: "الإخلاص توحيدنا" ، وكأن الصواب ما أثبت.(47) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة. وعند هذا الموضع ، انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه مخطوطتنا ، وفيها ما نصه:"يتلوهُ: القول في تأويل قوله: وَحَسِبُوا أَلا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم كثيرًا".
وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴿71﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : وَحَسِبُوا أَلا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71)قال أبو جعفر: يقول تعالى: وظن هؤلاء الإسرائيليون (1) = الذين وصف تعالى ذكره صفتهم: أنه أخذ ميثاقهم: وأنه أرسل إليهم رسلا وأنهم كانوا كلما جاءهم رسولٌ بما لا تهوى أنفسهم كذّبوا فريقًا وقتلوا فريقًا= أن لا يكون من الله لهم ابتلاء واختبارٌ بالشدائد من العقوبات بما كانوا يفعلون (2)=" فعموا وصموا "، يقول: فعموا عن الحق والوفاء بالميثاق الذي أخذته عليهم، من إخلاص عبادتي، والانتهاء إلى أمري ونهيي، والعمل بطاعتي، بحسبانهم ذلك وظنهم =" وصموا " عنه = ثم تبت عليهم. يقول: ثم هديتهم بلطف مني لهم حتى أنابوا ورجعوا عما كانوا عليه من معاصيَّ وخلاف أمري والعمل بما أكرهه منهم، إلى العمل بما أحبه، والانتهاء إلى طاعتي وأمري ونهيي =" ثم عموا وصموا كثير منهم "، (3) يقول: ثم عموا أيضًا عن الحق والوفاء بميثاقي الذي أخذته عليهم: من العمل بطاعتي، والانتهاء إلى أمري، واجتناب معاصيَّ =" وصموا كثير منهم "، يقول: عمى كثير من هؤلاء الذين كنت أخذت ميثاقهم من بني إسرائيل، باتباع رسلي والعمل بما أنزلت إليهم من كتبي (4) = عن الحق وصموا، بعد توبتي عليهم، واستنقاذي إياهم من الهلكة =" والله بصير بما يعملون "، يقول " بصير "، فيرى أعمالهم خيرَها وشرَّها، فيجازيهم يوم القيامة بجميعها، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا. (5)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.ذكر من قال ذلك:12288 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وحسبوا ألا تكون فتنة "، الآية، يقول: حسب القوم أن لا يكون بلاءٌ =" فعموا وصموا "، كلما عرض بلاء ابتلوا به، هلكوا فيه.12289 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا "، يقول: حسبوا أن لا يبتلوا، فعموا عن الحق وصمُّوا.12290 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن مبارك، عن الحسن: " وحسبوا ألا تكون فتنة "، قال: بلاء.12291 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " وحسبوا ألا تكون فتنة "، قال: الشرك.12292 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا "، قال: اليهود.12293 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " فعموا وصموا "، قال: يهود= قال ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قال: هذه الآية لبني إسرائيل. قال: و " الفتنة "، البلاء والتَّمحيص.* * *
لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ ﴿72﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72)قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن بعض ما فَتَن به الإسرائيلين الذين أخبر عنهم أنهم حسبوا أن لا تكون فتنة. يقول تعالى ذكره: فكان مما ابتليتهم واختبرتهم به، فنقضوا فيه ميثاقي، وغيَّروا عهدي الذي كنت أخذته عليهم بأن لا يعبدوا سواي، ولا يتخذوا ربًّا غيري، وأن يوحِّدوني، وينتهوا إلى طاعتي= عبدي عيسى ابن مريم، فإني خلقته، وأجريت على يده نحوَ الذي أجريت على يد كثير من رسلي، فقالوا كفرًا منهم: " هو الله ". (6)وهذا قول اليعقوبيّة من النصارى عليهم غضب الله.يقول الله تعالى ذكره: فلما اختبرتهم وابتليتهم بما ابتليتهم به، أشركوا بي، وقالوا لخلق من خلقي، وعبدٍ مثلهم من عبيدي، وبشر نحوهم معروفٍ نسبه وأصله، مولود من البشر، يدعوهم إلى توحيدي، ويأمرهم بعبادتي وطاعتي، ويقرّ لهم بأني ربه وربهم، وينهاهم عن أن يشركوا بي شيئًا: " هو إلههم "، جهلا منهم بالله وكفرًا به، ولا ينبغي لله أن يكون والدًا ولا مولودًا.ويعني بقوله: " وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم "، يقول: اجعلوا العبادة والتذلل للذي له يَذِلّ كل شيء، وله يخضع كل موجود (7) =" ربي وربكم "، يقول: مالكي ومالككم، وسيدي وسيدكم، الذي خلقني وإياكم (8) =" إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة "، أن يسكنها في الآخرة=" ومأواه النار "، يقول: ومرجعه ومكانه- الذي يأوي إليه ويصير في معاده، من جعل لله شريكًا في عبادته- نارُ جهنم (9) =" وما للظالمين "، يقول: وليس لمن فعل غير ما أباح الله له، وعبد غير الذي له عبادة الخلق (10) =" من أنصار "، ينصرونه يوم القيامة من الله، فينقذونه منه إذا أورده جهنم. (11)----------------الهوامش :(1) انظر تفسير"حسب" فيما سلف 7: 384 ، 421.(2) انظر تفسير"الفتنة" فيما سلف ص: 392 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(3) انظر تفسير"العمى" و"الصمم" ، فيما سلف 1: 328- 331/3: 315.(4) انظر القول في رفع"كثير" في معاني القرآن للفراء 1: 316 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 174.(5) انظر تفسير"بصير" فيما سلف من فهارس اللغة.(6) انظر تفسير"المسيح" فيما سلف 10: 146 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.(7) انظر تفسير"العبادة" فيما سلف من فهارس اللغة (عبد).(8) انظر تفسير"الرب" فيما سلف 1: 142 ، ثم فهارس اللغة فيما سلف.(9) انظر تفسير"المأوى" فيما سلف 9: 225 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.(10) انظر تفسير"الظلم" فيما سلف من فهارس اللغة.(11) انظر تفسير"الأنصار" فيما سلف 9: 339 ، تعليق 3 ، والمراجع هناك.
لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٍۢ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا۟ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿73﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)قال أبو جعفر: وهذا أيضًا خبر من الله تعالى ذكره عن فريق آخر من الإسرائيليين الذين وصف صفتهم في الآيات قبل: أنه لما ابتلاهم بعد حِسْبَانهم أنهم لا يُبتلون ولا يفتنون، قالوا كفرًا بربهم وشركًا: " الله ثالث ثلاثة ".* * *وهذا قولٌ كان عليه جماهير النصارى قبل افتراق اليعقوبية والملكية والنَّسطورية. (12) كانوا فيما بلغنا يقولون: " الإله القديم جوهر واحد يعم ثلاثة أقانيم: أبًا والدًا غير مولود، وابنًا مولودًا غير والد، وزوجًا متتبَّعة بينهما ".* * *يقول الله تعالى ذكره، مكذّبًا لهم فيما قالوا من ذلك: " وما من إله إلا إله واحد "، يقول: ما لكم معبود، أيها الناس، إلا معبود واحد، وهو الذي ليس بوالد لشيء ولا مولود، بل هو خالق كل والد ومولود=" وإن لم ينتهوا عما يقولون "، يقول: إن لم ينتهوا قائلو هذه المقالة عما يقولون من قولهم: " الله ثالث ثلاثة " (13) =" ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم "، يقول: ليمسن الذين يقولون هذه المقالة، والذين يقولون المقالة الأخرى: هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ، لأن الفريقين كلاهما كفرة مشركون، فلذلك رجع في الوعيد بالعذاب إلى العموم، (14) ولم يقل: " ليمسنَّهم عذابٌ أليم "، لأن ذلك لو قيل كذلك، صار الوعيد من الله تعالى ذكره خاصًّا لقائل القول الثاني، وهم القائلون: " الله ثالث ثلاثة "، ولم يدخل فيهم القائلون: " المسيح هو الله ". فعمّ بالوعيد تعالى ذكره كلَّ كافر، ليعلم المخاطبون بهذه الآيات أنّ وعيد الله قد شمل كلا الفريقين من بني إسرائيل، ومن كان من الكفار على مثل الذي هم عليه.* * *فإن قال قائل: وإن كان الأمر على ما وصفت، فعلى مَنْ عادت " الهاء والميم " اللتان في قوله: " منهم "؟قيل: على بني إسرائيل.* * *فتأويل الكلام، إذْ كان الأمر على ما وصفنا: وإن لم ينته هؤلاء الإسرائيليون عما يقولون في الله من عظيم القول، ليمسنَّ الذين يقولون منهم: " إن المسيح هو الله "، والذين يقولون: " إن الله ثالث ثلاثة "، وكل كافر سلك سبيلهم= عذابٌ أليم، بكفرهم بالله. (15)* * *وقد قال جماعة من أهل التأويل بنحو قولنا، في أنه عنى بهذه الآيات النصارى.ذكر من قال ذلك:12294 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " لقد كفر الذين قالوا: إنّ الله ثالث ثلاثة "، قال: قالت النصارى: " هو والمسيح وأمه "، فذلك قول الله تعالى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [سورة المائدة: 116].12295 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال مجاهد: " لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة "، نحوه.--------------الهوامش :(12) في المطبوعة: "والملكانية" ، وأثبت ما في المخطوطة.(13) انظر تفسير"انتهى" فيما سلف 3 : 569/ 6 : 14.(14) انظر تفسير"مس" فيما سلف 7: 414 ، تعليق: 5 ، والمراجع هناك.(15) انظر تفسير"عذاب أليم" فيما سلف من فهارس اللغة (ألم).
أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿74﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أفلا يرجع هذان الفريقان الكافران (16) = القائل أحدهما: " إن الله هو المسيح ابن مريم "، والآخر القائل: " إن الله ثالث ثلاثة " = عما قالا من ذلك، ويتوبان مما قالا ونطقا به من كفرهما، (17) ويسألان ربهما المغفرة مما قالا =" والله غفور "، لذنوب التائبين من خلقه، المنيبين إلى طاعته بعد معصيتهم=" رحيم " بهم، في قبوله توبتَهم ومراجعتهم إلى ما يحبّ مما يكره، فيصفح بذلك من فعلهم عما سلَف من أجرامهم قبل ذلك. (18)---------------الهوامش :(16) انظر تفسير"التوبة" فيما سلف من فهارس اللغة (توب).(17) في المطبوعة: "وقطعا به من كفرهما" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب.(18) انظر تفسير"استغفر" و"غفور" فيما سلف من فهارس اللغة (غفر) = وتفسير"رحيم" فيما سلف من فهارس اللغة (رحم).
مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌۭ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْءَايَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴿75﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَقال أبو جعفر: وهذا [خَبَرٌ] من الله تعالى ذكره، (19) احتجاجًا لنبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم على فِرَق النصارى في قولهم في المسيح.يقول= مكذِّبًا لليعقوبية في قِيلهم: " هو الله " والآخرين في قيلهم: " هو ابن الله " =: ليس القول كما قال هؤلاء الكفرة في المسيح، ولكنه ابن مريم ولدته ولادةَ الأمهات أبناءَهن، وذلك من صفة البشر لا من صفة خالق البشر، وإنما هو لله رسولٌ كسائر رسله الذين كانوا قبلَه فمضوا وخَلَوْا، أجرى على يده ما شاء أن يجريه عليها من الآيات والعِبر، حجةً له على صدقه، وعلى أنه لله رسول إلى من أرسله إليه من خلقه، كما أجرى على أيدي من قبله من الرسل من الآيات والعِبر، حجةً لهم على حقيقةِ صدقهم في أنهم لله رسلٌ (20) =" وأمه صِدّيقة "، يقول تعالى ذكره وأمّ المسيح صِدِّيقةٌ.* * *و " الصِدِّيقة "" الفِعِّيلة "، من " الصدق "، وكذلك قولهم: " فلان صِدِّيق "،" فِعِّيل " من " الصدق "، ومنه قوله تعالى ذكره: وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ . [سورة النساء: 69]. (21)وقد قيل إن " أبا بكر الصدّيق " رضي الله عنه إنما قيل له: " الصّدّيق " لصدقه.وقد قيل: إنما سمي" صديقًا "، لتصديقه النبي صلى الله عليه وسلم في مسيره في ليلة واحدةٍ إلى بيت المقدس من مكة، وعودِه إليها.* * *وقوله: " كانا يأكلان الطعام "، خبٌر من الله تعالى ذكره عن المسيح وأمّه: أنهما كانا أهل حاجةٍ إلى ما يَغْذُوهما وتقوم به أبدانهما من المطاعم والمشارب كسائر البشر من بني آدم، فإنّ من كان كذلك، فغيرُ كائنٍ إلهًا، لأن المحتاج إلى الغذاء قِوَامه بغيره. وفي قوامه بغيره وحاجته إلى ما يقيمه، دليلٌ واضحٌ على عجزه. والعاجز لا يكون إلا مربوبًا لا ربًّا.* * *القول في تأويل قوله : انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: انظر يا محمد، كيف نبين لهؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى=" الآيات "، وهي الأدلَّةُ، والأعلام والحُجج على بُطُول ما يقولون في أنبياء الله، (22) وفي فريتهم على الله، وادِّعائهم له ولدًا، وشهادتهم لبعض خلقه بأنه لهم ربٌّ وإله، ثم لا يرتدعون عن كذبهم وباطل قِيلهم، ولا ينزجرون عن فريتهم على ربِّهم وعظيم جهلهم، مع ورود الحجج القاطعة عذرَهم عليهم. يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم: " ثم انظر "، يا محمد=" أنَّى يؤفكون "، يقول: ثم انظر، مع تبييننا لهم آياتنا على بُطول قولهم، أيَّ وجه يُصرَفون عن بياننا الذي نبيِّنه لهم؟ (23) وكيف عن الهدى الذي نهديهم إليه من الحق يضلُّون؟* * *والعرب تقول لكل مصروف عن شيء: " هو مأفوك عنه ". يقال: " قد أفَكت فلانًا عن كذا "، أي: صرفته عنه،" فأنا آفِكه أفْكًا، وهو مأفوك ". و " قد أُفِكت الأرض "، إذا صرف عنها المطر. (24)-------------الهوامش :(19) الزيادة بين القوسين لا بد منها حتى يستقيم الكلام.(20) انظر تفسير"المسيح" فيما سلف ص: 480 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(21) انظر تفسير"الصديق" فيما سلف 8: 530- 532.(22) انظر تفسير"الآيات" فيما سلف (أيي).(23) المطبوعة: "بينته لهم" ، والصواب من المخطوطة ، وهي غير منقوطة.(24) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 174 ، 175.
قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا ۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴿76﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76)قال أبو جعفر: وهذا أيضًا احتجاجٌ من الله تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم على النصارى القائلين في المسيح ما وصف من قِيلهم فيه قبلُ.يقول تعالى ذكره لمحمد صلى الله عليه وسلم: " قل "، يا محمد، لهؤلاء الكفرة من النصارى، الزاعمين أن المسيح ربهم، والقائلين إن الله ثالث ثلاثة= أتعبدون سوى الله الذي يملك ضركم ونفعكم، وهو الذي خلقكم ورزقكم، وهو يحييكم ويميتكم= شيئًا لا يملك لكم ضرًّا ولا نفعًا؟ يخبرهم تعالى ذكره أن المسيح الذي زعم من زعم من النصارى أنه إله، والذي زعم من زعم منهم أنه لله ابنٌ، لا يملك لهم ضرًّا يدفعه عنهم إن أحلَّه الله بهم، ولا نفعًا يجلبه إليهم إن لم يقضه الله لهم. يقول تعالى ذكره: فكيف يكون ربًّا وإلهًا من كانت هذه صفته؟ بل الربُّ المعبودُ: الذي بيده كل شيء، والقادر على كل شيء. فإياه فاعبدوا وأخلصوا له العبادة، دون غيره من العجزة الذين لا ينفعونكم ولا يضرون.* * *وأما قوله: " والله هو السميع العليم " فإنه يعني تعالى ذكره بذلك: " والله هو السميع "، لاستغفارهم لو استغفروه من قِيلهم ما أخبر عنهم أنهم يقولونه في المسيح، ولغير ذلك من منطقهم ومنطق خلقه=" العليم "، بتوبتهم لو تابوا منه، وبغير ذلك من أمورهم. (25)* * *---------------الهوامش:(25) انظر تفسير"سميع" و"عليم" فيما سلف من فهارس اللغة.
قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓا۟ أَهْوَآءَ قَوْمٍۢ قَدْ ضَلُّوا۟ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا۟ كَثِيرًۭا وَضَلُّوا۟ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ﴿77﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)قال أبو جعفر: وهذا خطابٌ من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم. يقول تعالى ذكره: " قل "، يا محمد، لهؤلاء الغالية من النصارى في المسيح=" يا أهل الكتاب "، يعني ب" الكتاب "، الإنجيل=" لا تغلوا في دينكم "، يقول: لا تفرِطوا في القول فيما تدينون به من أمر المسيح، فتجاوزوا فيه الحقَّ إلى الباطل، (1) فتقولوا فيه: " هو الله "، أو: " هو ابنه "، ولكن قولوا: " هو عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه "=" ولا تتبعوا أهواءَ قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا "، يقول: ولا تتبعوا أيضًا في المسيح أهواء اليهود الذين قد ضلوا قبلكم عن سبيل الهدى في القول فيه، فتقولون فيه كما قالوا: " هو لغير رَشْدة "، وتبهتوا أمَّه كما بَهَتُوها بالفرية وهي صدِّيقة = (2) " وأضلوا كثيرًا "، يقول تعالى ذكره: وأضل هؤلاء اليهود كثيرًا من الناس، فحادوا بهم عن طريق الحق، وحملوهم على الكفر بالله والتكذيب بالمسيح=" وضلوا عن سواء السبيل "، يقول: وضلَّ هؤلاء اليهود عن قصد الطريق، وركبوا غير محجَّة الحق. (3)وإنما يعني تعالى ذكره بذلك، كفرَهم بالله، وتكذيبَهم رسله: عيسى ومحمدًا صلى الله عليه وسلم، وذهابَهم عن الإيمان وبعدَهم منه. وذلك كان ضلالهم الذي وصفهم الله به.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.ذكر من قال ذلك:12296 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " وضلوا عن سواء السبيل "، قال: يهود.12297 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " لا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا "، فهم أولئك الذين ضلُّوا وأضلوا أتباعهم=" وضلوا عن سواء السبيل "، عن عَدْل السبيل.---------------الهوامش :(1) انظر تفسير"غلا" فيما سلف 9: 415- 417.(2) المطبوعة: "كما يبهتونها" ، وأثبت ما في المخطوطة.(3) انظر تفسير"الضلال" فيما سلف من فهارس اللغة.= وتفسير"سواء السبيل" فيما سلف ص: 443 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ ﴿78﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، قل لهؤلاء النصارى الذين وصفَ تعالى ذكره صفتهم: لا تغلوا فتقولوا في المسيح غير الحق، ولا تقولوا فيه ما قالت اليهود الذين قد لعنهم الله على لسان أنبيائه ورسله، داود وعيسى ابن مريم. (4)* * *وكان لعن الله إياهم على ألسنتهم، كالذي:-12298 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم " قال: لعنوا بكل لسان: لعنوا على عهد موسى في التوراة، ولعنوا على عهد داود في الزبور، ولعنوا على عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على عهد محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن.12299 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم "، يقول: لعنوا في الإنجيل على لسان عيسى ابن مريم، ولعنوا في الزبور على لسان داود.12300 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل، عن أبيه، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم "، قال: خالطوهم بعد النهي في تجاراتهم، فضرب الله قلوبَ بعضهم ببعض، فهم ملعونون على لسان داود وعيسى ابن مريم.12301 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن حصين، عن مجاهد: " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم "، قال: لعنوا على لسان داود فصاروا قردة، ولُعنوا على لسان عيسى فصاروا خنازيرَ.12302 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس، قوله: " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل "، بكل لسان لُعِنوا: على عهد موسى في التوراة، وعلى عهد داود في الزبور، وعلى عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن= قال ابن جريج: وقال آخرون: " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود "، على عهده، فلعنوا بدعوته. قال: مرَّ داود على نفر منهم وهم في بيت فقال: من في البيت؟ قالوا: خنازير. قال: " اللهم اجعلهم خنازير!" فكانوا خنازير. قال: ثم أصابتهم لعنته، ودعا عليهم عيسى فقال: " اللهم العن من افترى عليّ وعلى أمي، واجعلهم قردة خاسئين "!12303 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل " الآية، لعنهم الله على لسان داود في زمانه، فجعلهم قردة خاسئين= وفي الإنجيل على لسان عيسى، فجعلهم خنازير.12304 - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا أبو محصن حصين بن نمير، عن حصين= يعني: ابن عبد الرحمن=، عن أبي مالك قال: " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود "، قال: مسخوا على لسان داود قردة، وعلى لسان عيسى خنازير. (5)12305 - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن أبي مالك، مثله.12306 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعذيرًا، (6) فإذا كان من الغدِ لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وخليطه وشَرِيبَه. (7) فلما رأى ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم=" ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون "، قال: والذي نفسي بيده، لتأمُرنَّ بالمعروف، ولتنهَوُنَّ عن المنكر، ولتأخُذُنَّ على يدي المسيء، ولتُؤَطِّرُنَّه على الحقّ أطْرًا، (8) أو ليضربنَّ الله قلوب بعضكم على بعض، وليلعنَّنكم كما لعنهم. (9)12307 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم بن بشير بن سَلمان قال، حدثنا عمرو بن قيس الملائي، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لما فشا المنكر في بني إسرائيل، جعل الرجل يلقَى الرجل فيقول: يا هذا، اتق الله! ثم لا يمنعه ذلك أن يؤاكله ويشاربه. فلما رأى الله ذلك منهم، ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ثم أنزل فيهم كتابًا: " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهَوْن عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مُتَّكئًا، فجلس وقال: كلا والذى نفسي بيده، حتى تأطِرُوا الظالم على الحق أطْرًا . (10)12308 - حدثنا علي بن سهل الرملي قال، حدثنا المؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، أظنه عن مسروق، عن عبد الله قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بني إسرائيل لما ظهر منهم المنكر، جعل الرجل يرى أخاه وجارَه وصاحبَه على المنكر، فينهاه، ثم لا يمنعه ذلك من أن يكون أكيله وشَرِيبَه ونديمه، فضرب الله قلوبَ بعضهم على بعض، ولعنوا على لسان داود وعيسى ابن مريم=" ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون "، إلى فَاسِقُونَ ، قال عبد الله: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا، فاستوى جالسًا، فغضب وقال: لا والله، حتى تأخذوا على يَدَيِ الظالم فتأطِرُوه على الحق أطرًا. (11)12309 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بني إسرائيل لما وقع فيهم النقصُ، كان الرجل يرى أخاه على الرَّيْبِ فينهاه عنه، فإذا كان الغدُ، لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وشريبه وخليطه، فضرب الله قلوبَ بعضهم ببعض، ونزل فيهم القرآن فقال: " لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم " حتى بلغ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئًا فجلس، وقال: لا حتى تأخذوا على يَدَيِ الظالم فتأطروه على الحق أطرًا. (12)12310 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو داود= قال: أملاه عليَّ= قال، حدثنا محمد بن أبي الوضاح، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. (13)12311 - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي=، عن سفيان، على علي بن بذيمة قال: سمعت أبا عبيدة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه= غير أنهما قالا في حديثهما: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئًا فاستوى جالسًا، ثم قال: كلا والذي نفسي بيده حتى تأخذوا على يَدَيِ الظالم فتأطروه على الحق أطرًا ". (14)12312 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم "، قال فقال: لعنوا في الإنجيل وفي الزبور= وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ رَحَى الإيمان قد دارت، فدُوروا مع القرآن حيث دار [*فإنه... قد فرغ الله مما افترض فيه]. (15) [وإن ابن مرح] كان أمة من بني إسرائيل، (16) كانوا أهل عدل، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فأخذه قومهم فنشروهم بالمناشير، وصلبوهم على الخشب، وبقيت منهم بقية، فلم يرضوا حتى داخلوا الملوك وجالسوهم، ثم لم يرضوا حتى واكلوهم، (17) فضرب الله تلك القلوب بعضها ببعض فجعلها واحدة. فذلك قول الله تعالى: " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود " إلى: " ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون "، ماذا كانت معصيتهم؟ قال: كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ .* * *فتأويل الكلام إذًا: لَعَن الله الذين كفروا= من اليهود= بالله على لسان داود وعيسى ابن مريم، ولُعن والله آباؤهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، بما عصوا الله فخالفوا أمره=" وكانوا يعتدون "، يقول: وكانوا يتجاوزون حدودَه. (18)----------------الهوامش :(4) انظر تفسير"اللعنة" فيما سلف ص: 452 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.= وتفسير"الاعتداء" فيما سلف ص: 447 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(5) الأثر: 12304-"أبو محصن الضرير": "حصين بن نمير الواسطي" ، ثقة ، ولكن كان يحمل على علي رضي الله عنه ، فقال الحاكم: "ليس بالقوي عندهم". مترجم في التهذيب.(6) في المطبوعة: "تعزيرًا" ، وهو خطأ محض ، صوابه من المخطوطة ، وتفسير ابن كثير. و"التعذير": أن يفعل الشيء غير مبالغ في فعله. وتعذير بني إسرائيل: أنهم لم يبالغوا في نهيهم عن المعاصي ، وداهنوا العصاة ، ولم ينكروا أعمالهم بالمعاصي حق الإنكار ، فنهوهم نهيًا قصروا فيه ولم يبالغوا.(7) "الأكيل": الذي يصاحبك في الأكل. و"الشريب": الذي يصاحبك في الشراب. و"الخليط": الذي يخالطك. كل ذلك"فعيل" بمعنى"مفاعل".(8) في المطبوعة: "ولا تواطئونه على الخواطر" ، وهو من عجيب الكلام ، فضلا عن أنه عبث وتحريف لما كان في المخطوطة!! وكان في المخطوطة: "ولواطونه على الحواطرا" ، غير منقوطة ، فلعب بها ناشر المطبوعة لعبًا كما شاء. وصواب قراءة ما كان في المخطوطة هو ما أثبت. وبمثل ذلك سيأتي في الأخبار التالية.إلا أني قرأت المخطوطة: "ولتؤطرنه" (بتشديد الطاء) من قولهم في ماضيه: "أطره" (بتشديد الطاء) أي: عطفه. ورواية الآثار الآتية ، ثلاثية الفعل: "حتى تأطروه" من قولهم في الثلاثي: "أطره يأطره أطرًا": وذلك إذا قبض على أحد طرفي العود مثلا ، فعطفه عطفًا.(9) الأثر: 12306-"عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي" ، ثقة ، مضى برقم: 221 ، 875.و"العلاء بن المسيب بن رافع الأسدي" ، ثقة مأمون ، مضى برقم: 3789.و"عبد الله بن عمرو بن مرة المرادي" ، روى عنه أبيه ، وعن محمد بن سوقة ، وعاصم ابن بهدلة.و"سالم الأفطس" ، هو: "سالم بن عجلان الجزري الحراني" ، روى عنه عمرو بن مرة. وهو من أقرانه. وذكر الحافظ في التهذيب: "ويقال: عبد الله بن عمرو بن مرة".ويمثل هذا الإسناد من رواية المحاربي = أي: "عبد الله بن عمرو بن مرة ، عن سالم الأفطس" ، رواه أبو داود في سننه 4: 172 ، وابن أبي حاتم في تفسيره ، فيما نقله ابن كثير في تفسيره 3: 205 ، وعقب عليه بقوله: "ورواه خالد الطحان = هو: خالد بن عبد الله الواسطي = عن العلاء ، عن عمرو بن مرة" ، ورواه قبله برقم: 4337 ، من طريق خلف بن هشام ، عن أبي شهاب الحناط ، عن العلاء بن المسيب ، عن عمرو بن مرة ، عن سالم الأفطس". فالذي هنا هو رواية المحاربي ، لا شك أنها: "عبد الله بن عمرو بن مرة" ، وكأنه خطأ من المحاربي ، فسائر الرواة على أنه"عن عمرو بن مرة ، عن سالم الأفطس".و"عمرو بن مرة المرادي الجملي" ، "أبو عبد الله الأعمى" ، ثقة صدوق. وهو يروي عن أبي عبيدة مباشرة ، فرواه هنا عن أحد أقرانه"سالم الأفطس" ، عن أبي عبيدة" ، ورواه خالد الطحان ، عن العلاء ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي عبيدة مباشرة ، دون واسطة"سالم الأفطس".وهذا إسناد ضعيف على كل حال ، لانقطاعه.(10) الأثر: 12307- خبر علي بن بذيمة ، عن أبي عبيدة ، رواه أبو جعفر من خمس طرق. سيأتي تخريجها مفصلا ، ثم انظر آخرها رقم: 12311."الحكم بن بشير بن سلمان النهدي" ، ثقة مضى برقم: 1497 ، 2872 ، 3014 ، 6171 ، 9646. وكان في المطبوعة هنا: "ابن سليمان" ، وهو خطأ مر مثله.و"عمرو بن قيس الملائي" ، مضى برقم: 886 ، 1497 ، 3956 ، 6171 ، 9646. و"علي بن بذيمة الجزري" ، ثقة ، مضى برقم: 629.وهذا الخبر ، لم أجده بهذا الإسناد إلى علي بن بذيمة.(11) الأثر: 1308-"مؤمل بن إسمعيل العدوي" ، ثقة ، مضى برقم: 2057 ، 3337 ، 5728 ، 8356 ، 8367.و"سفيان" هو الثوري.وطريق سفيان ، عن علي بن بذيمة ، يأتي أيضا برقم: 12309 ، 12311 ، مرسلا ، "عن أبي عبيدة قال قال رسول الله" ، ليس فيه ذكر"عبد الله بن مسعود". وهو المعروف من رواية سفيان. روى الترمذي في السنن (في كتاب التفسير): "قال عبد الله بن عبد الرحمن ، قال يزيد بن هرون: وكان سفيان الثوري لا يقول فيه: "عبد الله" يعني أنه مرسل من خبر أبي عبيدة. فأفادنا الطبري هنا أن سفيان الثوري ، رواه مرة أخرى ، "عن أبي عبيدة ، أظنه عن مسروق ، عن عبد الله" ، فلم يذكر"عبد الله" فحسب ، بل شك في أن أبا عبيدة رواه عن مسروق عن عبد الله ، فإذا صح ظن سفيان هذا ، فإن حديث صحيح الإسناد ، غير منقطع ولا مرسل.ولم أجد هذه الرواية بهذا الإسناد في مكان آخر.(12) الأثر: 12209- وهذا الإسناد الثالث من أسانيد خبر علي بن بذيمة ، عن أبي عبيدة ، والثاني من خبر سفيان ، عن علي بن بذيمة ، عن أبي عبيدة ، من طريق عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، رواه الترمذي في السنن (كتاب التفسير) من طريق محمد بن بشار ، بمثله. ورواه ابن ماجه رقم: 4006 أيضا ، بمثله.(13) الأثر: 12310-"محمد بن أبي الوضاح" منسوب إلى جده ، وهو: "محمد بن مسلم ابن أبي الوضاح القضاعي". روى عنه أبو داود الطيالسي. ثقة مستقيم الحديث. مترجم في التهذيب.وهذا الخبر بهذا الإسناد ، رواه الترمذي في السنن في (كتاب التفسير) ، وابن ماجه في السنن ، تابع رقم: 4006 ، بمثله.(14) الأثر: 12311- هذا هو الإسناد الثالث من أسانيد"سفيان ، عن علي بن بذيمة". وهو خبر مرسل.وخبر علي بن بذيمة ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله ، روى من طرق أخرى.رواه أحمد في المسند رقم: 3713 ، من طريق يزيد بن هرون ، عن شريك بن عبد الله ، عن علي بن بذيمة ، بلفظ آخر مثله. ورواه الترمذي في (كتاب التفسير) من طريق عبد الله بن عبد الرحمن ، عن يزيد بن هرون ، بمثل رواية أحمد.ورواه أبو داود في سننه 4: 172 ، رقم: 4336 ، من طريق عبد الله بن محمد النفيلي ، عن يونس بن راشد ، عن علي بن بذيمة ، بمثله ، بلفظ آخر.وهذه الآثار كلها ، من منقطعة أو مرسلة ، ولم يوصل الخبر إلا في الإسناد رقم: 12308. وقال الترمذي بعد روايته: "هذا حديث حسن غريب".انظر تفسير ابن كثير 3: 205 ، 206 ، والدر المنثور 2: 300.(15) كان في المطبوعة: "... حيث دار ، فإنه قد فرغ الله مما افترض فيه" ، ساق الكلام سياقًا واحدًا بعد تغييره ، والذي في المخطوطة هو ما أثبته ، وبين الكلامين بياض بقدر كلمة أو كلمتين ، وضعت مكانهما نقطًا ، تركته حتى يعثر على الخبر فيتمه وجدانه.(16) وهذا الذي بين القوسين ، هو الثابت في المخطوطة ، ولا أدري ما هو ، ولكن ناشر المطبوعة الأولى جعل الكلام هكذا: "وإنه كانت أمة من بني إسرائيل" ، فرأيت أن أثبت ما في المخطوطة على حاله ، حتى إذا وجد الخبر في مكان آخر صحح. وكان هذا والذي قبله في المخطوطة في سطر واحد ، وأمام السطر حرف (ط) بالأحمر دلالة على الخطأ.(17) هكذا في المطبوعة والمخطوطة"فلم يرضوا" و"ثم لم يرضوا" في الموضعين ، وأنا في شك منها ، وأرجح أنها: "فلم يريموا" ، و"ثم لم يريموا" ، أي: لم يلبثوا.(18) انظر تفسير"الاعتداء" فيما سلف قريبا ص: 489 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
كَانُوا۟ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍۢ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ﴿79﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: كان هؤلاء اليهود الذين لعنهم الله=" لا يتناهون "، يقول: لا ينتهون عن منكر فعلوه، ولا ينهى بعضهم بعضًا. (19) ويعني ب" المنكر "، المعاصي التي كانوا يعصون الله بها. (20)* * *فتأويل الكلام: كانوا لا ينتهون عن منكر أتوه=" لبئس ما كانوا يفعلون ". وهذا قسم من الله تعالى ذكره يقول: أقسم: لبئس الفعل كانوا يفعلون، في تركهم الانتهاء عن معاصي الله تعالى ذكره، وركوب محارمه، وقتل أنبياء الله ورسله، (21) كما:-12313 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه "، لا تتناهى أنفسهم بعد أن وقعوا في الكفر.--------------الهوامش :(19) انظر تفسير"انتهى" فيما سلف قريبًا ص: 482 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(20) انظر تفسير"المنكر" فيما سلف 7: 91 ، 105 ، 130.(21) انظر تفسير"بئس" فيما سلف 2 : 338 ، 393/ 3 : 56/ 7 : 459.
تَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَٰلِدُونَ ﴿80﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: " ترى "، يا محمد، كثيرًا من بني إسرائيل=" يتولون الذين كفروا "، يقول: يتولون المشركين من عَبَدة الأوثان، ويعادون أولياء الله ورسله (22) =" لبئس ما قدمت لهم أنفسهم "، يقول تعالى ذكره: أُقسم: لبئس الشيء الذي قدمت لهم أنفسهم أمامهم إلى معادهم في الآخرة (23) =" أنْ سخط الله عليهم "، يقول: قدّمت لهم أنفسهم سخط الله عليهم بما فعلوا.* * *و " أن " في قوله: " أنْ سخط الله عليهم "، في موضع رفع، ترجمةً عن " ما "، الذي في قوله: " لبئس ما ". (24)* * *=" وفي العذاب هم خالدون "، يقول: وفي عذاب الله يوم القيامة=" هم خالدون "، دائم مُقامهم ومُكثهم فيه. (25)-------------الهوامش :(22) انظر تفسير"التولي" فيما سلف من فهارس اللغة (ولى).(23) انظر تفسير"قدم" فيما سلف 2: 368/7: 447/8: 514.(24) "الترجمة": البدل ، انظر ما سلف من فهارس المصطلحات.(25) انظر تفسير"الخلود" فيما سلف من فهارس اللغة (خلد).
وَلَوْ كَانُوا۟ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِىِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَ ﴿81﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو كان هؤلاء الذين يتولون الذين كفروا من بني إسرائيل=" يؤمنون بالله والنبي"، يقول: يصدِّقون الله ويقرُّون به ويوحِّدونه، ويصدقون نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بأنه لله نبي مبعوث، ورسول مرسل=" وما أنزل إليه "، يقول: ويقرُّون بما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله من آي الفرقان=" ما اتخذوهم أولياء "، يقول: ما اتخذوهم أصحابًا وأنصارًا من دون المؤمنين (26) =" ولكن كثيرًا منهم فاسقون "، يقول: ولكن كثيرًا منهم أهل خروج عن طاعة الله إلى معصيته، وأهلُ استحلال لما حرَّم الله عليهم من القول والفعل. (27)* * *وكان مجاهد يقول في ذلك بما:-12314 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: " ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء "، قال: المنافقون.------------------الهوامش :(26) انظر تفسير"الأولياء" فيما سلف من فهارس اللغة (ولي).(27) انظر تفسير"الفسق" فيما سلف من فهارس اللغة (فسق).
۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَٰرَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًۭا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴿82﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمدّ صلى الله عليه وسلم: لتجدن، يا محمد، أشدَّ الناس عداوةً للذين صدَّقوك واتبعوك وصدّقوا بما جئتهم به من أهل الإسلام=" اليهودَ والذين أشركوا "، يعني: عبدة الأوثان الذين اتخذوا الأوثان آلهة يعبدونها من دون الله=" ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا "، يقول: ولتجدن أقربَ الناس مودةًّ ومحبة.* * *و " المودة "" المفعلة "، من قول الرجل: " ودِدْت كذا أودُّه وُدًّا، ووِدًّا، ووَدًّا ومودة "، إذا أحببته. (28)* * *=" للذين آمنوا "، يقول: للذين صدّقوا الله ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم =" الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون "، عن قبول الحق واتباعه والإذعان به.* * *وقيل: إن هذه الآية والتي بعدها نزلت في نفرٍ قدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصارى الحبشة، فلما سمعوا القرآن أسلموا واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.* * *وقيل: إنها نزلت في النجاشيّ ملك الحبشة وأصحابٍ له أسلموا معه.ذكر من قال ذلك:12315 - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد قال، حدثنا خصيف، عن سعيد بن جبير قال: بعث النجاشيّ وفدًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا. قال: فأنزل الله تعالى فيهم: " لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا "، إلى آخر الآية. قال: فرجعوا إلى النجاشيّ فأخبروه، فأسلم النجاشي، فلم يزل مسلمًا حتى مات. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ أخاكم النجاشيَّ قد مات، فصلُّوا عليه! فصلَّى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، والنجاشي ثَمَّ.12316 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " ولتجدن أقربهم مودةً للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى "، قال: هم الوفد الذين جاءوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة.12317 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " ولتجدن أقربهم مودَّة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى "، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة خاف على أصحابه من المشركين، فبعث جعفرَ بن أبي طالب، وابن مسعود وعثمان بن مظعون، في رهط من أصحابه إلى النجاشي ملك الحبشة. فلما بلغ ذلك المشركين، بعثوا عمرو بن العاص في رهط منهم، ذُكر أنهم سبقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشيّ، فقالوا، إنه خرج فينا رجل سفَّه عقول قريش وأحلامها، زعم أنه نبيُّ! وإنه بعث إليك رهطًا ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم. قال: إن جاءوني نظرت فيما يقولون! فقدم أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمُّوا بابَ النجاشي، (29) فقالوا: استأذن لأولياء الله! (30) فقال، ائذن لهم، فمرحبًا بأولياء الله! فلما دخلوا عليه سلَّموا، فقال له الرهط من المشركين: ألا ترى أيها الملك أنا صدقناك؟ لم يحيوك بتحيَّتك التي تحيَّا بها! فقال لهم: ما منعكم أن تحيوني بتحيتي؟ فقالوا: إنا حيَّيناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة! قال لهم: ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ قال يقول: " هو عبد الله، وكلمةٌ من الله ألقاها إلى مريم، وروح منه "، ويقول في مريم: " إنها العذراء البتول ". قال: فأخذ عودًا من الأرض فقال: ما زاد عيسى وأمه على ما قال صاحبكم قدر هذا العود! فكره المشركون قوله، وتغيَّرت وجوههم. قال لهم: هل تعرفون شيئًا مما أنزل عليكم؟ قالوا: نعم! قال: اقرءوا! فقرءوا، وهنالك منهم قسيسون ورهبانٌ وسائرُ النصارى، فعرفت كلَّ ما قرأوا وانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق. قال الله تعالى ذكره: " ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول " الآية.12318 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثني أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى "، الآية. قال: بعث النجاشيّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنى عشر رجلا من الحبشة، سبعة قسيسين وخمسة رهبانًا، ينظرون إليه ويسألونه. فلما لقوه فقرأ عليهم ما أنزل الله بَكَوْا وآمنوا، فأنزل الله عليه فيهم: " وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ، فآمنوا ثم رجعوا إلى النجاشيّ، فهاجر النجاشي معهم فمات في الطريق، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون واستغفروا له.12319 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عطاء في قوله: " ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى " الآية، هم ناس من الحبشة آمنوا، إذ جاءتهم مهاجِرَةُ المؤمنين.* * *وقال آخرون: بل هذه صفة قوم كانوا على شريعة عيسى من أهل الإيمان، فلما بعث الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم آمنوا به.ذكر من قال ذلك:12320 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا "، فقرأ حتى بلغ: فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ، أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعةٍ من الحق مما جاء به عيسى، يؤمنون به وينتهون إليه. فلما بعث الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، صدَّقوا به وآمنوا به، وعرفوا الذي جاء به أنه الحق، فأثنى عليهم ما تسمعون.* * *قال أبو جعفر: والصواب في ذلك من القول عندي: أنّ الله تعالى وصف صفة قوم قالوا: " إنا نصارى "، أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم يجدهم أقربَ الناس وِدادًا لأهل الإيمان بالله ورسوله، ولم يسمِّ لنا أسماءهم. وقد يجوز أن يكون أريد بذلك أصحابُ النجاشي= ويجوز أن يكون أريد به قومٌ كانوا على شريعة عيسى، فأدركهم الإسلام فأسلموا لما سمعوا القرآن وعرفوا أنه الحق، ولم يستكبروا عنه.* * *وأما قوله تعالى: " ذلك بأنّ منهم قسيسين ورهبانًا "، فإنه يقول: قَرُبت مودَّة هؤلاء الذين وصف الله صفتهم للمؤمنين، من أجل أنّ منهم قسيسين ورهبانًا.* * *و " القسيسون " جمع " قسيس ". وقد يجمع " القسيس "،" قسوسًا "، (31) لأن " القَسّ" و " القسيس "، بمعنى واحد.* * *وكان ابن زيد يقول في" القسيس " بما:-12321 - حدثنا يونس قال، حدثنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " القسيس "، عبَّادُهم. (32)* * *وأما الرهبان، فإنه يكون واحدًا وجمعًا. فأما إذا كان جمعًا، فإن واحدهم يكون " راهبًا "، ويكون " الراهب "، حينئذ " فاعلا " من قول القائل: " رَهب الله فلان "، بمعنى خافه،" يرهبه رَهَبًا ورَهْبَا "، ثم يجمع " الراهب "،" رهبان " مثل " راكب " و " ركبان "، و " فارس " و " فرسان ". ومن الدليل على أنه قد يكون عند العرب جمعًا قول الشاعر: (33)رُهْبَانُ مَدْيَنَ لَوْ رَأَوْكِ تَنزلُواوالْعُصْمُ مِنْ شَعَفِ الْعَقُولِ الفَادِرِ (34)وقد يكون " الرهبان " واحدًا. وإذا كان واحدًا كان جمعه " رهابين " مثل " قربان " و " قرابين "، و " جُرْدان ". و " جرادين ". (35) ويجوز جمعه أيضًا " رهابنة " إذا كان كذلك. ومن الدليل على أنه قد يكون عند العرب واحدا قول الشاعر: (36)لَوْ عَايَنَتْ رُهْبَانَ دَيْرٍ في الْقُلَلْلانْحَدَرَ الرُّهْبَانُ يَمْشِي وَنزل (37)* * *واختلف أهل التأويل في المعنيِّ بقوله: " ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا ".فقال بعضهم: عُني بذلك قوم كانوا استجابوا لعيسى ابن مريم حين دعاهم، واتَّبعوه على شريعته.ذكر من قال ذلك:12321م - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن حصين، عمن حدثه، عن ابن عباس في قوله: " ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا "، قال: كانوا نَوَاتِيَّ في البحر= يعني: ملاحين (38) = قال: فمر بهم عيسى ابن مريم، فدعاهم إلى الإسلام فأجابوه: قال: فذلك قوله: " قسيسين ورهبانًا ".* * *وقال آخرون: بل عني بذلك، القوم الذين كان النجاشي بعثهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.ذكر من قال ذلك:12322 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام بن سلم قال، حدثنا عنبسة، عمن حدثه، عن أبي صالح في قوله: " ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا "، قال: ستة وستون، أو سبعة وستون، أو ثمان وستون، (39) من الحبشة، كلهم صاحب صَوْمعة، عليهم ثيابُ الصوف.12323 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير: " ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا "، قال: بعث النجاشيّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم خمسين أو سبعين من خيارهم، فجعلوا يبكون، فقال: هم هؤلاء!12324 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا قيس، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير: " ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا "، قال: هم رُسُل النجاشي الذين أرسل بإسلامه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلا اختارهم الخيِّرَ فالخيِّرَ، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليهم: يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [سورة يس: 1، 2]، فبكوا وعرفوا الحق، فأنزل الله فيهم: " ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون "، وأنزل فيهم: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ إلى قوله: يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا [سورة القصص: 54].* * *قال أبو جعفر: والصواب في ذلك من القول عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبرَ عن النفر الذين أثنى عليهم من النصارى بقرب مودتهم لأهل الإيمان بالله ورسوله، أن ذلك إنما كان منهم لأن منهم أهلَ اجتهاد في العبادة، وترهُّب في الديارات والصوامع، (40) وأن منهم علماء بكتبهم وأهل تلاوة لها، فهم لا يبعدون من المؤمنين لتواضعهم للحق إذا عرفوه، ولا يستكبرون عن قبوله إذا تبيّنوه، لأنهم أهل دين واجتهاد فيه، ونصيحة لأنفسهم في ذات الله، وليسوا كاليهود الذين قد دَرِبُوا بقتل الأنبياء والرسل، ومعاندة الله في أمره ونهيه، وتحريفِ تنزيله الذي أنزله في كتبه. (41)* * *---------------(28) انظر تفسير"ود" فيما سلف 2: 470/5: 542/6: 500/8: 371/9: 17(29) في المطبوعة: "فأقاموا بباب النجاشي" ، والصواب المحض من المخطوطة.(30) في المطبوعة: "فقالوا: أتأذن" ، والصواب من المخطوطة. يعني : قالوا لحاجب باب النجاشي ، ولذلك جاء الجواب: "فقال: ائذن لهم".(31) في المطبوعة: "قسوس" ، والصواب من المخطوطة.(32) في المطبوعة: "القسيسين" ، بالجمع ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو صواب ، ولا بأس هنا بشرح المفرد بالجمع.(33) هو جرير ، ونسبه ياقوت في معجم البلدان لكثير عزة ، وأدخله في شعره جامع ديوانه ص: 240 ، والصواب أنه لجرير.(34) ديوانه: 305 ، وسيأتي في التفسير 20: 34 (بولاق) وديوان كثير 1: 240 ، واللسان (رهب) ومعجم البلدان (مدين) ، من قصيدة هجا فيها الأخطل والفرزدق ، يقول قبله:يَا أُمَّ طَلْحَةَ، مَا لَقِينَا مِثْلكُمْفِي الْمُنْجِدِينَ ولا بغَوْرِ الغَائِرِو"مدين" مدينه شعيب عليه السلام ، على بحر القلزم ، تجاه تبوك ، بين المدينة والشام ، ذكرها كثير أيضًا في شعره فقال:اللهُ يَعْلَمُ لَوْ أَرَدْتُ زِيَادَةًفي حُبِّ عَزَّةَ ما وجدْتُ مَزِيدَارُهْبَانُ مَدْيَنَ وَالَّذِينَ عَهِدْتُهُمْيَبْكُونَ مِنْ حَذَر العَذَابِ قُعُودَالَوْ يَسْمَعُونَ كَمَا سَمِعْتُ كَلامَهاخَرُّوا لِعَزَّةَ رُكَّعًا وَسُجُودَاو"العقول" عندي بفتح العين ، من قولهم: "عقل الوعل يعقل عقولا" ، امتنع برأس الجبل ، فهو"عاقل" وبذلك سمي ، والقياس يقبل أيضًا"فهو عقول" (بفتح العين). وفي الديوان ، ضبط بالقلم"العقول" (بضم العين) ، جمع"عقل" (بفتح فسكون): وهو المعقل والحصن. ولست أرضى ذلك هنا ، وروى صاحب المعجم"والعصم في شعف الجبال" ، وهي موافقة في المعنى لمن ضبط"العقول" بضم العين ، وأرجح أن صواب إنشاده في المعجم"من شعف الجبال". و"الشعف" جمع"شعفة" (بفتحتين): وهي رأس الجبل. و"الفادر": الوعل العاقل الممتنع في رأس الجبل ، وهو حينئذ مسن معتقل في رأس جبله. و"العصم" جمع"أعصم": وهو الوعل. سمى بالصفة الغالبة ، لأن في إحدى يديه بياضًا. وذلك أن"العصم" و"العصمة": البياض في الذراعين أو إحداهما.ولما كان"العصم" جمعًا ، أنفت أن أجعل"الفادر" من صفته ، لو قرئ"العقول" (بضم العين) بمعنى: الحصون والملاجئ ، بل جعلتها بفتح العين ، بمعنى أن العصم غير المسنة تنزلت أيضا من المعقل الذي يعقل إليه مسن الوعول امتناعًا من الصيد ، لقلة احتفاله بمفارقة معقله ، كاحتفال شواب الوعول.(35) "الجردان": ما يستحى من ذكره من الإنسان وغيره.(36) لم أعرف هذا الراجز.(37) تفسير القرطبي 6: 258 ، مع اختلاف شديد في الرواية."عاين الشيء معاينة وعيانًا": نظر إليه بعينيه مواجهة. ومنه قيل: "رأيت فلانًا عيانًا" أي: مواجهة. وحق شرح هذا اللفظ هنا أن يقال: لو رمتهم بعينيها مواجهة. و"القلل": جمع"قلة": وهي رأس الجبل ، وإنما عنى بذلك صوامع الرهبان في الجبال.(38) في ابن الأثير ثم في لسان العرب"كانوا نَوَّاتِين ، أي ملاحين- تفسيره في الحديث" وكذلك نقله عنهما صاحب تاج العروس. وأنا أخشى أن يكون خطأ من النساخ ، وأن صوابه"كانوا نواتى ، أي ملاحين" ، كما جاء هنا وفي المخطوطة أيضا. ولم أجد أحدًا ذكره كذلك: "نواتا" (بفتح النون وتشديد الواو) ، ولو كان كذلك لتعرض له أصحاب اللغة ، ولكنهم لم يذكروه إلا فيما نقلوه عن ابن الأثير ، وواحد"النواتى" (بفتح النون والواو المفتوحة غير المشددة)"نوتى" (بضم النون ، آخره ياء مشددة). والذي في مخطوطة الطبري يرجح أن الذي كتبه ابن الأثير ، خطأ ، أو سهو في قراءة الحرف. وابن الأثير وحده ، لا يحتج برواية كتابه غير مقيدة مضبوطة بإسنادها ومصدرها. ثم وجدته بعد أن كتبت هذا ، في مجمع الزوائد 7: 17 ، كما جاء في ابن الأثير واللسان: "نواتين ، يعني ملاحين". وذكر هناك الخبر بطوله ، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط والكبير ، وفيه العباس بن الفضل الأنصاري ، وهو ضعيف". وهو إسناد غير إسناد أبي جعفر بلا شك ، وانظر ابن كثير 3: 212 ، 213.(39) هكذا في المطبوعة: "أو اثنان وستون" ، وفي المخطوطة: "اثنان وستون" بغير "أو" ، وغير منقوطة ، فأرجح أن صواب قراءتها: "أو ثمان وستون"... وهو الذي يدل عليه السياق ، ولذلك أثبتها كذلك.(40) في المطبوعة: "وترهيب" ، وفي المخطوطة: "وترهب" غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت ، فإنه لا يقال: "رهب ترهيبًا" ، وإنما يقال: "ترهب ترهبًا" ، إذا صار راهبًا يخشى الله ، ويتعبد في صومعته.(41) قال الجصاص في أحكام القرآن 2: 451: "ومن الجهال من يظن أن في هذه الآية مدحًا للنصارى ، وإخبارًا بأنهم خير من اليهود. وليس ذلك كذلك ، لأن ما في الآية من ذلك إنما هو صفة قوم قد آمنوا بالله وبالرسول. يدل عليه ما ذكر في نسق التلاوة ، من إخبارهم عن أنفسهم بالإيمان بالله والرسول. ومعلوم عند كل ذي فطنة صحيحة أمعن النظر في مقالتي هاتين الطائفتين ، أن مقالة النصارى أقبح وأشد استحالة ، وأظهر فسادًا من مقالة اليهود. لأن اليهود تقر بالتوحيد في الجملة ، وإن كان فيها مشبهة تنقض ما اعتقدته في الجملة من التوحيد بالتشبيه".ونقل هذا: أبو حيان في تفسيره (4: 4 ، 5) ، ثم قال: "والظاهر ما قاله المفسرون وغيرهم من أن النصارى على الجملة أصلح حالا من اليهود. وقد ذكر المفسرون فيما تقدم ، ما فضل به النصارى على اليهود من كرم الأخلاق ، والدخول في الإسلام سريعًا. وليس الكلام واردا بسبب العقائد ، وإنما ورد بسبب الانفعال للمسلمين. وأما قوله: "لأن ما في الآية من ذلك ، إنما هو صفة قوم قد آمنوا بالله وبالرسول" ، ليس كما ذكر ، بل صدر الآية يقتضي العموم ، لأنه قال: "ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى" ، ثم أخبر أن من هذه الطائفة علماء وزهادًا متواضعين ، وسريعي استجابة للإسلام ، وكثيري بكاء عند سماع القرآن. واليهود بخلاف ذلك. والوجود يصدق قرب النصارى من المسلمين ، وبعد اليهود".وهذا كلام فيه نظر يطول ، ليس هذا موضع تفصيله ، وإنما نقلته لك لتتأمله وتتدبره.
وَإِذَا سَمِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا۟ مِنَ ٱلْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ﴿83﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا سمع هؤلاء الذين قالوا: إِنَّا نَصَارَى = الذين وصفت لك، يا محمد، صفتهم أنك تجدهم أقرب الناس مودة للذين آمنوا= (1) ما أنزل إليك من الكتاب يُتْلى=" ترى أعينهم تفيض من الدمع ".* * *و " فيض العين من الدمع "، امتلاؤها منه، ثم سيلانه منها، كفيض النهر من الماء، وفيض الإناء، وذلك سيلانه عن شدة امتلائه، ومنه قول الأعشى:ففَاضَتْ دُمُوعِي, فَظَلَّ الشُّئُونُ:إمَّا وَكِيفًا, وَإِمَّا انْحِدَارَا (2)وقوله: " مما عرفوا من الحق "، يقول: فيض دموعهم، لمعرفتهم بأنّ الذي يتلى عليهم من كتاب الله الذي أنزله إلى رسول الله حقٌّ، كما:-12325 - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا أسباط بن نصر الهمداني، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السديّ قال: بعث النجاشي إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم اثنى عشر رجلا يسألونه ويأتونه بخبره، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فبكوا. وكان منهم سبعة رهبانٍ وخمسة قسيسين (3) = أو: خمسة رهبان، وسبعة قسيسين (4) = فأنزل الله فيهم: " وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع "، إلى آخر الآية.12326 - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عمر بن علي بن مقدّم قال، سمعت هشام بن عروة يحدث، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت في النجاشي وأصحابه: " وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ". (5)12327 - حدثنا هناد قال، حدثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه في قوله: " ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق "، قال: ذلك في النجاشي.12328 - حدثنا هناد وابن وكيع قالا حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كانوا يُرَوْن أن هذه الآية أنزلت في النجاشي: " وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ".12329 - حدثنا هناد قال، حدثنا يونس بن بكير قال، قال ابن إسحاق: سألت الزهري عن الآيات: ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ الآية، وقوله: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [سورة الفرقان: 63]. قال: ما زلت أسمع علماءنا يقولون: نزلت في النجاشي وأصحابه. (6)* * *وأما قوله: " يقولون "، فإنه لو كان بلفظ اسم، كان نصبًا على الحال، لأن معنى الكلام: وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، قائلين: " ربنا آمنا ".* * *ويعني بقوله تعالى ذكره: " يقولون ربنا آمنا "، أنهم يقولون: يا ربنا، صدَّقنا لما سمعنا ما أنزلته إلى نبيك محمد صلى الله عليه وسلم من كتابك، وأقررنا به أنه من عندك، وأنه الحق لا شك فيه.* * *وأما قوله: " فاكتبنا مع الشاهدين "، فإنه روي عن ابن عباس وغيره في تأويله، ما:-12330 - حدثنا به هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي وابن نمير= جميعًا، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: " اكتبنا معالشاهدين "، قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم.12331 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " فاكتبنا مع الشاهدين "، مع أمّة محمد صلى الله عليه وسلم.12332 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " فاكتبنا مع الشاهدين "، يعنون ب" الشاهدين "، محمدًا صلى الله عليه وسلم وأمَّته.12333 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: " فاكتبنا مع الشاهدين "، قال: محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، إنهم شهدوا أنه قد بلَّغ، وشهدوا أن الرسل قد بلغت.12334 - حدثنا الربيع قال، حدثنا أسد بن موسى قال، حدثنا يحيى بن زكريا قال، حدثني إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثل حديث الحارث بن عبد العزيز= غير أنه قال: وشهدوا للرسل أنهم قد بلَّغوا. (7)* * *قال أبو جعفر: فكأنّ متأوِّل هذا التأويل، قصد بتأويله هذا إلى معنى قول الله تعالى ذكره: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [سورة البقرة: 143]. فذهب ابن عباس إلى أن " الشاهدين "، هم " الشهداء " في قوله: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. (8)* * *وإذا كان التأويل ذلك، كان معنى الكلام: " يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين "، الذين يشهدون لأنبيائك يوم القيامة، أنهم قد بلغوا أممهم رسالاتك.* * *ولو قال قائل: معنى ذلك: " فاكتبنا مع الشاهدين "، الذين يشهدون أن ما أنزلته إلى رسولك من الكتب حق= كان صوابًا. لأن ذلك خاتمة قوله: " وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين "، وذلك صفة من الله تعالى ذكره لهم بإيمانهم لما سمعوا من كتاب الله، فتكون مسألتهم أيضا اللهَ أن يجعلهم ممن صحَّت عنده شهادتهم بذلك، ويُلْحقهم في الثوابِ والجزاء منازلَهُم.ومعنى " الكتاب " في هذا الموضع: الجَعْل. (9)* * *يقول: فاجعلنا مع الشاهدين، وأثبتنا معهم في عِدَادهم.---------------------الهوامش :(1) سياق الكلام: "إذا سمع هؤلاء... ما أنزل إليك من الكتاب يتلى" ، وما بين الفعل ومفعوله فصل طويل.(2) ديوانه: 35. من قصيدته في قيس بن معد يكرب الكندي ، وقبل البيت ، وهو أولها:أَأَزْمَعْتَ مِنْ آلِ لَيْلَى ابْتِكَارَاوَشَطَّتْ عَلَى ذِي هَوًى أن تُزَارَاوَبَانَتْ بِهَا غَرَبَاتُ النَّوَىوَبُدِّلْتُ شَوْقًا بِهَا وَادِّكَارَافَفَاضَتْ دْمُوعِي............ . . . . . . . . . . . . . . . . . .كَمَا أَسْلَمَ السِّلْكُ مِنْ نَظْمِهِلآلِئَ مُنْحَدِرَاتٍ صِغَارَاوكان البيت في المخطوطة والمطبوعة: "ففاضت دموعي فطل الشئون داما حدارًا" ، وهو خطأ محض."والشئون" جمع"شأن" ، وهو مجرى الدمع إلى العين ، وهي عروقها. ورواية الديوان: "كفيض الغروب" ، و"الغروب" جمع"غرب" (بفتح فسكون) ، وهو الدلو الكبير الذي يستقى به على السانية. وقوله: "فظل" بالظاء المعجمة ، لا بالطاء. وقد أفسد وأخطأ من جعله بالطاء المهملة ، وشرحه على ذلك. وهو غث جدًا. و"الوكيف": أن يسيل الدمع قليلا قليلا ، إنما يقطر قطرًا."وكف الدمع يكف وكفًا ووكيفًا". وأما "انحدار الدمع" ، فهو سيلانه متتابعا ، كما ينصب الماء من حدور.(3) في المطبوعة: "وخمسة قسيسون" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض.(4) في المخطوطة: "أو سبعة" دون ذكر"قسيسين" ، ولكنها زيادة لا غنى عنها. وصوابها أيضا"وسبعة" بالواو.(5) الأثر: 12326-"عمر بن علي بن مقدم" ، هو: "عمر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي". ثقة ، ولكنه كان يدلس. قال ابن سعد: "كان ثقة ، وكان يدلس تدليسًا شديدا ، يقول: سمعت ، وحدثنا ، ثم يسكت فيقول: هشام بن عروة ، والأعمش. وقال: كان رجلا صالحًا ، ولم يكونوا ينقمون عليه غير التدليس ، وأما غير ذلك فلا ، ولم أكن أقبل منه حتى يقول حدثنا". مترجم في التهذيب.(6) الأثر: 12329- سيرة ابن هشام 2: 33 ، ولكن ليس فيه ذكر آية سورة الفرقان التي ذكرها أبو جعفر في هذه الرواية عن ابن إسحق. ثم إن أبا جعفر لم يذكر هذا الخبر في تفسير الآية من سورة الفرقان 19: 21 ، 22 (بولاق) ، ولا أشار إلى أنها نزلت في أحد ، لا النساشي وأصحابه ولا غيرهم.(7) الآثار: 12330- 12334- رواه الحاكم في المستدرك 2: 313 ، من طريق يحيى بن آدم عن إسرائيل ، بمثله ، ثم قال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي. وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7: 18 ، وقال: "رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن أبي مريم ، وهو ضعيف" ، ولكن هذه أسانيد صحاح ، رواها الطبري وغيره.(8) انظر ما سلف من تفسير آية سورة البقرة 3: 141- 155.(9) انظر تفسير"الكتاب" فيما سلف من فهارس اللغة ، (كتب).
وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّٰلِحِينَ ﴿84﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84)قال أبو جعفر: وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره عن هؤلاء القوم الذين وصَف صفتهم في هذه الآيات، أنهم إذا سمعوا ما أنزل إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من كتابه، آمنوا به وصدّقوا كتاب الله، وقالوا: " ما لنا لا نؤمن بالله "، يقول: لا نقرّ بوحدانية الله=" وما جاءَنا من الحق "، يقول: وما جاءنا من عند الله من كتابه وآي تنزيله، ونحن نطمَعُ بإيماننا بذلك أن يدخلنا ربُّنا مع القوم الصالحين.* * *يعني ب" القوم الصالحين "، المؤمنين بالله، المطيعين له، الذين استحقُّوا من الله الجنة بطاعتهم إياه. (10)وإنما معنى ذلك: ونحن نطمعُ أن يدخلَنا ربُّنا مع أهل طاعته مداخلَهم من جنته يوم القيامة، ويلحق منازلَنا بمنازلهم، ودرجاتنا بدرجاتهم في جنَّاته.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.ذكر من قال ذلك:12335 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين "، قال: " القومُ الصالحون "، رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه.-------------------االهوامش :(10) انظر تفسير"الصالح" فيما سلف 8: 532 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُوا۟ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿85﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فجزاهم الله بقولهم: " رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ =" جنات تجري من تحتها الأنهار "، يعني: بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار=" خالدين فيها "، يقول: دائمًا فيها مكثهم، لا يخرجون منها ولا يحوَّلون عنها=" وذلك جزاء المحسنين "، يقول: وهذا الذي جَزَيتُ هؤلاء القائلين بما وصفتُ عنهم من قيلهم على ما قالوا، من الجنات التي هم فيها خالدون، جزاءُ كل محسنٍ في قِيله وفِعله.* * *و " إحسان المحسن " في ذلك، أن يوحِّد الله توحيدًا خالصًا محضًا لا شرك فيه، ويقرّ بأنبياء الله وما جاءت به من عند الله من الكتب، ويؤدِّي فرائضَه، ويجتنب معاصيه. (11) فذلك كمال إحسان المحسنين الذين قال الله تعالى ذكره: " جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ". (12)-------------------الهوامش :(11) انظر تفسير"الإحسان" فيما سلف 8: 334 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(12) أخشى أن يكون صواب العبارة: "الذين قال الله تعالى ذكره أنه أثابهم بما قالوا جنات..." ، ولكني تركت ما في المخطوطة والمطبوعة على حاله.
وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ ﴿86﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأما الذين جَحَدوا توحيدَ الله، وأنكروا نبوّةَ محمد صلى الله عليه وسلم، وكذبوا بآيات كتابه، فإن أولئك " أصحاب الجحيم ". يقول: هم سكّانها واللابثون فيها. (13)* * *و " الجحيم ": ما اشتدّ حرُّه من النار، وهو " الجَاحِم "" والجحيم ". (14)--------------------------الهوامش :(13) انظر تفسير"أصحاب النار" فيما سلف ص: 217 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.(14) انظر تفسير"الجحيم" فيما سلف 2: 562.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴿87﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيُّهم صلى الله عليه وسلم أنه حق من عند الله=" لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم "، يعني ب" الطيبات "، اللذيذات التي تشتهيها النفوس، وتميل إليها القلوب، (15)فتمنعوها إيّاها، كالذي فعله القسِّيسون والرُّهبان، فحرَّموا على أنفسِهم النساءَ والمطاعمَ الطيَّبة، والمشاربَ اللذيذة، وحَبس في الصَّوامع بعضُهم أنفسَهم، وساحَ في الأرض بعضهم. يقول تعالى ذكره: فلا تفعلوا أيُّها المؤمنون، كما فعل أولئك، ولا تعتدُوا حدَّ الله الذي حدَّ لكم فيما أحلَّ لكم وفيما حرم عليكم، فتجاوزوا حدَّه الذي حدَّه، فتخالفوا بذلك طاعته، فإن الله لا يحبُّ من اعتدى حدَّه الذي حدّه لخلقه، فيما أحل لهم وحرَّم عليهم.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.ذكر من قال ذلك:12336 - حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس قال، حدثنا عبثر أبو زبيد قال، حدثنا حصين، عن أبي مالك في هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيّبات ما أحل الله لكم " الآية، قال: عثمان بن مظعون وأناسٌ من المسلمين، حرَّموا عليهم النساءَ، وامتنعوا من الطَّعام الطيّب، وأراد بعضهم أن يقطع ذَكَره، فنزلت هذه الآية. (16)12337 - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثني خالد الحذاء، عن عكرمة قال: كان أناسٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم همُّوا بالخصاء وتَرْك اللحم والنساء، فنزلت هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيّباتِ ما أحلّ الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ".12338 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن خالد، عن عكرمة: أن رجالا أرادوا كذا وكذا، وأرادوا كذا وكذا، وأن يختَصُوا، فنزلت: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلَّ الله لكم " إلى قوله: الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ .12339 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيِّبات ما أحل الله لكم "، قال: كانوا حَرَّموا الطيِّب واللحمَ، فأنزل الله تعالى هذا فيهم.12340 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال، حدثنا خالد، عن عكرمة: أن أناسًا قالوا: " لا نتزوَّج، ولا نأكل، ولا نفعل كذا وكذا "! فأنزل الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيِّبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين ".12341 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: أراد أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يرفُضُوا الدنيا، ويتركوا النساء، ويترهَّبوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فغَلَّظ فيهم المقالة، ثم قال: إنما هَلَك من كان قبلكم بالتشديد، شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد الله عليهم، فأولئك بقايَاهم في الدِّيار والصوامع! (17) اعبدُوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وحجُّوا، واعتمروا، واستقيموا يَسْتَقِم لكم. قال: ونزلت فيهم: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم "، الآية.12342 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم "، قال: نزلت في أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أرادوا أن يتخلَّوا من الدُّنيا، (18) ويتركوا النساء ويتزهدوا، منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون.12343 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن زياد بن فياض، عن أبي عبد الرحمن قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لا آمرُكم أن تكونُوا قسِّيسين ورهبانًا ".12344 - حدثنا بشر بن مُعاذ قال، حدثنا جامع بن حماد قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة في قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم "، الآية، ذكر لنا أنّ رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رَفَضوا النساء واللحم، وأرادوا أن يتّخذوا الصوامع. فلما بلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس في ديني تركُ النساء واللحم، ولا اتِّخاذُ الصوامع= وخُبِّرنا أن ثلاثة نفرٍ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اتَّفقوا، فقال أحدهم: أمَّا أنا فأقوم الليل لا أنام! وقال أحدهم: أمَّا أنا فأصوم النهار فلا أفطر! وقال الآخر: أما أنا فلا آتي النساء! فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: ألم أُنَبَّأْ أنكم اتّفقتم على كذا؟ قالوا: بلى! يا رسول الله، وما أردنا إلا الخير! قال: لكني أقومُ وأنامَ، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، فمن رغب عن سُنَّتِي فليس منِّي= وكان في بعض القراءة: ( من رغب عن سنتك فليس من أمتك وقد ضل عن سواء السبيل ). (19) وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لأناسٍ من أصحابه: إن مَنْ قبلكم شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد الله عليهم، فهؤلاء إخوانهم في الدُّورِ والصوامع! (20) اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وحُجُّوا واعتمروا، واستقيموا يستقم لكم. (21)12345 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين "، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يومًا فذكر الناس، ثم قام ولم يزدهم على التَّخويف. فقال أناسٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا عشرة، منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون: ما خِفْنا إن لم نُحْدِث عملا! (22) فإنّ النصارى قد حرَّموا على أنفسهم، فنحن نحرِّم! فحرَّم بعضهم أكل اللَّحم والوَدَك، وأن يأكل بالنهار، (23) وحرَّم بعضهم النوم، وحرَّم بعضهم النساء. فكان عثمان بن مظعون ممَّن حرم النساءَ، وكان لا يدنو من أهله ولا يدنون منه. فأتت امرأتُه عائشةَ، وكان يقال لها: " الحولاء "، فقالت لها عائشة ومن عندها من نساءِ النبيّ صلى الله عليه وسلم: ما بالُك، يا حولاءُ متغيِّرةَ اللون لا تمتشِطين ولا تطيَّبين؟ فقالت: وكيف أتطيَّب وأمتشط، وما وقع عليّ زوجي، ولا رفع عني ثوبًا، منذ كذا وكذا! فجعلن يَضحكن من كلامها. فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهنّ يضحكن، فقال: ما يضحككن؟ قالت: يا رسول الله، الحولاءُ، سألتها عن أمرها فقالت: " ما رفع عني زوجي ثوبًا منذ كذا وكذا "! فأرسل إليه فدعاه فقال: ما بالك يا عثمان؟ قال: إني تركته لله لكي أتخلَّى للعبادة! وقَصَّ عليه أمره. وكان عثمان قد أراد أن يَجُبَّ نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقسمتُ عليك إلا رجعت فواقعتَ أهلك! فقال: يا رسول الله إني صائم! قال: أفطر! فأفطر، وأتى أهله. فرجعت الحولاءُ إلى عائشة قد اكتحلت وامتشطت وتطيَّبت. فضحكت عائشة، فقالت: ما بالك يا حولاء؟ فقالت: إنه أتاها أمس! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بالُ أقوامٍ حرَّموا النساء، والطعامَ، والنومَ؟ ألا إني أنام وأقوم، وأفطر وأصوم، وأنكح النساء، فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني! فنزلت: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا "، يقول لعثمان: لا تَجُبَّ نفسك. فإن هذا هو الاعتداء= وأمرهم أن يكفِّروا أيْمانهم، فقال: لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ .12346 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم "، قال: هم رهطٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: نقطَعُ مذاكيرَنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان! فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأرسل، إليهم، فذكر ذلك لهم فقالوا: نعم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكنيّ أصوم وأفطر، وأصلِّي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مِني.12347 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم "، وذلك أن رجالا من أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم، منهم عثمان بن مظعون، حرَّموا النساء واللحمَ على أنفسهم، وأخذوا الشِّفَار ليقطعوا مذاكيرهم، لكي تنقطع الشهوة ويتفرَّغوا لعبادة ربهم. فأخبر بذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: ما أردتم؟ فقالوا: أردنا أن تنقطع الشهوة عنا، (24) ونتفرغ لعبادة ربنا، ونلهو عن النساء! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم أومر بذلك، ولكني أمرت في ديني أن أتزوَّج النساء! فقالوا، نطيعُ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله تعالى ذكره: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين "، إلى قوله: الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ .12348 - حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: أراد رجالٌ، منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو، أن يتبتَّلوا، ويخصُوا أنفسهم، ويلبسوا المُسُوح، (25) فنزلت هذه الآية إلى قوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ = قال ابن جريج، عن عكرمة: أن عثمان بن مظعون، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالمًا مولى أبي حذيفة في أصحابٍ، تبتَّلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزَلوا النساءَ، ولبسوا المسوحَ، وحرَّموا طيبات الطعام واللِّباس إلا ما أكل ولبس أهل السِّيَاحة من بني إسرائيل، وهمُّوا بالإخصَاء، (26) وأجمعُوا لقيام الليلِ وصيام النهار، فنزلت: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحلّ الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين "، يقول: لا تَسِيروا بغير سُنّة المسلمين، (27) يريد: ما حرموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من صيام النهار وقيامِ الليل، وما همُّوا به من الإخصاء. (28) فلما نزلت فيهم، بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ لأنفسكم حقًّا، وإنَّ لأعيُنِكم حقًّا! صوموا وأفطروا، وصلّوا وناموا، فليس منا من ترك سُنَّتنا! فقالوا: اللهم أسلمنا واتَّبعنا ما أنزلت!12349 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد في قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم "، قال، قال أبي: ضَافَ عبدَ الله بن رواحة ضيفٌ، فانقلبَ ابن رواحة ولم يتعشَّ، فقال لأهله: ما عَشَّيْتِه؟ فقالت: كان الطعام قليلا فانتظرت أن تأتي! قال: فحبستِ ضيفي من أجلي! فطعامُك عليَّ حرام إن ذُقْته! فقالت هي: وهو عليّ حرام إن ذقته إن لم تذقه! وقال الضيف: هو عليَّ حرام إن ذقتُه إن لم تذُوقوه! فلما رأى ذلك قال ابن رواحة: قرِّبي طعامَكِ، كلوا بسم الله! وغدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أحسنتَ! فنزلت هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحلَّ الله لكم "، وقرأ حتى بلغ: لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ ، إذا قلت: " والله لا أذوقه "، فذلك العقد.12350 - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عثمان بن سَعْد قال، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس: أنّ رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنيّ إذا أصبتُ من اللحم انتشرتُ، وأخذتني شهوتي، فحرَّمت اللحم؟ فأنزل الله تعالى ذكره: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدُوا إن الله لا يحبُّ المعتدين ". (29)12351 - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة قال: هَمَّ أناسٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بترك النساء والخِصَاء، فأنزل الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم " الآية.* * *واختلفوا في معنى " الاعتداء " الذي قال تعالى ذكره: " ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبُّ المعتدين ".فقال بعضهم: " الاعتداء " الذي نهى الله عنه في هذا الموضع: هو ما كان عثمان بن مظعون همَّ به من جَبِّ نفسه، فنهى عن ذلك، وقيل له: " هذا هو الاعتداء ".وممن قال ذلك السدي.12352 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثني أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عنه. (30)* * *وقال آخرون: بل ذلك هو ما كان الجماعةُ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هَمُّوا به من تحريمِ النساء والطعام واللباس والنوم، فنهوا أن يفعلوا ذلك، وأن يستَنَّوا بغير سنة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم. وممن قال ذلك عكرمة.12353 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عنه. (31)* * *وقال بعضهم: بل ذلك نهيٌ من الله تعالى ذكره أن يتجاوَزَ الحلالَ إلى الحرام.ذكر من قال ذلك:12354 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن عاصم، عن الحسن: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحلّ الله لكم ولا تعتدوا "، قال: لا تعتدوا إلى ما حُرِّم عليكم.* * *وقد بينا أن معنى " الاعتداء "، تجاوز المرءِ ماله إلى ما ليس له في كل شيء، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. (32)قال أبو جعفر: وإذ كان ذلك كذلك= وكان الله تعالى ذكره قد عمَّ بقوله: " لا تعتدوا "، النهيَ عن العدوان كُلّه= كان الواجبُ أن يكون محكومًا لما عمَّه بالعُموم حتى يخصَّه ما يجب التسليم له. وليس لأحدٍ أن يتعدَّى حدَّ الله تعالى في شي من الأشياء مما أحلَّ أو حرَّم، فمن تعدَّاه فهو داخل في جملة من قال تعالى ذكره: " إن الله لا يحب المعتدين ".وغير مستحيل أن تكون الآية نزلت في أمر عثمان بن مظعون والرهطِ الذين همُّوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما همُّوا به من تحريم بعض ما أحلّ الله لهم على أنفسهم، ويكون مرادًا بحكمها كلُّ من كان في مثل مَعْناهم ممَّن حرّم على نفسه ما أحلَّ الله له، أو أحلَّ ما حرّم الله عليه، أو تجاوز حدًّا حدَّه الله له. وذلك أن الذين همُّوا بما همُّوا به من تحريم بعض ما أحلَّ لهم على أنفسهم، إنما عوتبوا على ما همُّوا به من تجاوزهم ما سَنَّ لهم وحدَّ، إلى غيره.---------------الهوامش :(15) انظر تفسير"الطيبات" فيما سلف ص: 84 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.(16) الأثر: 12336-"أبو حصين": "عبد الله بن أحمد بن يونس" هو: "عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي" ، شيخ الطبري ، روى عن أبيه ، وروى هو وأبوه عن عبثر بن القاسم. روى عنه الترمذي والنسائي وأبو حاتم ، وغيرهم ، ثقة صدوق. مترجم في التهذيب.و"عبثر بن القاسم الزبيدي" ، "أبو زبيد". ثقة صدوق. وقال ابن معين: "ثقة سنيّ". مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/94 ، وابن أبي حاتم 3/2/ 43. وكان في المخطوطة وحدها: "عبثر بن زبيدة" ، وهو خطأ محض.و"حصين" ، هو"حصين بن عبد الرحمن السلمي" ، مضى برقم: 579 ، 2986.(17) "الديار" جمع"دير" ، والذي ذكره أصحاب معاجم اللغة أن جمعه"أديار" ، واقتصروا على هذا الجمع ، وذكر ياقوت في معجم البلدان (دير) ، جموعًا كثيرًا ، ليس هذا منها ، ولكنه نقل أن الجوهري قال: "دير النصارى أصله الدار" فإن كان ذلك كذلك ، فجمعه على"ديار" لا شك في صحته وقياسه. وانظر"الدور" أيضا في الأثر رقم: 12344. ص: 516 ، تعليق: 2.(18) في المطبوعة: "أن يتخلوا من اللباس" ، وهو كلام ملفق ، وفي المخطوطة: "ويتحلوا من اللبسا" ، غير مبينة ، صوابها ما أثبت من الدر المنثور 2: 308.(19) في المطبوعة: "عن سواء السبيل" ، بزيادة"عن" ، وليست في المخطوطة.(20) "الدور" ، يعني جمع"دير" ، وقد ذكرت القول فيه في ص: 515 ، تعليق: 1.(21) الأثر: 12344-"بشر بن معاذ العقدي" مضى برقم: 352 ، 2616.أما "جامع بن حماد" ، فلم أجد له ترجمة فيما بين يدي من المراجع. وهذه أول مرة يأتي إسناد بشر بن معاذ في روايته عن يزيد بن زريع بواسطة"جامع بن حماد". أما إسناد: "بشر بن معاذ ، عن يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة" فهو إسناد دار في التفسير من أوله إلى هذا الموضع ، برواية"بشر بن معاذ" عن"يزيد بن زريع" مباشرة.وسيأتي هذا الإسناد الجديد بعد هذا مرارا ، برقم: 12367 ، 12423 ، 12507 ، 12524. وفي هذا الإسناد الأخير ، نص صريح على أنه روى الخبر مرة بواسطة"جامع بن حماد" هذا ، ثم رواه مرة أخرى عن"يزيد بن زيع" مباشرة.(22) في المطبوعة: "ما حقنا" ، وفي المخطوطة: "ما حفنا" ، وصواب قراءته ما أثبت. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفهم عقاب الله ، فقالوا: لم نبلغ من الخوف مبلغًا يرضاه ربنا ، إن لم نعمل عملا يدل على شدة المخافة.(23) "الودك" (بفتحتين): دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه.(24) في المطبوعة: "أن نقطع" ، وأثبت ما في المخطوطة.(25) "المسوح" جمع"مسح" (بكسر فسكون): وهو كساء من شعر يلبسه الرهبان.(26) "الإخصاء" ، يعني الخصاء ، وانظر ما كتبته آنفا في 9: 215 ، تعليق: 1 ، وإنكار أهل اللغة لها ، وإتيانها في آثار كبيرة ، يضم إليها هذا الأثر في موضعين. وكان في المطبوعة هنا"بالاختصاء" ، وأثبت ما في المخطوطة ، ولكن ستأتي مرة أخرى ، وتتفق فيها المطبوعة والمخطوطة: "الاختصاء".(27) في المطبوعة: "لا تستنوا بغير سنة المسلمين" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهي غير منقوطة. وهذا صواب قراءتها.(28) في المطبوعة والمخطوطة: "هموا له" ، وكأن الصواب ما أثبت.(29) الأثر: 12350- هذا الأثر أخرجه الترمذي في كتاب التفسير بإسناده ولفظه ، ثم قال: "هذا حديث حسن غريب. ورواه بعضهم من غير حديث عثمان بن سعد مرسلا ، ليس فيه: عن ابن عباس ، ورواه خالد الحذاء ، عن عكرمة ، مرسلا" ، يعني الترمذي الأثر التالي: 12351.و"عثمان بن سعد التميمي ، الكاتب المعلم" ، ثقة. مضى برقم: 2155. وكان في المطبوعة هنا"عثمان بن سعيد" ، وهو خطأ محض ، وكان في المخطوطة مثله ، إلا أنه ضرب على نقطتي الياء ، وأراد وصل العين بالدال ، فأخطأ الناشر في قراءة ذلك.هذا ، وانظر ما جاء من الأخبار في الخصاء والتبتل في صحيح البخاري (الفتح 9: 100- 103) ، وما علق عليه الحافظ ابن حجر. ثم ما جاء فيه أيضا (الفتح 8: 207) ، وتفسير ابن كثير 3: 213- 217 ، وطبقات ابن سعد 3/1/286- 288 في ترجمة"عثمان بن مظعون".(30) في المطبوعة: "عنه به" في الموضعين ، وأثبت ما في المخطوطة ، بحذفها.(31) في المطبوعة: "عنه به" في الموضعين ، وأثبت ما في المخطوطة ، بحذفها.(32) انظر تفسير"الاعتداء" فيما سلف ص: 489 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
وَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلًۭا طَيِّبًۭا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤْمِنُونَ ﴿88﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، لهؤلاء المؤمنين الذين نهَاهم أن يحرِّموا طيبات ما أحلّ الله لهم: كُلوا، أيها المؤمنون، من رزق الله الذي رَزقكم وأحله لكم، حلالا طيِّبًا، (33) كما:-12355 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: " وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبًا " يعني: ما أحل الله لهم من الطعام.* * *وأما قوله: " واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون "، فإنه يقول: وخافوا، أيها المؤمنون، أن تعتدوا في حدوده، فتُحلُّوا ما حُرِّم عليكم، وتُحرِّموا ما أحِلَّ لكم، واحذروه في ذلك أن تخالفوه، فينزل بكم سَخَطُه، أو تستوجبوا به عقوبته (34) =" الذي أنتم به مؤمنون "، يقول: الذي أنتم بوحدانيّته مقرُّون، وبربُوبيته مصدِّقون.-----------------الهوامش :(33) انظر تفسير"حلال طيب" فيما سلف 3: 300 ، 301(34) انظر تفسير"اتقى" فيما سلف من فهارس اللغة (وقى).
لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَٰنِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَٰنَ ۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٍۢ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيْمَٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَٱحْفَظُوٓا۟ أَيْمَٰنَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿89﴾
التفسير:
لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكمالقول في تأويل قوله تعالى : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم يقول تعالى ذكره للذين كانوا حرموا على أنفسهم الطيبات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا حرموا ذلك بأيمان حلفوا بها , فنهاهم عن تحريمها , وقال لهم : لا يؤاخذكم ربكم باللغو في أيمانكم . كما : 9642 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قال : لما نزلت : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم في القوم الذين كانوا حرموا النساء واللحم على أنفسهم , قالوا : يا رسول الله , كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم الآية . فهذا يدل على ما قلنا من أن القوم كانوا حرموا على أنفسهم بأيمان حلفوا بها , فنزلت هذه الآية بسببهم .ولكن يؤاخذكمواختلفت القراء في قراءة ذلك , فقرأته عامة قراء الحجاز وبعض البصريين : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان بتشديد القاف , بمعنى : وكدتم الأيمان ورددتموها ; وقراء الكوفيين : " بما عقدتم الأيمان " بتخفيف القاف , بمعنى : أوجبتموها على أنفسكم , وعزمت عليها قلوبكم . وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ بتخفيف القاف , وذلك أن العرب لا تكاد تستعمل فعلت في الكلام , إلا فيما يكون فيه تردد مرة بعد مرة , مثل قولهم : شددت على فلان في كذا إذا كرر عليه الشد مرة بعد أخرى , فإذا أرادوا الخبر عن فعل مرة واحدة قيل : شددت عليه بالتخفيف . وقد أجمع الجميع لا خلاف بينهم أن اليمين التي تجب بالحنث فيها الكفارة تلزم بالحنث في حلف مرة واحدة وإن لم يكررها الحالف مرات , وكان معلوما بذلك أن الله مؤاخذ الحالف العاقد قلبه على حلفه وإن لم يكرره ولم يردده ; وإذا كان ذلك كذلك لم يكن لتشديد القاف من عقدتم وجه مفهوم . فتأويل الكلام إذن : لا يؤاخذكم الله أيها المؤمنون من أيمانكم بما لغوتم فيه , ولكن يؤاخذكم بما أوجبتموه على أنفسكم منها وعقدت عليه قلوبكم . وقد بينا اليمين التي هي لغو والتي الله مؤاخذ العبد بها , والتي فيها الحنث والتي لا حنث فيها , فيما مضى من كتابنا هذا فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع .بما عقدتم الأيمانوأما قوله : بما عقدتم الأيمان فإن هنادا : 9643 - حدثنا قال : ثنا وكيع , عن سفيان , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان قال : بما تعمدتم . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله . 9644 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن الحسن : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان يقول : ما تعمدت فيه المأثم , فعليك فيه الكفارة .فكفارته إطعام عشرة مساكينالقول في تأويل قوله تعالى . فكفارته إطعام عشرة مساكين اختلف أهل التأويل في الهاء التي في قوله : فكفارته على ما هي عائدة , ومن ذكر ما ؟ فقال بعضهم : هي عائدة على " ما " التي في قوله : بما عقدتم الأيمان ذكر من قال ذلك : 9645 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن عوف , عن الحسن في هذه الآية : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم قال : هو أن تحلف على الشيء وأنت يخيل إليك أنه كما حلفت وليس كذلك , فلا يؤاخذكم الله , فلا كفارة , ولكن المؤاخذة والكفارة فيما حلفت عليه على علم . 9646 - حدثنا ابن حميد , وابن وكيع , قالا : ثنا جرير , عن منصور , عن مغيرة , عن الشعبي , قال : اللغو ليس فيه كفارة ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان قال : ما عقد فيه يمينه فعليه الكفارة . 9647 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حصين , عن أبي مالك , قال : الأيمان ثلاث : يمين تكفر , ويمين لا تكفر , ويمين لا يؤاخذ بها صاحبها . فأما اليمين التي تكفر , فالرجل يحلف على الأمر لا يفعله ثم يفعله , فعليه الكفارة . وأما اليمين التي لا تكفر : فالرجل يحلف على الأمر يتعمد فيه الكذب , فليس فيه كفارة . وأما اليمين التي لا يؤاخذ بها صاحبها : فالرجل يحلف على الأمر يرى أنه كما حلف عليه فلا يكون كذلك , فليس عليه فيه كفارة , وهو اللغو . 9648 - حدثنا يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا ابن أبي ليلى , عن عطاء , قال : قالت عائشة : لغو اليمين ما لم يعقد عليه الحالف قلبه . 9649 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا هشام , قال : ثنا حماد , عن إبراهيم , قال : ليس في لغو اليمين كفارة . 9650 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني يونس , عن ابن شهاب , أن عروة حدثه أن عائشة قالت : أيمان الكفارة كل يمين حلف فيها الرجل على جد من الأمور في غضب أو غيره ليفعلن ليتركن , فذلك عقد الأيمان التي فرض الله فيها الكفارة , وقال تعالى ذكره : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان . 9651 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني معاوية بن صالح , عن يحيى بن سعيد , وعن علي بن أبي طلحة , قالا : ليس في لغو اليمين كفارة . 9652 - حدثنا بشر , قال : ثنا جامع بن حماد , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن الحسن : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان يقول : ما تعمدت فيه المأثم فعليك فيه الكفارة . قال : وقال قتادة : أما اللغو فلا كفارة فيه . * - حدثنا هناد , قال : ثنا عبدة , عن سعيد , عن قتادة , عن الحسن , قال : لا كفارة في لغو اليمين . 9653 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عمرو العنقزي , عن أسباط , عن السدي : ليس في لغو اليمين كفارة . فمعنى الكلام على هذا التأويل : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم , ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان , فكفارة ما عقدتم منها : إطعام عشرة مساكين . وقال آخرون : الهاء في قوله : فكفارته عائدة على اللغو , وهي كناية عنه . قالوا : وإنما معنى الكلام : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم إذا كفرتموه , ولكن يؤاخذكم إذا عقدتم الأيمان فأقمتم على المضي عليه بترك الحنث والكفارة فيه , والإقامة على المضي عليه غير جائزة لكم , فكفارة اللغو منها إذا حنثتم فيه : إطعام عشرة مساكين . ذكر من قال ذلك : 9654 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس قوله : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم قال : هو الرجل يحلف على أمر ضرار أن يفعله فلا يفعله فيرى الذي هو خير منه , فأمره الله أن يكفر عن يمينه ويأتي هو خير . وقال مرة أخرى قوله : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم إلى قوله : بما عقدتم الأيمان قال : واللغو من اليمين هي التي تكفر لا يؤاخذ الله بها , ولكن من أقام على تحريم ما أحل الله له ولم يتحول عنه ولم يكفر عن يمينه , فتلك التي يؤاخذ بها . 9655 - حدثنا هناد , قال : ثنا حفص بن غياث , عن داود بن أبي هند , عن سعيد بن جبير , قوله : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم قال : هو الذي يحلف على المعصية فلا يفي , فيكفر . 9656 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا داود , عن سعيد بن جبير : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم قال : هو الرجل يحلف على المعصية فلا يؤاخذها الله تعالى , يكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان الرجل يحلف على المعصية ثم يقيم عليها , فكفارته إطعام عشرة مساكين . 9657 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا داود , عن سعيد بن جبير , قال في لغو اليمين : هي اليمين في المعصية , فقال : أولا تقرأ فتفهم ؟ قال : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان قال : فلا يؤاخذه بالإلغاء , ولكن يؤاخذه بالمقام عليها . قال : وقال : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم . * - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا أبو بشر , عن سعيد بن جبير , في قوله : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم قال : هو الرجل يحلف على المعصية فلا يؤاخذه الله بتركها إن تركها . قلت : وكيف يصنع ؟ قال : يكفر يمينه , ويترك المعصية . 9658 - حدثني يحيى بن جعفر , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك , في قوله : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم قال : اليمين المكفرة . 9659 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو الأحوص , عن مغيرة , عن إبراهيم , قال : اللغو : يمين لا يؤاخذ بها صاحبها , وفيها كفارة . والذي هو أولى عندي بالصواب في ذلك , أن تكون الهاء في قوله : فكفارته عائدة على " ما " التي في قوله : بما عقدتم الأيمان لما قدمنا فيما مضى قبل أن من لزمته في يمينه كفارة وأوخذ بها , غير جائز أن يقال لمن قد أوخذ : لا يؤاخذه الله باللغو ; وفي قوله تعالى : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم دليل واضح أنه لا يكون مؤاخذ بوجه من الوجوه من أخبرنا تعالى ذكره أنه غير مؤاخذ . فإن ظن ظان أنه إنما عنى تعالى ذكره بقوله : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم بالعقوبة عليها في الآخرة إذا حنثتم وكفرتم , لا أنه لا يؤاخذهم بها في الدنيا بتكفير ; فإن إخبار الله تعالى ذكره وأمره ونهيه في كتابه على الظاهر العام عندنا بما قد دللنا على صحة القول به في غير هذا الموضع فأغنى عن إعادته , دون الباطن العام الذي لا دلالة على خصوصه في عقل ولا خبر ولا دلالة من عقل ولا خبر , أنه عنى تعالى ذكره بقوله : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم بعض معاني المؤاخذة دون جميعها . وإذ كان ذلك كذلك , وكان من لزمته كفارة في يمين حنث فيها مؤاخذا بها بعقوبة في ماله عاجلة , كان معلوما أنه غير الذي أخبرنا تعالى ذكره أنه لا يؤاخذه بها . وإذا كان الصحيح من التأويل في ذلك ما قلنا بالذي عليه دللنا , فمعنى الكلام إذن : لا يؤاخذكم الله أيها الناس بلغو من القول والأيمان إذا لم تتعمدوا بها معصية الله تعالى ولا خلاف أمره ولم تقصدوا بها إثما , ولكن يؤاخذكم بما تعمدتم به الإثم وأوجبتموه على أنفسكم وعزمت عليه قلوبكم , ويكفر ذلك عنكم , فيغطي على سيئ ما كان منكم من كذب وزور قول ويمحوه عنكم , فلا يتبعكم به ربكم ; إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم .من أوسط ما تطعمون أهليكمالقول في تأويل قوله تعالى : من أوسط ما تطعمون أهليكم يعني تعالى ذكره بقوله : من أوسط ما تطعمون أهليكم أعدله . كما : 9660 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : سمعت عطاء يقول في هذه الآية : من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم قال عطاء : أوسطه : أعدله , واختلف أهل التأويل في معنى قوله : من أوسط ما تطعمون أهليكم فقال بعضهم : معناه : من أوسط ما يطعم من أجناس الطعام الذي يقتاته أهل بلد المكفر أهاليهم . ذكر من قال ذلك : 9661 - حدثنا هناد , قال : أخبرنا شريك , عن عبد الله بن حنش , عن الأسود , قال : سألته عن : أوسط ما تطعمون أهليكم قال : الخبز والتمر والزيت والسمن , وأفضله اللحم . * - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن عبد الله بن حنش , قال : سألت الأسود بن يزيد , عن ذلك , فقال : الخبز والتمر . زاد هناد في حديثه : الزيت , قال : وأحسبه الخل . 9662 - حدثنا هناد وابن وكيع , قالا : ثنا أبو الأحوص , عن عاصم الأحول , عن ابن سيرين , عن ابن عمر في قوله : أوسط ما تطعمون أهليكم قال : من أوسط ما يطعم أهله الخبز والتمر , والخبز والسمن والخبز والزيت , ومن أفضل ما يطعمهم : الخبز واللحم . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا محمد بن فضيل , عن ليث , عن ابن سيرين , عن ابن عمر : أوسط ما تطعمون أهليكم الخبز واللحم , والخبز والسمن , والخبز والجبن , والخبز والخل . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن عبد الله بن حنش , قال : سألت الأسود بن يزيد عن أوسط ما تطعمون أهليكم ؟ قال : الخبز والتمر . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا يحيى , قال : ثنا سفيان , قال : ثنا عبد الله بن حنش , قال : سألت الأسود بن يزيد , فذكر مثله . 9663 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سعيد بن عبد الرحمن , عن محمد بن سيرين , عن عبيدة السلماني : أوسط ما تطعمون أهليكم قال : الخبز والسمن . * - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سعيد بن عبد الرحمن , عن ابن سيرين , قال : سألت عبيدة عن ذلك , فذكر مثله . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أزهر , قال : أخبرنا ابن عون , عن محمد بن سيرين , عن عبيدة : أوسط ما تطعمون أهليكم الخبز والسمن . 9664 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن يزيد بن إبراهيم , عن ابن سيرين , قال : كانوا يقولون : أفضله الخبز واللحم , وأوسطه : الخبز والسمن , وأخسه : الخبز والتمر . 9665 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن الربيع , عن الحسن , قال : خبز ولحم , أو خبز وسمن , أو خبز ولبن . 9666 - حدثنا هناد وابن وكيع , قالا : ثنا عمر بن هارون , عن أبي مصلح , عن الضحاك في قوله : من أوسط ما تطعمون أهليكم قال : الخبز واللحم والمرقة . 9667 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا زائدة , عن يحيى بن حبان الطائي , قال : كنت عند شريح , فأتاه رجل , فقال : إني حلفت على يمين فأثمت ! قال شريح : ما حملك على ذلك ؟ قال : قدر علي , فما أوسط ما أطعم أهلي ؟ قال له شريح . الخبز والزيت والخل طيب . قال : فأعاد عليه , فقال له شريح ذلك ثلاث مرار لا يزيده شريح على ذلك . فقال له : أرأيت إن أطعمت الخبز واللحم ؟ قال : ذاك أرفع طعام أهلك وطعام الناس . 9668 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو خالد الأحمر , عن حجاج , عن أبي إسحاق , عن الحارث , عن علي , قال في كفارة اليمين : يغديهم ويعشيهم خبزا وزيتا , أو خبزا وسمنا . أو خلا وزيتا . 9669 - حدثنا هناد وابن وكيع , قالا . ثنا أبو أسامة , عن زبرقان , عن أبي رزين : من أوسط ما تطعمون أهليكم خبز وزيت وخل . 9670 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبد الأعلى , عن هشام بن محمد , قال : أكلة واحدة خبز ولحم . قال : وهو من أوسط ما تطعمون أهليكم , وإنكم لتأكلون الخبيص والفاكهة . 9671 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبد الأعلى , وحدثنا هناد , قال : ثنا أبو أسامة , عن هشام , عن الحسن قال في كفارة اليمين : يجزيك أن تطعم عشرة مساكين أكلة واحدة خبزا ولحما , فإن لم تجد فخبزا وسمنا ولبنا , فإن لم تجد فخبزا وخلا وزيتا حتى يشبعوا . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن نمير , عن زبرقان , قال : سألت أبا رزين , عن كفارة اليمين ما يطعم ؟ قال : خبزا وخلا وزيتا من أوسط ما تطعمون أهليكم , وذلك قدر قوتهم يوما واحدا . ثم اختلف قائلو ذلك في مبلغه . فقال بعضهم : مبلغ ذلك نصف صاع من حنطة . أو صاع من سائر الحبوب غيرها . ذكر من قال ذلك : 9672 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن عبد الله بن عمرو بن مرة , عن أبيه , عن إبراهيم , عن عمر , قال : إني أحلف على اليمين ثم يبدو لي , فإذا رأيتني قد فعلت ذلك فأطعم عشرة مساكين لكل مسكين مدان من حنطة . 9673 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو معاوية , ويعلى عن الأعمش , عن شقيق , عن يسار بن نمير , قال : قال عمر : إني أحلف أن لا أعطي أقواما ثم يبدو لي أن أعطيهم , فإذا رأيتني فعلت ذلك , فأطعم عني عشرة مساكين بين كل مسكينين صاعا من بر أو صاعا من تمر . 9674 - حدثنا هناد ومحمد بن العلاء قالا : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع قال : ثنا أبي , عن ابن أبي ليلى , عن عمرو بن مرة , عن عبد الله بن سلمة , عن علي , قال : كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين , لكل مسكين نصف صاع من حنطة . 9675 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو الأحوص , عن مغيرة , عن إبراهيم : من أوسط ما تطعمون أهليكم نصف صاع بر لكل مسكين . 9676 - حدثنا هناد , قال : ثنا حفص عن عبد الكريم الجزري , قال : قلت لسعيد بن جبير : أجمعهم ؟ قال : لا , أعطهم مدين من حنطة , مدا لطعامه ومدا لإدامه . * - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن عبد الكريم الجزري , قال : قلت لسعيد , فذكر نحوه . 9677 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو زيد , عن حصين , قال : سألت الشعبي , عن كفارة اليمين , فقال : مكوكين : مكوكا لطعامه , ومكوكا لإدامه . 9678 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا هشام , عن عطاء , عن ابن عباس , قال : لكل مسكين مدين . * - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو أسامة , عن هشام , عن عطاء , عن ابن عباس , قال : لكل مسكين مدين من بر في كفارة اليمين . 9679 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : مدان من طعام لكل مسكين . 9680 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا سعد بن يزيد أبو سلمة , قال : سألت جابر بن زيد عن إطعام المسكين في كفارة اليمين , فقال : أكلة . قلت : فإن الحسن يقول : مكوك بر , ومكوك تمر , فما ترى في مكوك بر ؟ فقال : إن مكوك بر لا , أو مكوك تمر لا . قال يعقوب : قال ابن علية وقال أبو سلمة بيده , كأنه يراه حسنا , وقلب أبو سلمة يده . 9681 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو أسامة , عن هشام , عن الحسن : أنه كان يقول في كفارة اليمين فيما وجب فيه الطعام : مكوك تمر , ومكوك بر لكل مسكين . 9682 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , قال : ثنا أبي , عن الربيع , عن الحسن قال , قال : إن جمعهم أشبعهم إشباعة واحدة , وإن أعطاهم أعطاهم مكوكا مكوكا . * - حدثنا يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن يونس , قال : كان الحسن يقول : فإن أعطاهم في أيديهم فمكوك بر ومكوك تمر . 9683 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبيد الله , عن إسرائيل , عن السدي , عن أبي مالك في كفارة اليمين : نصف صاع لكل مسكين . 9684 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن علية , عن أبيه , عن الحكم , في قوله : إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم قال : إطعام نصف صاع لكل مسكين . 9685 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا زائدة , عن مغيرة , عن إبراهيم , قال : أوسط ما تطعمون أهليكم نصف صاع . 9686 - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد , قال : ثنا عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله : فكفارته إطعام عشرة مساكين قال : الطعام لكل مسكين : نصف صاع من تمر أو بر . وقال آخرون : بل مبلغ ذلك من كل شيء من الحبوب مد واحد . ذكر من قال ذلك : 9687 - حدثنا هناد وأبو كريب , قالا : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن هشام الدستوائي , عن يحيى بن أبي كثير , عن أبي سلمة , عن زيد بن ثابت , أنه قال في كفارة اليمين : مد من حنطة لكل مسكين . 9688 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو معاوية , عن داود بن أبي هند , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال في كفارة اليمين : مد من حنطة لكل مسكين ربعه إدامه . * - حدثنا هناد وأبو كريب , قالا : ثنا وكيع , عن سفيان , عن داود بن أبي هند , عن عكرمة , عن ابن عباس , نحوه . 9689 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جرير , عن ابن عجلان , عن نافع , عن ابن عمر : إطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد . * - حدثنا هناد وأبو كريب , قالا : ثنا وكيع , قال : ثنا العمري , عن نافع , عن ابن عمر , قال : مد من حنطة لكل مسكين . 9690 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو الأحوص , عن يحيى بن سعيد , عن نافع , عن ابن عمر : أنه كان يكفر اليمين بعشرة أمداد بالمد الأصغر . 9691 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن مهدي , عن حماد بن سلمة , عن عبيد الله , عن القاسم وسالم في كفارة اليمين : ما يطعم ؟ قالا : مد لكل مسكين . 9692 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو الأحوص , عن يحيى بن سعيد , عن سليمان بن يسار , قال : كان الناس إذا كفر أحدهم , كفر بعشرة أمداد بالمد الأصغر . 9693 - حدثنا هناد , قال : ثنا عمر بن هارون , عن ابن جريج , عن عطاء في قوله : إطعام عشرة مساكين قال : عشرة أمداد لعشرة مساكين . 9694 - حدثنا بشر , قال : ثنا جامع بن حماد , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن الحسن : إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم قال : كان يقال : البر والتمر , لكل مسكين مد من تمر ومد من بر . 9695 - حدثنا أبو كريب وهناد , قالا : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن مالك بن مغول , عن عطاء , قال : مد لكل مسكين . 9696 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : من أوسط ما تطعمون أهليكم قال : من أوسط ما تعولونهم . قال : وكان المسلمون رأوا أوسط ذلك مدا بمد رسول الله من حنطة . قال ابن زيد : هو الوسط مما يقوت به أهله , ليس بأدناه ولا بأرفعه . 9697 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم , عن يحيى بن سعيد , عن سعيد بن المسيب : من أوسط ما تطعمون أهليكم قال : مد . وقال آخرون : بل ذلك غداء وعشاء . ذكر من قال ذلك : 9698 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو خالد الأحمر , عن حجاج , عن أبي إسحاق , عن الحارث , عن علي , قال في كفارة اليمين : يغديهم ويعشيهم . 9699 - حدثنا هناد , قال : ثنا عمر بن هارون , عن موسى بن عبيدة , عن محمد بن كعب القرظي في كفارة اليمين قال : غداء وعشاء . 9700 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن يونس , عن الحسن , قال : يغديهم ويعشيهم . وقال آخرون : إنما عنى بقوله : من أوسط ما تطعمون أهليكم من أوسط ما يطعم المكفر أهله . قال : إن كان ممن يشبع أهله أشبع المساكين العشرة , وإن كان ممن لا يشبعهم لعجزه عن ذلك أطعم المساكين على قدر ما يفعل من ذلك بأهله في عسره ويسره . ذكر من قال ذلك : 9701 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قوله : فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم قال : إن كنت تشبع أهلك فأشبع المساكين , وإلا فعلى ما تطعم أهلك بقدره . * - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم وهو أن تطعم كل مسكين من نحو ما تطعم أهلك من الشبع , أو نصف صاع من بر . 9702 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , قال : ثنا أبي , عن إسرائيل , عن جابر , عن عامر , عن ابن عباس , قال : من عسرهم ويسرهم . 9703 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , عن إسرائيل , عن جابر , عن عامر , قال : من عسرهم ويسرهم . 9704 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن مهدي , قال : ثنا سفيان , عن سليمان بن أبي المغيرة , عن سعيد بن جبير : من أوسط ما تطعمون أهليكم قال : قوتهم . * - حدثنا هناد وأبو كريب , قالا : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن سليمان العبسي , عن سعيد بن جبير , في قوله : من أوسط ما تطعمون أهليكم قال : قوتهم . 9705 - حدثنا أبو حميد , قال : ثنا حكام بن سلم , قال : ثنا عنبسة , عن سليمان بن عبيد العبسي , عن سعيد بن جبير في قوله : من أوسط ما تطعمون أهليكم قال : كانوا يفضلون الحر على العبد والكبير على الصغير , فنزلت : من أوسط ما تطعمون أهليكم . * - حدثنا الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال . ثنا قيس بن الربيع , عن سالم الأفطس , عن سعيد بن جبير , قال : كانوا يطعمون الكبير ما لا يطعمون الصغير , ويطعمون الحر ما لا يطعمون العبد , فقال : من أوسط ما تطعمون أهليكم . 9706 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا هشيم , قال : ثنا جويبر , عن الضحاك , في قوله : من أوسط ما تطعمون أهليكم قال : إن كنت تشبع أهلك فأشبعهم , وإن كنت لا تشبعهم , فعلى قدر ذلك . * - حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال : ثنا شيبان النحوي , عن جابر , عن عامر , عن ابن عباس : من أوسط ما تطعمون أهليكم قال : من عسرهم ويسرهم . 9707 - حدثنا يونس , قال : ثنا سفيان عن سليمان , عن سعيد بن جبير , قال : قال ابن عباس : كان الرجل يقوت بعض أهله قوتا دونا وبعضهم قوتا فيه سعة , فقال الله : من أوسط ما تطعمون أهليكم الخبز والزيت . وأولى الأقوال في تأويل قوله : من أوسط ما تطعمون أهليكم عندنا قول من قال : من أوسط ما تطعمون أهليكم في القلة والكثرة . وذلك أن أحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكفارات كلها بذلك وردت , وذلك كحكمه صلى الله عليه وسلم في كفارة الحلق من الأذى بفرق من طعام بين ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع , وكحكمه في كفارة الوطء في شهر رمضان بخمسة عشر صاعا بين ستين مسكينا لكل مسكين ربع صاع . ولا يعرف له صلى الله عليه وسلم شيء من الكفارات أمر بإطعام خبز وإدام ولا بغداء وعشاء . فإذ كان ذلك كذلك , وكانت كفارة اليمين إحدى الكفارات التي تلزم من لزمته , كان سبيلها سبيل ما تولى الحكم فيه صلى الله عليه وسلم من أن الواجب على مكفرها من الطعام مقدار للمساكين العشرة , محدود بكيل دون جمعهم على غداء أو عشاء مخبوز مأدوم , إذ كانت سنته صلى الله عليه وسلم في سائر الكفارات كذلك . فإذ كان صحيحا ما قلنا بما به استشهدنا , فبين أن تأويل الكلام : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان , فكفارته إطعام عشرة مساكين من أعدل إطعامكم أهليكم , وأن " ما " التي في قوله : من أوسط ما تطعمون أهليكم بمعنى المصدر , لا بمعنى الأسماء . وإذا كان ذلك كذلك , فأعدل أقوات الموسع على أهله مدان , وذلك نصف صاع في ربعه إدامه , وذلك أعلى ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم في كفارة في إطعام مساكين , وأعدل أقوات المقتر على أهله مد وذلك ربع صاع , وهو أدنى ما حكم به في كفارة في إطعام مساكين . وأما الذين رأوا إطعام المساكين في كفارة اليمين الخبز واللحم وما ذكرنا عنهم قبل , والذين رأوا أن يغدوا أو يعشوا , والذين رأوا أن يغدوا ويعشوا , فإنهم ذهبوا إلى تأويل قوله : من أوسط ما تطعمون أهليكم من أوسط الطعام الذي تطعمونه أهليكم , فجعلوا " ما " التي في قوله : من أوسط ما تطعمون أهليكم اسما لا مصدرا , فأوجبوا على المكفر إطعام المساكين من أعدل ما يطعم أهله من الأغذية . وذلك مذهب لولا ما ذكرنا من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكفارات غيرها التي يجب إلحاق أشكالها بها , وأن كفارة اليمين لها نظيرة وشبيهة يجب إلحاقها بها .أو كسوتهمالقول في تأويل قوله تعالى : أو كسوتهم يعني تعالى ذكره بذلك : فكفارة ما عقدتم من الأيمان إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم . يقول إما أن تطعموهم أو تكسوهم , والخيار في ذلك إلى المكفر . واختلف أهل التأويل في الكسوة التي عنى الله بقوله : أو كسوتهم فقال بعضهم : عنى بذلك كسوة ثوب واحد . ذكر من قال ذلك : 9708 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن علية , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في كسوة المساكين في كفارة اليمين : أدناه ثوب . * - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : أدناه ثوب , وأعلاه ما شئت . 9709 - حدثنا هناد وأبو كريب , قالا : ثنا وكيع , عن الربيع , عن الحسن , قال في كفارة اليمين في قوله : أو كسوتهم ثوب لكل مسكين . 9710 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن مهدي , عن وهيب , عن ابن طاوس , عن أبيه : أو كسوتهم قال : ثوب . * - حدثنا هناد , قال : ثنا عبيدة , وحدثنا ابن حميد وابن وكيع , قالا : ثنا جرير جميعا , عن منصور , عن مجاهد , في قوله : أو كسوتهم قال : ثوب . 9711 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن مجاهد , في قوله : أو كسوتهم قال : ثوب ثوب . قال منصور : القميص , أو الرداء , أو الإزار . 9712 - حدثنا أبو كريب وهناد , قالا : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن إسرائيل , عن جابر , عن أبي جعفر , في قوله : أو كسوتهم قال : كسوة الشتاء والصيف ثوب ثوب . 9713 - حدثنا هناد , قال : قال ثنا عمر بن هارون , عن ابن جريج , عن عطاء في قوله : أو كسوتهم قال : ثوب ثوب لكل مسكين . 9714 - حدثنا هناد , قال : ثنا عبدة بن سلمان , عن سعيد بن أبي عروبة , عن أبي معشر , عن إبراهيم , في قوله : أو كسوتهم قال : إذا كساهم ثوبا ثوبا أجزأ عنه . 9715 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا إسحاق بن سليمان الرازي . عن ابن سنان , عن حماد , قال : ثوب أو ثوبان , وثوب لا بد منه . 9716 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن عطاء الخراساني , عن ابن عباس قال : ثوب ثوب لكل إنسان , وقد كانت العباءة تقضي يومئذ من الكسوة . * - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , عن معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : أو كسوتهم قال : الكسوة : عباءة لكل مسكين أو شملة . 9717 - حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال . ثنا إسرائيل . عن السدي , عن أبي مالك , قال : ثوب , أو قميص , أو رداء , أو إزار . 9718 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قال : إن اختار صاحب اليمين الكسوة , كسا عشرة أناسي كل إنسان عباءة . 9719 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : سمعت عطاء يقول في قوله : أو كسوتهم الكسوة : ثوب ثوب . وقال بعضهم : عنى بذلك : الكسوة ثوبين ثوبين . ذكر من قال ذلك : 9720 - حدثنا هناد , قال : ثنا عبيدة , وحدثنا ابن وكيع , قال . ثنا أبو معاوية جميعا , عن داود بن أبي هند , عن سعيد بن المسيب , في قوله : أو كسوتهم قال : عباءة وعمامة . * - حدثنا هناد وأبو كريب , قالا : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال . ثنا أبي . عن سفيان , عن داود بن أبي هند , عن سعيد بن المسيب , قال : عمامة يلف بها رأسه , وعباءة يلتحف بها . 9721 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري , عن أشعث , عن الحسن وابن سيرين , قالا : ثوبين ثوبين . 9722 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبد الأعلى , عن يونس , عن الحسن , قال : ثوبين . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن يونس , عن الحسن , مثله . * - حدثنا أبو كريب وهناد , قالا : ثنا وكيع , عن سفيان , عن يونس بن عبيد , عن الحسن , قال : ثوبان ثوبان لكل مسكين . 9723 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن المبارك , عن عاصم الأحول , عن ابن سيرين , عن أبي موسى : أنه حلف على يمين , كسا ثوبين من معقدة البحرين . * - حدثنا هناد وأبو كريب , قالا : ثنا وكيع , عن يزيد بن إبراهيم , عن ابن سيرين : أن أبا موسى كسا ثوبين من معقدة البحرين . 9724 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو أسامة , عن هشام , عن محمد بن عبد الأعلى : أن أبا موسى الأشعري حلف على يمين , فرأى أن يكفر ففعل , وكسا سمرة ثوبين ثوبين . 9725 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبد الأعلى , عن هشام , عن محمد : أن أبا موسى حلف على يمين فكفر , فكسا عشرة مساكين ثوبين ثوبين . * - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا هشيم , عن داود بن أبي هند , عن سعيد بن المسيب , قال : عباءة وعمامة لكل مسكين . 9726 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا هشيم , عن جويبر , عن الضحاك , مثله . 9727 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا داود بن أبي هند , قال : قال رجل عند سعيد بن المسيب : " أو كأسوتهم " فقال سعيد : لا إنما هي : " أو كسوتهم " . قال : فقلت : يا أبا محمد ما كسوتهم ؟ قال : لكل مسكين عباءة وعمامة , عباءة يلتحف بها , وعمامة يشد بها رأسه . 9728 - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد , قال : ثنا عبيد بن سلمان , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : أو كسوتهم قال : الكسوة لكل مسكين : رداء وإزار , كنحو ما يجد من الميسرة والفاقة . وقال آخرون : بل عنى بذلك : كسوتهم : ثوب جامع , كالملحفة والكساء والشيء الذي يصلح للبس والنوم . ذكر من قال ذلك : 9729 - حدثنا هناد بن السري , قال : ثنا أبو الأحوص , عن مغيرة , عن حماد , عن إبراهيم , قال : الكسوة : ثوب جامع . 9730 - حدثنا هناد وابن وكيع قالا : ثنا ابن فضيل , عن مغيرة , عن إبراهيم , في قوله : 34 أو كسوتهم قال : ثوب جامع . قال : وقال مغيرة : والثوب الجامع الملحفة أو الكساء أو نحوه , ولا نرى الدرع والقميص والخمار ونحوه جامعا . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن مغيرة , عن إبراهيم , قال : ثوب جامع . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن إدريس , عن أبيه , عن مغيرة , عن إبراهيم , قال : ثوب جامع . * - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا هشيم , عن مغيرة , عن إبراهيم : أو كسوتهم قال : ثوب جامع لكل مسكين . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان وشعبة , عن المغيرة , عن إبراهيم في قوله : أو كسوتهم قال : ثوب جامع . 9731 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن شعبة , عن المغيرة , مثله . وقال آخرون : عنى بذلك كسوة إزار ورداء وقميص . ذكر من قال ذلك : 9732 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا عبد الأعلى , عن بردة , عن نافع , عن ابن عمر , قال في الكسوة في الكفارة : إزار , ورداء , وقميص . وقال آخرون : كل ما كسا فيجزي , والآية على عمومها . ذكر من قال ذلك : 9733 - حدثنا هناد , قال : ثنا عبد السلام بن حرب , عن ليث , عن مجاهد , قال : يجزي في كفارة اليمين كل شيء إلا التبان . 9734 - حدثنا هناد وأبو كريب , قالا : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن أشعث , عن الحسن , قال : يجزئ عمامة في كفارة اليمين . 9735 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن أويس الصيرفي , عن أبي الهيثم , قال : قال سلمان : نعم الثوب التبان . 9736 - حدثني الحارث , قال : ثنا عبد العزيز , قال : ثنا سفيان , عن الشيباني , عن الحكم , قال : عمامة يلف بها رأسه . وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصحة وأشبهها بتأويل القرآن قول من قال : عنى بقوله : أو كسوتهم ما وقع عليه اسم كسوة مما يكون ثوبا فصاعدا , لأن ما دون الثوب لا خلاف بين جميع الحجة أنه ليس مما دخل في حكم الآية , فكان ما دون قدر ذلك خارجا من أن يكون الله تعالى عناه بالنقل المستفيض , والثوب وما فوقه داخل في حكم الآية , إذ لم يأت من الله تعالى وحي ولا من رسوله صلى الله عليه وسلم خبر ولم يكن من الأمة إجماع بأنه غير داخل في حكمها , وغير جائز إخراج ما كان ظاهر الآية محتمله من حكم الآية إلا بحجة يجب التسليم لها , ولا حجة بذلك .أو تحرير رقبةالقول في تأويل قوله تعالى : أو تحرير رقبة يعني تعالى ذكره بذلك : أو فك عبد من أسر العبودة وذلها . وأصل التحرير : الفك من الأسر , ومنه قول الفرزدق بن غالب : أبني غدانة إنني حررتكم فوهبتكم لعطية بن جعال يعني بقوله : " حررتكم " : فككت رقابكم من ذل الهجاء ولزوم العار . وقيل : تحرير رقبة , والمحرر صاحب الرقبة ; لأن العرب كان من شأنها إذا أسرت أسيرا أن تجمع يديه إلى عنقه بقيد أو حبل أو غير ذلك , وإذا أطلقته من الأسر أطلقت يديه وحلتهما مما كانتا به مشدودتين إلى الرقبة . فجرى الكلام عند إطلاقهم الأسير , بالخبر عن فك يديه عن رقبته , وهم يريدون الخبر عن إطلاقه من أسره , كما يقال : قبض فلان يده عن فلان : إذا أمسك يده عن نواله ; وبسط فيه لسانه : إذا قال فيه سوءا , فيضاف الفعل إلى الجارحة التي يكون بها ذلك الفعل دون فاعله , لاستعمال الناس ذلك بينهم وعلمهم بمعنى ذلك ; فكذلك ذلك في قول الله تعالى ذكره : أو تحرير رقبة أضيف التحرير إلى الرقبة وإن لم يكن هناك غل في رقبته ولا شد يد إليها , وكان المراد بالتحرير نفس العبد بما وصفنا من جري استعمال الناس ذلك بينهم لمعرفتهم بمعناه . فإن قال قائل : أفكل الرقاب معني بذلك أو بعضها ؟ قيل : بل معني بذلك كل رقبة كانت سليمة من الإقعاد والعمى والخرس وقطع اليدين أو شللهما والجنون المطبق , ونظائر ذلك , فإن من كان به ذلك أو شيء منه من الرقاب , فلا خلاف بين الجميع من الحجة أنه لا يجزي في كفارة اليمين . فكان معلوما بذلك أن الله تعالى ذكره لم يعنه بالتحرير في هذه الآية . فأما الصغير والكبير والمسلم والكافر , فإنهم معنيون به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل العلم . ذكر من قال ذلك : 9737 - حدثنا هناد , قال : ثنا مغيرة , عن إبراهيم , أنه كان يقول : من كانت عليه رقبة واجبة , فاشترى نسمة , قال : إذا أنقذها من عمل أجزأته , ولا يجوز عتق من لا يعمل ; فأما الذي يعمل , كالأعور ونحوه . وأما الذي لا يعمل فلا يجزي كالأعمى والمقعد . 9738 - حدثنا هناد , قال : ثنا هشيم , عن يونس , عن الحسن , قال : كان يكره عتق المخبل في شيء من الكفارات . 9739 - حدثنا هناد , قال : ثنا هشيم , عن مغيرة , عن إبراهيم : أنه كان لا يرى عتق المغلوب على عقله يجزئ في شيء من الكفارات . وقال بعضهم : لا يجزئ في الكفارة من الرقاب إلا صحيح , ويجزئ الصغير فيها . ذكر من قال ذلك : 9740 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , عن سفيان , عن ابن جريج , عن عطاء , قال : لا يجزئ في الرقبة إلا صحيح . 9741 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , عن سفيان , عن ابن جريج , عن عطاء , قال : يجزئ المولود في الإسلام من رقبة . 9742 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , عن الأعمش , عن إبراهيم , قال : ما كان في القرآن من رقبة مؤمنة فلا يجزئ إلا ما صام وصلى , وما كان ليس بمؤمنة فالصبي يجزئ . وقال بعضهم : لا يقال للمولود رقبة إلا بعد مدة تأتي عليه . ذكر من قال ذلك : 9743 - حدثني محمد بن يزيد الرفاعي , قال : ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة , عن محمد بن شعيب بن شابور , عن النعمان بن المنذر , عن سليمان , قال : إذا ولد الصبي فهو نسمة , وإذا انقلب ظهرا لبطن فهو رقبة , وإذا صلى فهو مؤمنة . والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى عم بذكر الرقبة كل رقبة , فأي رقبة حررها المكفر يمينه في كفارته فقد أدى ما كلف , إلا ما ذكرنا أن الحجة مجمعة على أن الله تعالى لم يعنه بالتحرير , فذلك خارج من حكم الآية , وما عدا ذلك فجائز تحريره في الكفارة بظاهر التنزيل . والمكفر مخير في تكفير يمينه التي حنث فيها بإحدى هذه الحالات الثلاث التي سماها الله في كتابه , وذلك : إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم أهله , أو كسوتهم , أو تحرير رقبة , بإجماع من الجميع لا خلاف بينهم في ذلك . فإن ظن ظان أن ما قلنا من أن ذلك إجماع من الجميع ليس كما قلنا لما : 9744 - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب , قال : ثنا عبد الواحد بن زياد , قال : ثنا سليمان الشيباني , قال : ثنا أبو الضحى , عن مسروق , قال : جاء نعمان بن مقرن إلى عبد الله , فقال : إني آليت من النساء والفراش ! فقرأ عبد الله هذه الآية : لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين قال : فقال نعمان : إنما سألتك لكوني أتيت على هذه الآية . فقال عبد الله : ائت النساء ونم واعتق رقبة , فإنك موسر . * - حدثني يونس , أخبرنا ابن وهب , قال : ثني جرير بن حازم أن سليمان الأعمش حدثه عن إبراهيم بن يزيد النخعي , عن همام بن الحارث : أن نعمان بن مقرن سأل عبد الله بن مسعود , فقال : إني حلفت أن لا أنام على فراشي سنة ! فقال ابن مسعود : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم كفر عن يمينك ونم على فراشك ! قال : بم أكفر عن يميني ؟ قال : أعتق رقبة فإنك موسر . ونحو هذا من الأخبار التي رويت عن ابن مسعود وابن عمر وغيرهما , فإن ذلك منهم كان على وجه الاستحباب لمن أمروه بالتكفير بما أمروه بالتكفير به من الرقاب , لا على أنه كان لا يجزي عندهم التكفير للموسر إلا بالرقبة ; لأنه لم ينقل أحد عن أحد منهم أنه قال لا يجزي الموسر التكفير إلا بالرقبة . والجميع من علماء الأمصار قديمهم وحديثهم مجمعون على أن التكفير بغير الرقاب جائز للموسر , ففي ذلك مكتفى عن الاستشهاد على صحة ما قلنا في ذلك بغيره .فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيامالقول في تأويل قوله تعالى : فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام يقول تعالى ذكره : فمن لم يجد لكفارة يمينه التي لزمه تكفيرها من الطعام والكسوة والرقاب ما يكفرها به على ما فرضنا عليه وأوجبناه في كتابنا وعلى لسان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فصيام ثلاثة أيام يقول : فعليه صيام ثلاثة أيام . ثم اختلف أهل العلم في معنى قوله : فمن لم يجد ومتى يستحق الحانث في يمينه الذي قد لزمته الكفارة اسم غير واجد حتى يكون ممن له الصيام في ذلك ؟ فقال بعضهم : إذا لم يكن للحانث في وقت تكفيره عن يمينه إلا قدر قوته وقوت عياله يومه وليلته فإن له أن يكفر بالصيام , فإن كان عنده في ذلك الوقت قوته وقوت عياله يومه وليلته ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين أو ما يكسوهم , لزمه التكفير بالإطعام أو الكسوة ولم يجزه الصيام حينئذ . وممن قال ذلك الشافعي . حدثنا بذلك عنه الربيع . وهذا القول قصد إن شاء الله - من أوجب الطعام على من كان عنده درهمان - من أوجبه على من عنده ثلاثة دراهم . وبنحو ذلك : 9745 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن المبارك , عن حماد بن سلمة , عن عبد الكريم , عن سعيد بن جبير , قال : إذا لم يكن له إلا ثلاثة دراهم أطعم . قال : يعني في الكفارة . 9746 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني معتمر بن سليمان , قال : قلت لعمر بن راشد : الرجل يحلف , ولا يكون عنده من الطعام إلا بقدر ما يكفر ؟ قال : كان قتادة يقول : يصوم ثلاثة أيام . 9747 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا المعتمر بن سليمان , قال : ثنا يونس بن عبيد , عن الحسن قال : إذا كان عنده درهمان . 9748 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا معتمر , عن حماد , عن عبد الكريم بن أبي أمية , عن سعيد بن جبير , قال : ثلاثة دراهم . وقال آخرون : جائز لمن لم يكن عنده مئتا درهم أن يصوم وهو ممن لا يجد . وقال آخرون : جائز لمن لم يكن عنده فضل عن رأس ماله يتصرف به لمعاشه ما يكفر به بالإطعام أن يصوم , إلا أن يكون له كفاية من المال ما يتصرف به لمعاشه ومن الفضل عن ذلك ما يكفر به عن يمينه . وهذا قول كان يقوله بعض متأخري المتفقهة . والصواب من القول في ذلك عندنا , أن من لم يكن عنده في حال حنثه في يمينه إلا قدر قوته وقوت عياله يومه وليلته لا فضل له عن ذلك , يصوم ثلاثة أيام , وهو ممن دخل في جملة من لا يجد ما يطعم أو يكسو أو يعتق . وإن كان عنده في ذلك الوقت من الفضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته ما يطعم أو يكسو عشرة مساكين أو يعتق رقبة , فلا يجزيه حينئذ الصوم ; لأن إحدى الحالات الثلاث حينئذ من إطعام أو كسوة أو عتق حق قد أوجبه الله تعالى في ماله وجوب الدين , وقد قامت الحجة بأن المفلس إذا فرق ماله بين غرمائه أنه لا يترك ذلك اليوم إلا ما لا بد له من قوته وقوت عياله يومه وليلته , فكذلك حكم المعدم بالدين الذي أوجبه الله تعالى في ماله بسبب الكفارة التي لزمت ماله . واختلف أهل العلم في صفة الصوم الذي أوجبه الله في كفارة اليمين , فقال بعضهم : صفته أن يكون مواصلا بين الأيام الثلاثة غير مفرقها . ذكر من قال ذلك : 9749 - حدثنا محمد بن العلاء , قال : ثنا وكيع , عن سفيان , عن ليث , عن مجاهد , قال : كل صوم في القرآن فهو متتابع إلا قضاء رمضان , فإنه عدة من أيام أخر . 9750 - حدثنا أبو كريب وهناد , قالا : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن أبي جعفر , عن الربيع بن أنس , قال : كان أبي بن كعب يقرأ : " صيام ثلاثة أيام متتابعات " . * - حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي , قال : ثنا عبيد الله بن موسى , عن أبي جعفر الرازي , عن الربيع بن أنس , عن أبي العالية , عن أبي بن كعب , أنه كان يقرأ : . " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " . 9751 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا يزيد بن هارون , عن قزعة بن سويد , عن سيف بن سليمان , عن مجاهد , قال : في قراءة عبد الله : " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " . 9752 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن المبارك , عن ابن عون , عن إبراهيم , قال : في قراءتنا : " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن علية , عن ابن عون , عن إبراهيم , مثله . 9753 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن إبراهيم : في قراءة أصحاب عبد الله : " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " . 9754 - حدثنا هناد وأبو كريب , قالا : ثنا وكيع , عن سفيان , عن جابر , عن عامر , قال : في قراءة عبد الله : " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " . 9755 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا محمد بن حميد , عن معمر , عن أبي إسحاق : في قراءة عبد الله : " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " . 9756 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا محمد بن حميد , عن معمر , عن الأعمش , قال : كان أصحاب عبد الله يقرءون : " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " . 9757 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , قال : سمعت سفيان , يقول : إذا فرق صيام ثلاثة أيام لم يجزه . قال : وسمعته يقول في رجل صام في كفارة يمين ثم أفطر , قال : يستقبل الصوم . 9758 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا جامع بن حماد , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قوله : فصيام ثلاثة أيام قال : إذا لم يجد طعاما ; وكان في بعض القراءة : " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " . وبه كان يأخذ قتادة . 9759 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قال : هو بالخيار في هؤلاء الثلاثة الأول فالأول , فإن لم يجد من ذلك شيئا فصيام ثلاثة أيام متتابعات . وقال آخرون : جائز لمن صامهن أن يصومهن كيف شاء مجتمعات ومفترقات . ذكر من قال ذلك : 9760 - حدثني يونس , قال : أخبرنا أشهب , قال : قال مالك : كل ما ذكر الله في القرآن من الصيام , فأن يصام تباعا أعجب , فإن فرقها رجوت أن تجزي عنه . والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى أوجب على من لزمته كفارة يمين إذا لم يجد إلى تكفيرها بالإطعام أو الكسوة أو العتق سبيلا , أن يكفرها بصيام ثلاثة أيام , ولم يشرط في ذلك متتابعة , فكيفما صامهن المكفر مفرقة ومتتابعة أجزأه ; لأن الله تعالى إنما أوجب عليه صيام ثلاثة أيام , فكيفما أتى بصومهن أجزأ . فأما ما روي عن أبي وابن مسعود من قراءتهما " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " فذلك خلاف ما في مصاحفنا , وغير جائز لنا أن نشهد بشيء ليس في مصاحفنا من الكلام أنه من كتاب الله . غير أني أختار للصائم في كفارة اليمين أن يتابع بين الأيام الثلاثة ولا يفرق , لأنه لا خلاف بين الجميع أنه إذا فعل ذلك فقد أجزأ ذلك عنه من كفارته . وهم في غير ذلك مختلفون , ففعل ما لا يختلف في جوازه أحب إلي وإن كان الآخر جائزا .ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتمالقول في تأويل قوله تعالى : ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم يعني تعالى ذكره بقوله : ذلك هذا الذي ذكرت لكم أنه كفارة أيمانكم من إطعام العشرة المساكين أو كسوتهم أو تحرير الرقبة , وصيام الثلاثة الأ
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَٰمُ رِجْسٌۭ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿90﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)قال أبو جعفر: وهذا بيانٌ من الله تعالى ذكره للذين حرَّموا على أنفسهم النساءَ والنومَ واللحمَ من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم، تشبُّهَا منهم بالقسيسين والرهبان، فأنزل الله فيهم على نبيِّه صلى الله عليه وسلم كتابَه يَنْهاهم عن ذلك فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ، [سورة المائدة: 87].فنهاهم بذلك عن تحريم ما أحلّ الله لهم من الطيبات. ثم قال: ولا تعتدوا أيضًا في حدودي، فتحلُّوا ما حرَّمت عليكم، فإن ذلك لكم غير جائز، كما غيرُ جائزٍ لكم تحريم ما حلّلت، وإنيّ لا أحبُّ المعتدين. ثم أخبرهم عن الذي حرّم عليهم مما إذا استحلوه وتقدَّموا عليه، كانوا من المعتدين في حدوده = فقال لهم: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، إن الخمر التي تشربونها، والميسِرَ الذي تَتَياسرونه، والأنصاب التي تذبحُون عندها، والأزلام التي تستقسمون بها =" رجْس "، يقول: إثم ونَتْنٌ سَخِطه الله وكرهه لكم =" من عمل الشيطان "، يقول: شربكم الخمر، وقماركم على الجُزُر، وذبحكم للأنصاب، واستقسامكم بالأزلام، من تزيين الشيطانِ لكم، ودعائه إياكم إليه، وتحسينه لكم، لا من الأعمال التي ندبكم إليها ربُّكم، ولا مما يرضاه لكم، بل هو مما يسخطه لكم =" فاجتنبوه "، يقول: فاتركوه وارفضوه ولا تعملوه (1) =" لعلكم تفلحون "، يقول: لكي تنجَحُوا فتدركوا الفلاحَ عند ربكم بترككم ذلك. (2)* * *وقد بينا معنى " الخمر "، و " الميسر "، و " الأزلام " فيما مضى، فكرهنا إعادته. (3)* * *وأما " الأنصاب "، فإنها جمع " نُصُب "، وقد بينا معنى " النُّصُب " بشواهده فيما مضى. (4)* * *وروي عن ابن عباس في معنى " الرجس " في هذا الموضع، ما:-12510 - حدثني به المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " رجس من عمل الشيطان "، يقول: سَخَطٌ.* * *وقال ابن زيد في ذلك، ما:-12511 - حدثني به يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " رجس من عمل الشيطان "، قال: " الرجس "، الشرُّ.----------------------الهوامش :(1) انظر تفسير"الفلاح" فيما سلف 10 : 292 ، تعليق: 3. والمراجع هناك.(2) انظر تفسير"اجتنب" فيما سلف 8 : 233 ، وهي هناك غير مفسرة ، ثم 8 : 340.(3) انظر تفسير"الخمر" فيما سلف 4 : 320 ، 321.= وتفسير"الميسر" فيما سلف 4 : 321 ، 322 - 325.= وتفسير"الأزلام" فيما سلف 9 : 510 - 515.(4) انظر تفسير"النصب" 9 : 507 - 509.
إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ﴿91﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُوا۟ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ ﴿92﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٌۭ فِيمَا طَعِمُوٓا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحْسَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿93﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُۥٓ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿94﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌۭ ۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآءٌۭ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ هَدْيًۢا بَٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّٰرَةٌۭ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًۭا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِۦ ۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ ﴿95﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعًۭا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًۭا ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿96﴾
التفسير:
أحل لكم صيد البحرالقول في تأويل قوله تعالى : أحل لكم صيد البحر يقول تعالى ذكره : أحل لكم أيها المؤمنون صيد البحر وهو ما صيد طريا . كما : 9876 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عمر بن أبي سلمة , عن أبيه , عن أبي هريرة , قال : قال عمر بن الخطاب في قوله : أحل لكم صيد البحر قال : صيده : ما صيد منه . 9877 - حدثني ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن سماك , قال : حدثت , عن ابن عباس , قال : خطب أبو بكر الناس , فقال : أحل لكم صيد البحر . قال : فصيده : ما أخذ . 9878 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حصين , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , في قوله : أحل لكم صيد البحر قال : صيده : ما صيد منه . 9879 - حدثنا سليمان بن عمر بن خالد البرقي , قال : ثنا محمد بن سلمة الحراني , عن خصيف , عن عكرمة , عن ابن عباس , في قوله : أحل لكم صيد البحر قال : صيده الطري . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا الهذيل بن بلال , قال : ثنا عبد الله بن عبيد بن عمير , عن ابن عباس , في قوله : أحل لكم صيد البحر قال : صيده : ما صيد . * - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس أحل لك صيد البحر قال : الطري . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا الحسن بن عكرمة بن الجعفي - أو الحسين , شك أبو جعفر - عن الحكم بن أبان , عن عكرمة , قال : كان ابن عباس يقول : صيد البحر : ما اصطاده . 9880 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن سفيان , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير : أحل لك صيد البحر قال : الطري . 9881 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عنبسة , عن الحجاج , عن العلاء بن بدر , عن أبي سلمة , قال : صيد البحر : ما صيد . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير : أحل لكم صيد البحر قال : الطري . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حميد بن عبد الرحمن , عن سفيان , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير مثله . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي , قال : ثنا سفيان , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير : أحل لكم صيد البحر قال : السمك الطري . 9882 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : أحل لكم صيد البحر أما صيد البحر : فهو السمك الطري , هي الحيتان . 9883 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا أبو سفيان , عن معمر , عن الزهري , عن سعيد بن المسيب , قال : صيده : ما اصطدته طريا . قال معمر : وقال قتادة : صيده : ما اصطدته . 9884 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله : أحل لك صيد البحر قال : حيتانه . 9885 - حدثنا ابن البرقي , قال : ثنا عمر بن أبي سلمة , قال : سئل سعيد عن صيد البحر , فقال : قال مكحول : قال زيد بن ثابت : صيده : ما اصطدت . 9886 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن ليث , عن مجاهد , في قوله : أحل لك صيد البحر وطعامه متاعا لك وللسيارة قال : يصطاد المحرم والمحل من البحر , ويأكل من صيده . 9887 - حدثنا عمرو بن عبد الحميد , قال : ثنا ابن عيينة , عن عمرو , عن عكرمة , قال : قال أبو بكر : طعام البحر : كل ما فيه . وقال جابر بن عبد الله : ما حسر عنه فكل . وقال : كل ما فيه ; يعني : جميع ما صيد . 9888 - حدثنا سعيد بن الربيع , قال : ثنا سفيان , عن عمرو , سمع عكرمة يقول : قال أبو بكر : وطعامه متاعا لك وللسيارة قال : هو كل ما فيه . وعنى بالبحر في هذا الموضع : الأنهار كلها ; والعرب تسمي الأنهار بحارا , كما قال تعالى ذكره : ظهر الفساد في البر والبحر . فتأويل الكلام : أحل لكم أيها المؤمنون طري سمك الأنهار الذي صدتموه في حال حلكم وحرمكم , وما لم تصيدوه من طعامه الذي قتله ثم رمى به إلى ساحله .وطعامهواختلف أهل التأويل في معنى قوله : وطعامه فقال بعضهم : عنى بذلك : ما قذف به إلى ساحله ميتا , نحو الذي قلنا في ذلك . ذكر من قال ذلك : 9889 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن سماك , قال : حدثت , عن ابن عباس , قال : خطب أبو بكر الناس , فقال : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم , وطعامه : ما قذف . 9890 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عمر بن أبي سلمة , عن أبيه , عن أبي هريرة , قال : كنت بالبحرين , فسألوني عما قذف البحر , قال : فأفتيتهم أن يأكلوا . فلما قدمت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه , ذكرت ذلك له , فقال لي : بم أفتيتهم ؟ قال : قلت : أفتيتهم أن يأكلوا , قال : لو أفتيتهم بغير ذلك لعلوتك بالدرة . قال : ثم قال : إن الله تعالى قال في كتابه : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم فصيده : ما صيد منه , وطعامه : ما قذف . 9891 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حصين , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم قال : طعامه : ما قذف . * - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن سليمان التيمي , عن أبي مجلز , عن ابن عباس , في قوله : أحل لكم صيد البحر وطعامه قال : طعامه : ما قذف . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو خالد الأحمر , عن سليمان التيمي , عن أبي مجلز , عن ابن عباس , مثله . 9892 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حسين بن علي , عن زائدة , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس قال : طعامه : كل ما ألقاه البحر . 9893 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا الحسن بن علي - أو الحسين بن على الجعفي , شك أبو جعفر - عن الحكم بن أبان , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : طعامه : ما لفظ من ميتته . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا الهذيل بن بلال . قال : ثنا عبد الله بن عبيد بن عمير , عن ابن عباس : أحل لكم صيد البحر وطعامه قال . طعامه : ما وجد على الساحل ميتا . * - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن سفيان , عن سليمان التيمي , عن أبي مجلز , عن ابن عباس , قال : طعامه : ما قذف به . 9894 - حدثنا سعيد بن الربيع , قال : ثنا سفيان , عن عمرو , سمع عكرمة يقول : قال أبو بكر رضي الله عنه : وطعامه متاعا لكم قال : طعامه : هو كل ما فيه . 9895 - حدثني محمد بن المثنى , قال : ثنا الضحاك بن مخلد , عن ابن جريج , قال : أخبرني عمرو بن دينار عن عكرمة مولى ابن عباس , قال : قال أبو بكر : وطعامه متاعا لكم قال : طعامه : ميتته . قال عمرو : وسمع أبا الشعثاء يقول : ما كنت أحسب طعامه إلا مالحه . * - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثني الضحاك بن مخلد , عن ابن جريج , قال : أخبرني أبو بكر بن حفص بن عمر بن سعد , عن عكرمة , عن ابن عباس , في قوله : . وطعامه متاعا لكم قال : طعامه : ميتته . 9896 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , عن عثمان , عن عكرمة : وطعامه متاعا لكم قال : طعامه : ما قذف . 9897 - حدثنا بن عبد الأعلى , قال : ثنا معمر بن سليمان , قال : سمعت عبيد الله , عن نافع , قال : جاء عبد الرحمن إلى عبد الله , فقال : البحر قد ألقى حيتانا كثيرة ؟ قال : فنهاه عن أكلها , ثم قال : يا نافع هات المصحف ! فأتيته به , فقرأ هذه الآية : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم قال : قلت : طعامه : هو الذي ألقاه . قال : فالحقه , فمره بأكله . * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا أيوب , عن نافع أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر , فقال : إن البحر قذف حيتانا كثيرة ميتة أفنأكلها ؟ قال : لا تأكلوها ! فلما رجع عبد الله إلى أهله , أخذ المصحف , فقرأ سورة المائدة , فأتى على هذه الآية : وطعامه متاعا لكم وللسيارة قال : اذهب , فقل له فليأكله , فإنه طعامه . * - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا أيوب , عن نافع , عن ابن عمر , بنحوه . * - حدثني المثنى , قال : ثنا الضحاك بن مخلد , عن ابن جريج , قال : أخبرني عمرو بن دينار , عن عكرمة , مولى ابن عباس , قال : قال أبو بكر رضي الله عنه : وطعامه متاعا لكم قال : ميتته , قال عمرو : سمعت أبا الشعثاء يقول : ما كنت أحسب طعامه : إلا مالحه . * - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا الضحاك بن مخلد , عن ابن جريج , قال : أخبرنا نافع أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر عن حيتان كثيرة ألقاها البحر , أميتة هي ؟ قال : نعم ! فنهاه عنها . ثم دخل البيت , فدعا بالمصحف , فقرأ تلك الآية : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم قال : طعامه : كل شيء أخرج منه فكله فليس به بأس , وكل شيء فيه يؤكل ميتا أو بساحله . 9898 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا أبو سفيان , عن معمر , قال قتادة : طعامه : ما قذف منه . 9899 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبو خالد , عن ليث , عن شهر , عن أبي أيوب , قال : ما لفظ البحر فهو طعامه , وإن كان ميتا . 9900 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو الأحوص , عن ليث , عن شهر , قال : سئل أبو أيوب عن قول الله تعالى : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا قال : هو ما لفظ البحر . وقال آخرون : عنى بقوله : وطعامه المليح من السمك . فيكون تأويل الكلام على ذلك من تأويلهم : أحل لكم سمك البحر ومليحه في كل حال , إحلالكم وإحرامكم . ذكر من قال ذلك : 9901 - حدثنا سليمان بن عمرو بن خالد البرقي , قال : ثنا محمد بن سلمة , عن خصيف , عن عكرمة , عن ابن عباس : وطعامه قال : طعامه المالح منه . * - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : وطعامه متاعا لكم يعني بطعامه : مالحه , وما قذف البحر من مالحه . * - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : وطعامه متاعا لك وهو المالح . 9902 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن سفيان , عن مجمع التيمي , عن عكرمة , في قوله : متاعا لكم قال : المليح . 9903 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن سفيان , عن سالم الأفطس وأبي حصين , عن سعيد بن جبير , قال : المليح . 9904 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن سفيان , عن منصور , عن إبراهيم : وطعامه متاعا لكم قال : المليح وما لفظ . 9905 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عنبسة , عن سالم , عن سعيد بن جبير , في قوله : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم قال : يأتي الرجل أهل البحر فيقول : " أطعموني " , فإن قال : " غريضا " , ألقوا شبكتهم فصادوا له , وإن قال : " أطعموني من طعامكم " , أطعموه من سمكهم المالح . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن فضيل : عن عطاء , عن سعيد : أحل لكم صيد البحر وطعامه قال : المنبوذ , السمك المالح . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير : وطعامه قال : المالح . * - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن منصور , عن إبراهيم : وطعامه قال : هو مالحه . ثم قال : ما قذف . 9906 - حدثنا ابن معاذ , قال : ثنا جامع بن حماد , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : وطعامه قال : مملوح السمك . * - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرني الثوري , عن منصور , قال : كان إبراهيم يقول : طعامه : السمك المليح . ثم قال بعد : ما قذف به . * - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا الثوري , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير , قال : طعامه المليح . 9907 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرنا إسرائيل , عن عبد الكريم , عن مجاهد , قال : طعامه السمك المليح . 9908 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير في هذه الآية : وطعامه متاعا لكم قال : الصير . قال شعبة : فقلت لأبي بشر : ما الصير ؟ قال : المالح . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا هشام بن الوليد , قال : ثنا شعبة , عن أبي بشر , عن جعفر بن أبي وحشية , عن سعيد بن جبير , قوله : وطعامه متاعا لكم قال : الصير . قال : قلت : ما الصير ؟ قال : المالح . 9909 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : وطعامه متاعا لكم قال : أما طعامه فهو المالح . 9910 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا أبو سفيان , عن معمر , عن الزهري , عن سعيد بن المسيب : وطعامه متاعا لكم قال : طعامه : ما تزودت مملوحا في سفرك . 9911 - حدثنا عمرو بن عبد الحميد وسعيد بن الربيع الرازي , قالا : ثنا سفيان عن عمرو , قال : قال جابر بن زيد : كنا نتحدث أن طعامه مليحه , ونكره الطافي منه . وقال آخرون : طعامه ما فيه ذكر من قال ذلك : 9912 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن عيينة , عن عمرو , عن عكرمة , قال : طعام البحر : ما فيه . 9913 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن حريث , عن عكرمة : وطعامه متاعا لكم قال : ما جاء به البحر بوجه . 9914 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حميد بن عبد الرحمن , عن حسن بن صالح , عن ليث , عن مجاهد , قال : طعامه : كل ما صيد منه . وأولى هذه الأقوال بالصواب عندنا , قول من قال : طعامه : ما قذفه البحر أو حسر عنه فوجد ميتا على ساحله . وذلك أن الله تعالى ذكر قبله صيد الذي يصاد , فقال : أحل لكم صيد البحر فالذي يجب أن يعطف عليه في المفهوم ما لم يصد منه , فقال : أحل لكم صيد ما صدتموه من البحر وما لم تصيدوه منه . وأما المليح , فإنه ما كان منه ملح بعد الاصطياد , فقد دخل في جملة قوله : أحل لكم صيد البحر فلا وجه لتكريره , إذ لا فائدة فيه . وقد أعلم عباده تعالى إحلاله ما صيد من البحر بقوله أحل لكم صيد البحر فلا فائدة أن يقال لهم بعد ذلك : ومليحه الذي صيد حلال لكم ; لأن ما صيد منه فقد بين تحليله طريا كان أو مليحا بقوله : أحل لكم صيد البحر والله يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي قلنا خبر , وإن كان بعض نقلته يقف به على ناقله عنه من الصحابة , وذلك ما : 9915 - حدثنا هناد بن السري , قال : ثنا عبدة بن سليمان , عن محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو سلمة , عن أبي هريرة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم قال : " طعامه : ما لفظه ميتا فهو طعامه " . وقد وقف هذا الحديث بعضهم على أبي هريرة . 9916 - حدثنا هناد , قال : ثنا ابن أبي زائدة , عن محمد بن عمرو , عن أبي سلمة , عن أبي هريرة في قوله : أحل لكم صيد البحر وطعامه قال : طعامه : ما لفظه ميتا .متاعا لكم وللسيارةالقول في تأويل قوله تعالى : متاعا لكم وللسيارة يعني تعالى ذكره بقوله : متاعا لكم منفعة لمن كان منكم مقيما أو حاضرا في بلده يستمتع بأكله وينتفع به . وللسيارة يقول : ومنفعة أيضا ومتعة للسائرين من أرض إلى أرض , ومسافرين يتزودونه في سفرهم مليحا . والسيارة : جمع سيار . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 9917 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرني أبو إسحاق , عن عكرمة , أنه قال في قوله : متاعا لكم وللسيارة قال : لمن كان بحضرة البحر , وللسيارة السفر . 9918 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن سعيد بن أبي عروبة , عن قتادة , في قوله : وطعامه متاعا لكم وللسيارة ما قذف البحر , وما يتزودون في أسفارهم من هذا المالح . يتأولها على هذا . * - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا جامع عن حماد , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : وطعامه متاعا لكم وللسيارة مملوح السمك ما يتزودون في أسفارهم . 9919 - حدثنا سليمان بن عمرو بن خالد البرقي , قال : ثنا مسكين بن بكير , قال : ثنا عبد السلام بن حبيب النجاري , عن الحسن في قوله : وللسيارة قال : هم المحرمون . 9920 - حدثني محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : وطعامه متاعا لكم وللسيارة أما طعامه : فهو المالح منه , بلاغ يأكل منه السيارة في الأسفار . 9921 - حدثنا المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : وطعامه متاعا لكم وللسيارة قال : طعامه : مالحه وما قذف البحر منه يتزوده المسافر . وقال مرة أخرى : مالحه وما قذف البحر , فمالحه يتزوده المسافر . 9922 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : وطعامه متاعا لكم وللسيارة يعني المالح فيتزوده . وكان مجاهد يقول في ذلك بما : 9923 - حدثني محمد بن عمر , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : وطعامه متاعا لكم قال : أهل القرى , وللسيارة أهل الأمصار . * - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , قوله : متاعا لكم قال لأهل القرى , وللسيارة قال : أهل الأمصار وأجناس الناس كلهم . وهذا الذي قاله مجاهد من أن السيارة هم أهل الأمصار لا وجه له مفهوم , إلا أن يكون أراد بقوله هم أهل الأمصار : هم المسافرون من أهل الأمصار , فيجب أن يدخل في ذلك كل سيارة من أهل الأمصار كانوا أو من أهل القرى , فأما السيارة فلا يشمل المقيمين في أمصارهم .وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماالقول في تأويل قوله تعالى : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما يعني تعالى ذكره : وحرم عليكم أيها المؤمنون صيد البر ما دمتم حرما , يقول : ما كنتم محرمين لم تحلوا من إحرامكم . ثم اختلف أهل العلم في المعنى الذي عنى الله تعالى ذكره بقوله : وحرم عليكم صيد البر فقال بعضهم : عنى بذلك : أنه حرم علينا كل معاني صيد البر من اصطياد وأكل وقتل وبيع وشراء وإمساك وتملك . ذكر من قال ذلك : 9924 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , عن يزيد بن أبي زياد , عن عبد الله بن الحارث , عن نوفل , عن أبيه , قال : حج عثمان بن عفان , فحج علي معه . قال : فأتي عثمان بلحم صيد صاده حلال , فأكل منه ولم يأكل علي , فقال عثمان : والله ما صدنا ولا أمرنا ولا أشرنا ! فقال علي : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما . 9925 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون بن المغيرة , عن عمرو بن أبي قيس , عن سماك , عن صبيح بن عبيد الله العبسي , قال : بعث عثمان بن عفان أبا سفيان بن الحارث على العروض , فنزل قديدا , فمر به رجل من أهل الشام معه باز وصقر , فاستعاره منه , فاصطاد به من اليعاقيب , فجعلهن في حظيرة . فلما مر به عثمان طبخهن , ثم قدمهن إليه , فقال عثمان : كلوا ! فقال بعضهم : حتى يجيء علي بن أبي طالب . فلما جاء فرأى ما بين أيديهم , قال علي : إنا لن نأكل منه ! فقال عثمان : مالك لا تأكل ؟ فقال : هو صيد , ولا يحل أكله وأنا محرم . فقال عثمان : بين لنا ! فقال علي : يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم فقال عثمان : أونحن قتلناه ؟ فقرأ عليه : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليك صيد البر ما دمتم حرما . 9926 - حدثنا تميم بن المنتصر وعبد الحميد بن بيان القناد , قالا : أخبرنا أبو إسحاق الأزرق , عن شريك , عن سماك بن حرب , عن صبيح بن عبيد الله العبسي , قال : استعمل عثمان بن عفان أبا سفيان بن الحارث على العروض . ثم ذكر نحوه , وزاد فيه : . قال : فمكث عثمان ما شاء الله أن يمكث , ثم أتى فقيل له بمكة : هل لك في ابن أبي طالب أهدي له صفيف حمار فهو يأكل منه ! فأرسل إليه عثمان وسأله عن أكل الصفيف , فقال : أما أنت فتأكل , وأما نحن فتنهانا ؟ فقال : إنه صيد عام أول , وأنا حلال , فليس علي بأكله بأس , وصيد ذلك - يعني اليعاقيب - وأنا محرم , وذبحن وأنا حرام . 9927 - حدثنا عمران بن موسى القزاز , قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد , قال : ثنا يونس , عن الحسن : أن عمر بن الخطاب لم يكن يرى بأسا بلحم الصيد للمحرم , وكرهه علي بن أبي طالب رضي الله عنه . 9928 - حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب : أن عليا كره لحم الصيد للمحرم على كل حال . 9929 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن يزيد بن أبي زياد , عن عبد الله بن الحارث : أنه شهد عثمان وعليا أتيا بلحم , فأكل عثمان ولم يأكل علي , فقال عثمان : أنحن صدنا أو صيد لنا ؟ فقرأ علي هذه الآية : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما . 9930 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عمر بن أبي سلمة , عن أبيه , قال : حج عثمان بن عفان , فحج معه علي , فأتي بلحم صيد صاده حلال , فأكل منه وهو محرم , ولم يأكل منه علي , فقال عثمان : إنه صيد قبل أن نحرم . فقال له علي : ونحن قد بدا لنا وأهالينا لنا حلال , أفيحللن لنا اليوم . 9931 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن عمرو , عن عبد الكريم , عن مجاهد , عن عبد الله بن الحارث بن نوفل : أن عليا أتي بشق عجز حمار وهو محرم , فقال : إني محرم . 9932 - حدثنا ابن بزيع , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا سعيد , عن يعلى بن حكيم , عن عكرمة , عن ابن عباس : أنه كان يكرهه على كل حال ما كان محرما . 9933 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا ابن جريج , قال : أخبرنا نافع أن ابن عمر كان يكره كل شيء من الصيد وهو حرام , أخذ له أو لم يؤخذ له , وشيقة وغيرها . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا يحيى بن سعيد القطان , عن عبد الله , قال : أخبرني نافع : أن ابن عمر كان لا يأكل الصيد وهو محرم وإن صاده الحلال . 9934 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : أخبرني الحسن بن مسلم بن يناق : أن طاوسا كان ينهى الحرام عن أكل الصيد وشيقة وغيرها صيد له أو لم يصد له . 9935 - حدثنا عبد الأعلى , قال : ثنا خالد بن الحارث , قال : ثنا الأشعث , قال : قال الحسن : إذا صاد الصيد ثم أحرم لم يأكل من لحمه حتى يحل . فإن أكل منه وهو محرم لم ير الحسن عليه شيئا . 9936 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام وهارون عن عنبسة , عن سالم , قال : سألت سعيد بن جبير , عن الصيد يصيده الحلال , أيأكل منه المحرم ؟ فقال : سأذكر لك من ذلك , إن الله تعالى قال : يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم فنهى عن قتله , ثم قال : ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ثم قال تعالى : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة قال : يأتي الرجل أهل البحر فيقول : أطعموني ! فإن قال : " غريضا " , ألقوا شبكتهم فصادوا له , وإن قال : أطعموني من طعامكم ! أطعموه من سمكهم المالح . ثم قال : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما وهو عليك حرام , صدته أو صاده حلال . وقال آخرون : إنما عنى الله تعالى بقوله : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ما استحدث المحرم صيده في حال إحرامه أو ذبحه , أو استحدث له ذلك في تلك الحال . فأما ما ذبحه حلال وللحلال فلا بأس بأكله للمحرم , وكذلك ما كان في ملكه قبل حال إحرامه فغير محرم عليه إمساكه . ذكر من قال ذلك : 9937 - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا سعيد , قال : ثنا قتادة , أن سعيد بن المسيب حدثه , عن أبي هريرة , أنه سئل عن صيد صاده حلال أيأكله المحرم ؟ قال : فأفتاه هو بأكله , ثم لقي عمر بن الخطاب فأخبره بما كان من أمره , فقال : لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعت لك رأسك ! 9938 - حدثنا أحمد بن عبدة الضبي , قال : ثنا أبو عوانة , عن عمر بن أبي سلمة , عن أبيه , قال : نزل عثمان بن عفان العرج وهو محرم , فأهدى صاحب العرج له قطا , قال : فقال لأصحابه : كلوا فإنه إنما اصطيد على اسمي ! قال : فأكلوا ولم يأكل . 9939 - حدثنا ابن بشار وابن المثنى , قالا : ثنا ابن أبي عدي , عن سعيد , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب : أن أبا هريرة كان بالربذة , فسألوه عن لحم صيد صاده حلال . ثم ذكر نحو حديث ابن بزيع عن بشر . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب , عن أبي هريرة , عن عمر , نحوه . 9940 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن شعبة , عن أبي إسحاق , عن أبي الشعثاء , قال : سألت ابن عمر عن لحم صيد يهديه الحلال إلى الحرام , فقال : أكله عمر , وكان لا يرى به بأسا . قال : قلت : تأكله ؟ قال : عمر خير مني . * - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا يحيى بن سعيد , عن شعبة , قال : ثنا أبو إسحاق . عن أبي الشعثاء , قال : سألت ابن عمر عن صيد صاده حلال يأكل منه حرام ؟ قال : كان عمر يأكله . قال : قلت : فأنت ؟ قال : كان عمر خيرا مني . 9941 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن هشام , عن يحيى , عن أبي سلمة , عن أبي هريرة , قال : استفتاني رجل من أهل الشام في لحم صيد أصابه وهو محرم , فأمرته أن يأكله . فأتيت عمر بن الخطاب فقلت له : إن رجلا من أهل الشام استفتاني في لحم صيد أصابه وهو محرم . قال : فما أفتيته ؟ قال : قلت : أفتيته أن يأكله . قال : فوالذي نفسي بيده لو أفتيته بغير ذلك لعلوتك بالدرة ! وقال عمر : إنما نهيت أن تصطاده . 9942 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا مصعب بن المقدام , قال : ثنا خارجة عن زيد بن أسلم , عن عطاء , عن كعب , قال : أقبلت في أناس محرمين , فأصبنا لحم حمار وحش , فسألني الناس عن أكله , فأفتيتهم بأكله وهم محرمون . فقدمنا على عمر , فأخبروه أني أفتيتهم بأكل حمار الوحش وهم محرمون , فقال عمر : قد أمرته عليكم حتى ترجعوا . 9943 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا يحيى بن سعيد , عن سعيد بن المسيب , عن أبي هريرة , قال : مررت بالربذة , فسألني أهلها عن المحرم يأكل ما صاده الحلال , فأفتيتهم أن يأكلوه . فلقيت عمر بن الخطاب , فذكرت ذلك له , قال : فبم أفتيتهم ؟ قال : أفتيتهم أن يأكلوا . قال : لو أفتيتهم بغير ذلك لخالفتك . 9944 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , عن يونس , عن أبي الشعثاء الكندي , قال : قلت لابن عمر : كيف ترى في قوم حرام لقوا قوما حلالا ومعهم لحم صيد , فإما باعوهم وإما أطعموهم ؟ فقال : حلال . 9945 - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي , قال : ثنا محمد بن سعيد , قال : ثنا هشام , يعني ابن عروة , قال : ثنا عروة , عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب , أن عبد الرحمن حدثه : أنه اعتمر مع عثمان بن عفان في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى نزلوا بالروحاء , فقرب إليهم طير وهم محرمون , فقال لهم عثمان : كلوا فإني غير آكله ! فقال عمرو بن العاص : أتأمرنا بما لست آكلا ؟ فقال عثمان : إني لولا أظن أنه صيد من أجلي لأكلت . فأكل القوم . 9946 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن هشام بن عروة , عن أبيه : أن الزبير كان يتزود لحوم الوحش وهو محرم . 9947 - حدثنا عبد الحميد بن بيان , قال : أخبرنا إسحاق , عن شريك , عن سماك بن حرب , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : ما صيد أو ذبح وأنت حلال فهو لك حلال , وما صيد أو ذبح وأنت حرام فهو عليك حرام . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن عمرو , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : ما صيد من شيء وأنت حرام فهو عليك حرام , وما صيد من شيء وأنت حلال فهو لك حلال . 9948 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما فجعل الصيد حراما على المحرم صيده وأكله ما دام حراما , وإن كان الصيد صيد قبل أن يحرم الرجل فهو حلال , وإن صاده حرام لحلال فلا يحل له أكله . 9949 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : سألت أبا بشر عن المحرم يأكل مما صاده الحلال , قال : كان سعيد بن جبير ومجاهد يقولان : ما صيد قبل أن يحرم أكل منه , وما صيد بعد ما أحرم لم يأكل منه . 9950 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا ابن جريج , قال : كان عطاء يقول إذا سئل في العلانية أيأكل الحرام الوشيقة والشيء اليابس ؟ يقول بيني وبينه : لا أستطيع أن أبين لك في مجلس , إن ذبح قبل أن يحرم فكل , وإلا فلا تبع لحمه ولا تبتع . وقال آخرون : إنما عنى الله تعالى بقوله : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما وحرم عليكم اصطياده . قالوا : فأما شراؤه من مالك يملكه وذبحه وأكله بعد أن يكون ملكه إياه على غير وجه الاصطياد له وبيعه وشراؤه جائز . قالوا : والنهي من الله تعالى عن صيده في حال الإحرام دون سائر المعاني ذكر من قال ذلك : 9951 - حدثني عبد الله بن أحمد بن شبوية , قال : ثنا ابن أبي مريم , قال : ثنا يحيى بن أيوب , قال : أخبرني يحيى , أن أبا سلمة اشترى قطا وهو بالعرج وهو محرم ومعه محمد بن المنكدر , فأكله . فعاب عليه ذلك الناس . والصواب في ذلك من القول عندنا أن يقال : إن الله تعالى عم تحريم كل معاني صيد البر على المحرم في حال إحرامه من غير أن يخص من ذلك شيئا دون شيء , فكل معاني الصيد حرام على المحرم ما دام حراما بيعه وشراؤه واصطياده وقتله وغير ذلك من معانيه , إلا أن يجده مذبوحا قد ذبحه حلال لحلال , فيحل له حينئذ أكله , للثابت من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , الذي : 9952 - حدثناه يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا يحيى بن سعيد , عن ابن جريج . وحدثني عبد الله بن أبي زياد , قال : ثنا مكي بن إبراهيم , قال : ثنا عبد الملك بن جريج , قال : أخبرني محمد بن المنكدر , عن معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان , عن أبيه عبد الرحمن بن عثمان , قال : كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حرم , فأهدي لنا طائر , فمنا من أكل ومنا من تورع فلم يأكل . فلما استيقظ طلحة وفق من أكل , وقال : أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإن قال قائل : فما أنت قائل فيما روي عن الصعب بن جثامة : أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل حمار وحش يقطر دما , فرده فقال : " إنا حرم " . وفيما روي عن عائشة : " أن وشيقة ظبي أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم , فردها " , وما أشبه ذلك من الأخبار ؟ قيل : إنه ليس في واحد من هذه الأخبار التي جاءت بهذا المعنى بيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد من ذلك ما رد وقد ذبحه الذابح إذ ذبحه , وهو حلال لحلال , ثم أهداه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حرام فرده وقال : إنه لا يحل لنا لأنا حرم ; وإنما ذكر فيه أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحم صيد فرده , وقد يجوز أن يكون رده ذلك من أجل أن ذابحه ذبحه أو صائده صاده من أجله صلى الله عليه وسلم وهو محرم , وقد بين خبر جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " لحم صيد البر للمحرم حلال , إلا ما صاد أو صيد له " . معنى ذلك كله . فإن كان كلا الخبرين صحيحا مخرجهما , فواجب التصديق بهما وتوجيه كل واحد منهما إلى الصحيح من وجه , وأن يقال رده ما رد من ذلك من أجل أنه كان صيد من أجله , وإذنه في كل ما أذن في أكله منه من أجل أنه لم يكن صيد لمحرم ولا صاده محرم , فيصح معنى الخبرين كليهما . واختلفوا في صفة الصيد الذي عنى الله تعالى بالتحريم في قوله : وحرم عليك صيد البر ما دمتم حرما فقال بعضهم : صيد البر : كل ما كان يعيش في البر والبحر ; وإنما صيد البحر ما كان يعيش في الماء دون البر ويأوي إليه ذكر من قال ذلك : 9953 - حدثنا هناد بن السري , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن عمران بن حدير , عن أبي مجلز : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما قال : ما كان يعيش في البر والبحر لا يصيده , وما كان حياته في الماء فذاك 34 . 9954 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا الحجاج , عن عطاء , قال : ما كان يعيش في البر فأصابه المحرم فعليه جزاؤه , نحو السلحفاة والسرطان والضفادع . * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون بن المغيرة , عن عمرو بن أبي قيس , عن الحجاج , عن عطاء , قال : كل شيء عاش في البر والبحر , فأصابه المحرم فعليه الكفارة . 9955 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب , قالا : ثنا ابن إدريس , قال : ثنا يزيد بن أبي زياد , عن عبد الملك , عن سعيد بن جبير , قال : خرجنا حجاجا معنا رجل من أهل السواد معه شصوص طير ماء , فقال له أبي حين أحرمنا : اعزل هذا عنا ! 9956 - وحدثنا به أبو كريب مرة أخرى , قال : ثنا ابن إدريس , قال : سمعت يزيد بن أبي زياد , قال : ثنا حجاج , عن عطاء : أنه كره للمحرم أن يذبح الدجاج الزنجي ; لأن له أصلا في البر . وقال بعضهم : صيد البر ما كان كونه في البر أكثر من كونه في البحر ذكر من قال ذلك : 9957 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال ابن جريج : أخبرناه , قال : سألت عطاء عن ابن الماء , أصيد بر , أم بحر ؟ وعن أشباهه , فقال : حيث يكون أكثر فهو صيده . 9958 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني وكيع , عن سفيان , عن رجل , عن عطاء بن أبي رباح , قال : أكثر ما يكون حيث يفرخ , فهو منه .واتقوا الله الذي إليه تحشرونالقول في تأويل قوله تعالى : واتقوا الله الذي إليه تحشرون وهذا تقدم من الله تعالى ذكره إلى خلقه بالحذر من عقابه على معاصيه , يقول تعالى : واخشوا الله أيها الناس , واحذروه بطاعته فيما أمركم به من فرائضه وفيما نهاكم عنه في هذه الآيات التي أنزلها على نبيكم صلى الله عليه وسلم من النهي عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام , وعن إصابة صيد البر وقتله في حال إحرامكم , وفي غيرها , فإن لله مصيركم ومرجعكم فيعاقبكم بمعصيتكم إياه , ومجازيكم فمثيبكم على طاعتكم له .
۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَٰمًۭا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَٰٓئِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴿97﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: صيَّر الله الكعبة البيت الحرام قوامًا للناس الذين لا قِوَام لهم من رئيس يحجز قوِّيهم عن ضعيفهم، (94) ومسيئهم عن محسنهم، وظالمهم عن مظلومهم=" والشهر الحرام والهدي والقلائد "، فحجز بكل واحد من ذلك بعضهم عن بعض, إذ لم يكن لهم قيامٌ غيره, وجعلها معالم لدينهم، ومصالح أمورهم.* * *و " الكعبة "، سميت فيما قيل " كعبة " لتربيعها.* * ** ذكر من قال ذلك:12780 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: إنما سميت " الكعبة "، لأنها مربعة.12781 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا هاشم بن القاسم, عن أبي سعيد المؤدب, عن النضر بن عربي, عن عكرمة قال : إنما سميت " الكعبة "، لتربيعها. (95)* * *وقيل " قيامًا للناس " بالياء, وهو من ذوات الواو, لكسرة القاف، وهي" فاء " الفعل, فجعلت " العين " منه بالكسرة " ياء ", كما قيل في مصدر: " قمت "" قيامًا " و " صمت "" صيامًا ", فحوّلت " العين " من الفعل: وهي" واو "" ياء " لكسرة فائه. وإنما هو في الأصل: " قمت قوامًا ", و " صمت صِوَامًا "، وكذلك قوله: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس "، فحوّلت، واوها ياء, إذ هي" قوام ". (96)وقد جاء ذلك من كلامهم مقولا على أصله الذي هو أصله قال الراجز: (97)قَِوامُ دُنْيَا وَقَوَامُ دِين (98)فجاء به بالواو على أصله.* * *وجعل تعالى ذكره الكعبة والشهرَ الحرام والهديَ والقلائد قوامًا لمن كان يحرِّم ذلك من العرب ويعظّمه، (99) بمنزلة الرئيس الذي يقوم به أمر تُبَّاعه.وأما " الكعبة "، فالحرم كله. وسمّاها الله تعالى " حرامًا "، لتحريمه إياها أن يصاد صيدها أو يُخْتلى خَلاها، أو يُعْضد شجرها، (100) وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى قبل. (101)* * *وقوله: " والشهر الحرام والهدي والقلائد "، يقول تعالى ذكره: وجعل الشهر الحرام والهدي والقلائد أيضًا قيامًا للناس, كما جعل الكعبة البيت الحرام لهم قيامًا.* * *و " الناس " الذين جعل ذلك لهم قيامًا، مختلفٌ فيهم.فقال بعضهم: جعل الله ذلك في الجاهلية قيامًا للناس كلهم.* * *وقال بعضهم: بل عنى به العربَ خاصة.* * *وبمثل الذي قلنا في تأويل " القوام "، قال أهل التأويل.* ذكر من قال: عنى الله تعالى ذكره بقوله: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس "، القوام، على نحو ما قلنا.12782 - حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرنا من سمع خُصَيفًا يحدث، عن مجاهد في: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس "، قال: قوامًا للناس.12783 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبيد الله, عن إسرائيل, عن خصيف, عن سعيد بن جبير: " قيامًا للناس "، قال: صلاحًا لدينهم.12784- حدثنا هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة قال ، أخبرنا داود, عن ابن جريج, عن مجاهد في: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس "، قال: حين لا &; 11-92 &; يرْجون جنة ولا يخافون نارًا, فشدّد الله ذلك بالإسلام.12785- حدثني هناد قال ، حدثنا ابن أبي زائدة, عن إسرائيل, عن أبي الهيثم, عن سعيد بن جبير قوله: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس "، قال: شدةً لدينهم.12786- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي, عن إسرائيل, عن أبي الهيثم, عن سعيد بن جيير, مثله.12787 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس "، قال: قيامها، أن يأمن من توجَّه إليها.12788 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد "، يعني قيامًا لدينهم, ومعالم لحجهم.12789 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد "، جعل الله هذه الأربعةَ قيامًا للناس, هو قوام أمرهم.* * *قال أبو جعفر: وهذه الأقوال وإن أختلفت من قائليها ألفاظُها، (102) فإن معانيها آيلةٌ إلى ما قلنا في ذلك، من أن " القوام " للشيء، هو الذي به صلاحه, كما الملك الأعظم، قوامُ رعيته ومن في سلطانه، (103) لأنه مدبِّر أمرهم، وحاجز ظالمهم عن مظلومهم، والدافع عنهم مكروه من بغاهم وعاداهم. وكذلك كانت الكعبة والشهرُ الحرام والهدي والقلائد، قوامَ أمر العرب الذي كان به صلاحهم في الجاهلية, وهي في الإسلام لأهله معالمُ حجهم ومناسكهم، ومتوجَّههم لصلاتهم، وقبلتهم التي باستقبالها يتمُّ فرضُهم.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قالت جماعة أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:12790 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا جامع بن حماد قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد "، حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية، (104) فكان الرجل لو جَرَّ كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يُتناول ولم يُقرب. وكان الرجل لو لقي قاتلَ أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقرَبه. وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادةً من شعر فأحمته ومنعته من الناس. وكان إذا نفر تقلَّد قلادة من الإذْخِر أو من لِحَاء السمُر, فمنعته من الناس حتى يأتي أهله، (105) حواجزُ أبقاها الله بين الناس في الجاهلية.12791- حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله: " جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد "، قال: كان الناس كلهم فيهم ملوكٌ تدفع بعضَهم عن بعض. قال: ولم يكن في العرب ملوكٌ تدفع بعضهم عن بعض, فجعل الله تعالى لهم البيت الحرام قيامًا، يُدْفع بعضُهم عن بعض به, والشهر الحرام كذلك يدفع الله بعضهم عن بعض بالأشهر الحرم، والقلائد. قال: ويلقَى الرجل قاتل أخيه أو ابن عمه فلا يعرض له. وهذا كله قد نُسِخ.12792 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " والقلائد "، كان ناس يتقلَّدون لحاء الشجر في الجاهلية إذا أرادوا الحجّ, فيعرفون بذلك.* * *وقد أتينا على البيان عن ذكر: " الشهر الحرام "= و " الهدي"= و " القلائد "، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (106)* * *القول في تأويل قوله : ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ذلك "، تصييرَه الكعبةَ البيتَ الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد. يقول تعالى ذكره: صيرت لكم، أيها الناس، ذلك قيامًا، كي تعلموا أن من أحدث لكم لمصالح دنياكم ما أحدث، مما به قوامكم, علمًا منه بمنافعكم ومضاركم، أنه كذلك يعلم جميع ما في السموات وما في الأرض مما فيه صلاحُ عاجلكم وآجلكم, ولتعلموا أنه بكل شيء " عليم ", لا يخفى عليه شيء من أموركم وأعمالكم, وهو محصيها عليكم، حتى يجازي المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيء منكم بإساءته. (107)-----------------الهوامش :(94) انظر تفسير"جعل" فيما سلف 3: 18.(95) الأثر: 12781-"هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي""أبو النضر" الإمام الحافظ مضى برقم: 184 ، 8239.و"أبو سعيد المؤدب" هو: "محمد بن مسلم بن أبي الوضاح القضاعي" ثقة مأمون مضى برقم 8239 ، 12310.(96) انظر تفسير"قيام" فيما سلف 7: 568 ، 569.(97) هو حميد الأرقط.(98) مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 177.(99) في المطبوعة: "يحترم ذلك" وصوابه من المخطوطة وفي المخطوطة: "ويعطيه" وصوابه ما في المطبوعة.(100) "الخلي": الرطب الرقيق من النبات. و"اختلى الخلي": جزه وقطعه ونزعه. و"عضد الشجرة" قطعها.(101) انظر ما سلف 3: 45- 51.(102) في المخطوطة والمطبوعة: "من قائلها" بالإفراد وما أثبته أولى بالصحة.(103) في المطبوعة: "كالملك" والصواب الجيد ما في المخطوطة.(104) عندي أن الصواب"ألقاها الله" باللام في هذا الموضع ، والذي يليه ، ولكن هكذا هي في المخطوطة.(105) "الإذخر": حشيشة طيبة الرائحة يسقف بها البيوت فوق الخشب ويطحن فيدخل في الطيب. و"اللحاء" قشر الشجر. و"السمر" (بفتح السين وضم الميم): شجر من الطلح.(106) انظر تفسير"الشهر الحرام" فيما سلف 3: 575- 579/4: 299 ، 300 وما بعدها/9: 466= وتفسير"الهدي" فيما سلف 4: 24 ، 25/9: 466/11: 22= وتفسير"القلائد" فيما سلف 9: 467- 470.(107) انظر تفسير"عليم" فيما سلف من فهارس اللغة.
ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿98﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: اعلموا، أيها الناس، أن ربكم الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض, ولا يخف عليه شيء من سرائر أعمالكم وعلانيتها, وهو يُحْصيها عليكم لمجازيكم بها, شديد عقابُه من عصاه وتمرَّد عليه، على معصيته إياه= وهو غفور لذنوب من أطاعه وأنابَ إليه، فساترٌ عليه، وتاركٌ فضيحته بها= رحيم به أن يعاقبه على ما سلف من ذنوبه بعد إنابته وتوبته منها. (108)-----------------الهوامش :(108) انظر تفسير"شديد العقاب" و"غفور" و"رحيم" فيما سلف من فهارس اللغة.
مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴿99﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99)قال أبو جعفر: وهذا من الله تعالى ذكره تهديد لعباده ووعيد. يقول تعالى ذكره: ليس على رسولنا الذي أرسلناه إليكم، أيها الناس، بإنذاركم عقابَنا بين يدي عذاب شديد، وإعذارنا إليكم بما فيه قطع حججكم= إلا أن يؤدي إليكم رسالتنا, ثم إلينا الثواب على الطاعة، (109) وعلينا العقاب على المعصية =" والله يعلم ما تبدون وما تكتمون "، يقول: وغير خفي علينا المطيعُ منكم، القابلُ رسالتنا، العاملُ بما أمرته بالعمل به= من المعاصي الآبي رسالتنا، التارك العمل بما أمرته بالعمل به، (110) لأنا نعلم ما عمله العامل منكم فأظهره بجوارحه ونطق به بلسانه=" وما تكتمون "، يعني: ما تخفونه في أنفسكم من إيمان وكفر، أو يقين وشك ونفاق. (111)يقول تعالى ذكره: فمن كان كذلك، لا يخفى عليه شيء من ضمائر الصدور، وظواهر أعمال النفوس, مما في السموات وما في الأرض، وبيده الثواب والعقاب= فحقيق أن يُتَّقى، وأن يُطاع فلا يعصى.--------------------الهوامش :(109) انظر تفسير"البلاغ" فيما سلف 10: 575.(110) في المطبوعة: "من المعاصي التارك العمل" أسقط ما كان في المخطوطة ، وكان فيها: "من المعاصي التي ، رسالتنا" هكذا كتبت وبين الكلام بياض ورسم" ، " بالحمرة. فآثرت قراءتها كما أثبتها.(111) انظر تفسير"تبدون" و"تكتمون" في فهارس اللغة"بدا" و"كتم".
قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ ۚ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿100﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، قل يا محمد: لا يعتدل الرديء والجيد, والصالح والطالح, والمطيع والعاصي (112) = ولو أعجبك كثرة الخبيث "، يقول: لا يعتدل العاصي والمطيع لله عند الله، ولو كثر أهل المعاصى فعجبت من كثرتهم, لأن أهل طاعة الله هم المفلحون الفائزون بثواب الله يوم القيامة وإن قلُّوا، دون أهل معصيته= وإن أهل معاصيه هم الأخسرون الخائبون وإن كثروا.يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: فلا تعجبنَّ من كثرة من يعصى الله فيُمْهِله ولا يعاجله بالعقوبة، فإن العقبَى الصالحة لأهل طاعة الله عنده دونهم، كما:-12793 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي،" لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة " الخبيث "، قال: الخبيث، هم المشركون= و " الطيب "، هم المؤمنون.* * *وهذا الكلام وإن كان مخرجه مخرجَ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فالمراد به بعض أتباعه, يدل على ذلك قوله: " فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون "* * *القول في تأويل قوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واتقوا الله بطاعته فيما أمركم ونهاكم, واحذروا أن يستحوذ عليكم الشيطان بإعجابكم كثرة الخبيث, فتصيروا منهم=" يا أولي الألباب "، يعني بذلك أهلَ العقول والحِجَى, الذين عقلوا عن الله آياته, وعرفوا مواقع حججه. (113) =" لعلكم تفلحون " ، يقول: اتقوا الله لتفلحوا، أي: كي تنجحوا في طلبكم ما عنده. (114)----------------الهوامش :(112) انظر تفسير: "استوى" فيما سلف 9: 85= وتفسير"الخبيث" فيما سلف 5: 558 ، 559/7: 424 ، 527= وتفسير"الطيب" فيما سلف 10: 513 تعليق: 3 ، والمراجع هناك.(113) انظر تفسير"أولي الألباب" فيما سلف 3 : 383/ 4 : 162 /5 : 580 /6 : 211 وفي التعليق على المواضع السالفة خطأ ، يصحح من هنا.(114) انظر تفسير"الفلاح" فيما سلف 10: 564 تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَسْـَٔلُوا۟ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْـَٔلُوا۟ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ ﴿101﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌۭ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا۟ بِهَا كَٰفِرِينَ ﴿102﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍۢ وَلَا سَآئِبَةٍۢ وَلَا وَصِيلَةٍۢ وَلَا حَامٍۢ ۙ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴿103﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُوا۟ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۚ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴿104﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿105﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ شَهَٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَأَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعْدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِۦ ثَمَنًۭا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلْءَاثِمِينَ ﴿106﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْمًۭا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْأَوْلَيَٰنِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴿107﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُوٓا۟ أَن تُرَدَّ أَيْمَٰنٌۢ بَعْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ ﴿108﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
۞ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَا عِلْمَ لَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ ﴿109﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِى ۖ وَتُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ﴿110﴾
التفسير:
لا يوجد تفسير لهذه الآية
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّۦنَ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴿111﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واذكر أيضًا، يا عيسى، إذ ألقيت (19) =" إلى الحواريين "، وهم وزراء عيسى على دينه.* * *وقد بينا معنى ذلك، ولم قيل لهم " الحواريون "، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. (20)* * *وقد اختلفت ألفاظ أهل التأويل في تأويل قوله: " وإذ أوحيت " ، وإن كانت متفقة المعاني.فقال بعضهم، بما:-12992 - حدثني به محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وإذ أوحيت إلى الحواريين " ، يقول: قدفت في قلوبهم.* * *وقال آخرون: معنى ذلك: ألهمتهم.* * *قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: وإذْ ألقيتُ إلى الحواريين أنْ صدّقوا بي وبرسولي عيسى، فقالوا: "آمنا "، أي: صدقنا بما أمرتنا أن نؤمنَ يا ربنا =" واشهد " علينا " بأننا مسلمون " ، يقول: واشهد علينا بأننا خاضِعُون لك بالذّلة، سامعون مطيعُون لأمرك.------------------الهوامش :(19) انظر تفسير"أوحى" فيما سلف 6: 405 ، 406/9 : 399.(20) انظر تفسير"الحواريون" فيما سلف 6: 449 - 451.
إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۖ قَالَ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿112﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واذكر، يا عيسى، أيضًا نعمتي عليك, إذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي, إذ قالوا لعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء - ف " إذ "، الثانية من صلة أَوْحَيْتُ .* * *واختلفت القرأة في قراءة قوله: " يستطيع ربك "فقرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين: (هَلْ تَسْتَطِيعُ) بالتاء (رَبَّكَ) بالنصب, بمعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك؟ أو: هل تستطيع أن تدعوَ ربَّك؟ أو: هل تستطيع وترى أن تدعوه؟ وقالوا: لم يكن الحواريون شاكِّين أن الله تعالى ذكره قادرٌ أن ينزل عليهم ذلك, وإنما قالوا لعيسى: هل تستطيع أنت ذلك؟ (21)12993 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بشر, عن نافع, عن ابن عمر, عن ابن أبي مليكة قال : قالت عائشة: كان الحواريون لا يشكّون أن الله قادر أن ينزل عليهم مائدة, ولكن قالوا: يا عيسى هل تَسْتطيع ربَّك؟12994- حدثني أحمد بن يوسف التَّغْلِبيّ قال ، حدثنا القاسم بن سلام قال ، حدثنا ابن مهدي, عن جابر بن يزيد بن رفاعة, عن حسّان بن مخارق, عن سعيد بن جبير: أنه قرأها كذلك: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ)، وقال: تستطيع أن تسأل ربَّك. وقال: ألا ترى أنهم مؤمنون؟ (22)* * *وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة والعراق: (هَلْ يَسْتَطِيعُ) بالياء (رَبُّكَ)، بمعنى: أن ينزل علينا ربُّك, كما يقول الرجل لصاحبه: " أتستطيع أن تنهض معنا في كذا "؟ وهو يعلم أنه يستطيع, ولكنه إنما يريد: أتنهض معنا فيه؟ وقد يجوز أن يكون مرادُ قارئه كذلك: هل يستجيب لك ربك ويُطِيعك أنْ تنزل علينا؟* * *قال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندي بالصواب، قراءة من قرأ ذلك: (هَلْ يَسْتَطِيعُ) بالياء (رَبُّكَ) برفع " الربّ", بمعنى: هل يستجيب لك إن سألته ذلك ويطيعك فيه؟وإنما قلنا ذلك أولى القراءتين بالصواب، لما بيّنّا قبلُ من أن قوله: " إذ قال الحواريون " ، من صلة: " إذ أوحيت ", وأنَّ معنى الكلام: وإذ أوحيت إلى الحواريون أن آمنوا بي وبرسولي ، إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربَّك؟ فبيِّنٌ إذ كان ذلك كذلك, أن الله تعالى ذكره قد كرِه منهم ما قالوا من ذلك واستعظمه, وأمرهم بالتوبة ومراجعة الإيمان من قِيلهم ذلك, والإقرارِ لله بالقدرة على كل شيء, وتصديقِ رسوله فيما أخبرهم عن ربِّهم من الأخبار. وقد قال عيسى لهم، عند قيلهم ذلك له، استعظامًا منه لما قالوا: " اتقوا الله إن كنتم مؤمنين " . ففي استتابة الله إيّاهم, ودعائه لهم إلى الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم عند قيلهم ما قالوا من ذلك, واستعظام نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم كلمتهم = (23) الدلالةُ الكافيةُ من غيرها على صحة القراءة في ذلك بالياء ورفع " الرب "، إذ كان لا معنى في قولهم لعيسى، لو كانوا قالوا له: " هل تستطيع أن تسأل ربَّك أن ينزل علينا مائدة من السماء "؟ أن يُستكبر هذا الاستكبار.فإن ظنّ ظانّ أنّ قولهم ذلك له إنما استُعظِمَ منهم, (24) لأنّ ذلك منهم كان مسألة آيةٍ, [فقد ظنّ خطأ]. (25) فإن الآيةَ، إنّما يسألها الأنبياء مَنْ كان بها مكذّبًا ليتقرَّر عنده حقيقةُ ثبوتها وصحَّة أمرها, كما كانت مسألة قريش نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يحوِّل لهم الصَّفَا ذهبًا، ويفجر فجَاج مكة أنهارًا، مَنْ سأله من مشركي قومه = وكما كانت مسألة صالح الناقةَ من مكذّبي قومه = ومسألة شُعَيْب أن يسقط كِسْفًا من السماءِ، من كفّار من أرسل إليه. (26)فإنْ وكان الذين سألوا عيسى أن يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء, (27) على هذا الوجه كانت مسألتهم, فقد أحلّهم الذين قرءوا ذلك ب " التاء " ونصب " الرب " محلا أعظم من المحلِّ الذي ظنوا أنَّهم يحيدون بهم عنه (28) = أو يكونوا سألوا ذلك عيسى وهم موقنون بأنه لله نبي مبعوث ورسول مرسلٌ, وأن الله تعالى ذكره على ما سألوا من ذلك قادر.فإن كانوا سألوا ذلك وهم كذلك, وإنما كانت مسألتهم إيَّاه ذلك على نحو ما يسأل أحدُهم نبيَّه, إذا كان فقيرًا، أن يسأل له ربه أن يُغْنيه = وإن عرضتْ له حاجة، (29) أن يسأل له ربه أن يقضيَها, فليسَ ذلك من مسألةَ الآية في شيء، (30) بل ذلك سؤال ذي حاجة عرضت له إلى ربه, فسأل نبيَّه مسألةَ ربه أن يقضيها له.وخبر الله تعالى ذكره عن القوم، ينبئ بخلاف ذلك. وذلك أنهم قالوا لعيسى, إذ قال لهم: " اتقوا الله إن كنتم مؤمنين " = نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا . فقد أنبأ هذا من قِيلهم، (31) أنهم لم يكونوا يعلمون أن عيسى قد صدَقهم, ولا اطمأنت قلوبهم إلى حقيقة نبوّته. فلا بيان أبين من هذا الكلام، في أن القوم كانوا قد خالط قلوبَهم مرضٌ وشك فى دينهم وتصديق رسولهم, وأنهم سَألوا ما سألوا من ذلك اختبارًا.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:12995 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج, عن ليث, عن عقيل, عن ابن عباس: أنه كان يحدِّث عن عيسى صلى الله عليه وسلم: أنه قال لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يومًا, ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم؟ فإن أجرَ العامل على من عمل له! ففعلوا، ثم قالوا: يا معلِّم الخير, قلت لنا: " إن أجر العامل على من عمل له "، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يومًا، ففعلنا, ولم نكن نعمل لأحدٍ ثلاثين يومًا إلا أطعمنا حين نفرُغ طعامًا، فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ قال عيسى: " اتقوا الله إن كنتم مؤمنين " = قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ ، إلى قوله: لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ . قال: فأقبلت الملائكة تطير بمائدةٍ من السماء عليها سبعةُ أحواتٍ وسبعة أرغفة, حتى وضعتها بين أيديهم, فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أوّلهم.12996 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي: " هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ" ، قالوا: هل يطيعك ربُّك، إن سألته؟ فأنزل الله عليهم مائدة من السماء فيها جميع الطَّعام إلا اللحم، فأكلوا منها.* * *وأما " المائدة " فإنها " الفاعلة " من: " ماد فلان القوم يَميدهم مَيْدًا "، إذا أطعمهم ومارهم، ومنه قول رؤبة:نُهْدِي رُؤُوسَ المتْرَفينَ الأنْدَادْإلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ المُمْتَادْ (32)يعني بقوله: " الممتاد "، المستعْطَى. ف " المائدة " المطعِمة، سميت " الخوان " بذلك, لأنها تطعم الآكل ممّا عليها. و " المائد "، المُدَار به في البحر, يقال: " مادَ يَمِيدُ مَيْدًا ".* * *وأما قوله: " قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين " ، فإنه يعني: قال عيسى للحواريّين القائلين له: " هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء " = راقبوا الله، أيها القوم, وخافوه (33) أن يَنزل بكم من الله عقوبة على قولكم هذا, فإن الله لا يعجزه شيء أراده, وفي شكّكم في قدرة الله على إنزال مائدة من السماء، كفرٌ به, فاتقوا الله أن يُنزل بكم نقمته =" إن كنتم مؤمنين "، يقول: إن كنتم مصدقيَّ على ما أتوعدكم به من عقوبة الله إياكم على قولكم: " هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء "؟--------------------الهوامش :(21) انظر معاني القرآن للفراء 1: 325.(22) الأثر: 12994 -"أحمد بن يوسف التغلبي" ، مضى قريبًا برقم: 12957 ، وكان في المطبوعة هنا أيضًا: "الثعلبي" ، وهو خطأ.و"جابر بن يزيد بن رفاعة العجلي" ، ثقة عزيز الحديث. مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/210 ، وابن أبي حاتم 1/1/498."حسان بن مخارق". قال البخاري: "أراه: الشيباني" ، مترجم في الكبير 2/1/31 ، وابن أبي حاتم 1/2/235 ، وقال المعلق على تاريخ البخاري: "في الثقات رجلان ، أحدهما في التابعين: حسان بن مخارق الكوفي ، يروي عن أم سلمة. روى عنه أبو إسحق الشيباني = والآخر في أتباع التابعين: حسان بن مخارق الشيباني ، وقد قيل: حسان بن أبي المخارق ، أبو العوام ، يروي عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ: هل تستطيع ربك. روى عنه جابر بن يزيد ، وجعلهما ابن أبي حاتم واحدًا".وكان في المطبوعة: "حيان بن مخارق" حرف ما هو صواب في المخطوطة.(23) السياق: " . . . ففي استتابة الله إياهم . . . الدلالة الكافية . . ." ، وما بينهما عطوف.(24) في المطبوعة: "إنما هو استعظام منهم" ، غير ما في المخطوطة وزاد على نصها ، فضرب على الكلام فسادا لا يفهم!! و"استعظم" بالبناء للمجهول.(25) هذه الزيادة بين القوسين ، لا بد منها ، لا أشك أن الناسخ قد أسقطها غفلة ، فاضطرب سياق الكلام ، وسياق حجة أبي جعفر ، فاضطر الناشر أن يعبث بكلمات أبي جعفر لكي تستقيم معه ، فأفسد الكلام إفسادًا بينًا لا يحل له. وقد رددت الكلام إلى أصله ، كما سترى في التعليقات التالية.(26) في المطبوعة: "من أرسل إليهم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو صواب محض.(27) في المطبوعة: "وكان الذين سألوا . . ." ، حذف"فإن" ، وعطف الكلام بعضه على بعض فاضطرب اضطرابًا فاحشًا.(28) في المطبوعة: "الذي ظنوا أنهم نزهوا ربهم عنه" ، سبحانه وتعالى ، ولكن ما فعله الناشر بنص المخطوطة جعل هذا الكلام كله لا معنى له. وكان في المخطوطة: "يحمدوا ربهم" ، مضطربة الكتابة ، فأساء الناشر قراءتها ، وأبلغ في الإساءة حين غير الكلام على الوجه الذي نشره به.(29) في المطبوعة والمخطوطة: "إن عرضت به حاجة" ، وهو غير عربي ، عربيته ما أثبت(30) في المطبوعة: "فأنى ذلك من مسألة الآية" ، وفي المخطوطة: "فإن ذلك" وصواب ذلك ما أثبت.(31) في المطبوعة والمخطوطة: "فقد أنبأ هذا عن قيلهم" ، وهو خطأ محض ، مخل بالسياق.(32) ديوانه: 40 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 183 ، واللسان (ميد) ، وسيأتي في التفسير 12: 84 (بولاق) ، من رجز تمدح فيه بنفسه ، ومدح قومه تميما وسعدًا وخندفًا. ثم قبله في آخرها يذكر قومه:نَكْفِي قُريشًا مَنْ سَعَى بِالإفْسَادْمِنْ كُلِّ مَرْهُوبِ الشِّقَاقِ جَحَّادْومُلْحِدٍ خَالَطَ أَمْرَ الإلْحَادْوقوله: "نهدي" بالنون ، لا بالتاء كما في لسان العرب ، وكما كان في المطبوعة هنا. و"المترفون": المتنعمون المتوسعون في لذات الدنيا وشهواتها. و"الأنداد" جمع"ند" (بكسر النون) وهو هنا بمعنى"الضد" ، يقال للرجل إذا خالفك ، فأردت وجهًا تذهب إليه ، ونازعك في ضده: "هو ندى ، ونديدي". ويأتي أيضًا بمعنى"المثل والشبيه". ورواية الديوان ، ورواية أبي جعفر في المكان الآتي بعد: "الصداد" ، جمع"صاد" ، وهو المعرض المخالف. يقول: نقتل الخارجين على أمير المؤمنين ، ثم نهدي إليه رؤوسهم ، وهو المسئول دون الناس.(33) في المطبوعة: "وخافوا" ، وأثبت ما في المخطوطة.
قَالُوا۟ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ﴿113﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: قال الحواريون مجيبي عيسى على قوله لهم: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، في قولكم لي هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ =: إنا إنما قلنا ذلك، وسألناك أن تسأل لنا ربنا لنأكل من المائدة, فنعلم يقينًا قدرته على كل شيء =" وتطمئن قلوبنا " ، يقول: وتسكن قلوبنا، وتستقرّ على وحدانيته وقدرته على كل ما شاء وأراد, (34) " ونعلم أن قد صدقتنا ", ونعلم أنك لم تكذبنا في خبرك أنك لله رسول مرسل ونبيّ مبعوث =" ونكون عليها " ، يقول: ونكون على المائدة =" من الشاهدين " ، يقول: ممن يشهد أن الله أنزلها حجةً لنفسه علينا في توحيده وقدرته على ما شاء، ولك على صدقكَ في نبوّتك. (35)* * *---------------الهوامش:(34) انظر تفسير"الاطمئنان" فيما سلف 5: 492/9 : 165.(35) انظر تفسير"الشاهد" فيما سلف من فهارس اللغة (شهد).
قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًۭا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةًۭ مِّنكَ ۖ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ﴿114﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (114)قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن نبيه عيسى صلى الله عليه وسلم، أنه أجاب القوم إلى ما سألوا من مسألة ربه مائدةً تنزل عليهم من السماء.ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " تكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا ". فقال بعضهم: معناه: نتخذ اليومَ الذي نزلت فيه عيدًا نُعَظِّمه نحن ومن بعدَنا.* ذكر من قال ذلك:12997 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: " تكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا " ، يقول: نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيدًا نعظِّمه نحن ومن بعدنا.12998 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله " تكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا " ، قال: أرادوا أن تكون لعَقِبهم من بعدهم.12999 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: " أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدًا لأولنا "، قال: الذين هم أحياء منهم يومئذ =" وآخرنا " ، من بعدهم منهم.13000- حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، قال سفيان: " تكون لنا عيدًا " ، قالوا: نصلي فيه. نزلت مرتين.* * *وقال آخرون: معناه: نأكل منها جميعًا.* ذكر من قال ذلك:13001 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج, عن ليث, عن عقيل, عن ابن عباس أنه قال: أكل منها = يعني: من المائدة = حين وضعت بين أيديهم، آخر الناس، كما أكل منها أولهم.* * *وقال آخرون: معنى قوله " عيدًا " ، عائدة من الله تعالى ذكره علينا، وحجة وبرهانًا.* * *قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب، قولُ من قال: " معناه: تكون لنا عيدًا, نعبد ربنا في اليوم الذي تنزل فيه، ونصلي له فيه, كما يعبد الناس في أعيادهم "، لأن المعروف من كلام الناس المستعمل بينهم في" العيد "، ما ذكرنا، دون القول الذي قاله من قال: " معناه: عائدة من الله علينا ". وتوجيه معاني كلام الله إلى المعروف من كلام من خوطب به، أولى من توجيهه إلى المجهول منه، ما وجد إليه السبيل.* * *وأما قوله: " لأولنا وآخرنا "، فإن الأولى من تأويله بالصواب، قولُ من قال: " تأويله: للأحياء منا اليوم، ومن يجيء بعدنا منا "، للعلة التي ذكرناها في قوله: " تكون لنا عيدًا " ، لأن ذلك هو الأغلب من معناه.* * *وأما قوله: " وآية منك " ، فإن معناه: وعلامةً وحجة منك يا رب، على عبادك في وحدانيتك, وفي صدقي على أنّي رسولٌ إليهم بما أرسلتني به (1) =" وارزقنا وأنت خير الرازقين " ، وأعطنا من عطائك, فإنك يا رب خير من يعطي، وأجود من تفضَّل, لأنه لا يدخل عطاءه منٌّ ولا نكَد. (2)* * *وقد اختلف أهل التأويل في" المائدة ", هل أنزلت عليهم، أم لا؟ وما كانت؟فقال بعضهم: نزلت، وكانت حوتًا وطعامًا, فأكل القوم منها, ولكنها رفعت بعد ما نزلت بأحداثٍ منهم أحدثوها فيما بينهم وبين الله تعالى ذكره.ذكر من قال ذلك:13002 - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال شعبة, عن أبي إسحاق, عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : نزلت المائدة، خبزًا وسمكًا.13003 - حدثني الحسين بن علي الصدائي قال ، حدثنا أبي, عن الفضيل, عن عطية قال : " المائدة "، سمكة فيها طعم كلِّ طعام.13004- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبيد الله, عن فضيل, عن مسروق, عن عطية قال : " المائدة "، سمك فيه من طعم كل طعام.13005- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم, عن إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن أبي عبد الرحمن قال : نزلت المائدة خبزًا وسمكًا.13006 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال : نزلت على عيسى ابن مريم والحواريين، خِوانٌ عليه خبز وسمك، يأكلون منه أينما نزلوا إذا شاؤوا.13007 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا المنذر بن النعمان, أنه سمع وهب بن منبه يقول في قوله: " أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدًا " ، قال: نزل عليهم قرصة من شعير وأحوات = قال الحسن، قال أبو بكر: (3) فحدَّثت به عبد الصمد بن معقل فقال: سمعت وهبًا، وقيل له: وما كان ذلك يُغْني عنهم؟ فقال: لا شيء، ولكن الله حَثَا بين أضعافهن البركة, فكان قوم يأكلون ثم يخرجون, ويجيء آخرون فيأكلون ثم يخرجون, حتى أكلوا جميعهم وأفضَلُوا.13008 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبيد الله, عن إسرائيل, عن أبي يحيى, عن مجاهد قال : هو الطعام ينزل عليهم حيث نزلوا.13009 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: " مائدة من السماء " ، قال: مائدة عليها طعام، أُتوا بها؛ حين عرض عليهم العذاب إن كفروا. ألوان من طعام ينزل عليهم. (4)13010 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج, عن أبي معشر, عن إسحاق بن عبد الله: أن المائدة نزلت على عيسى ابن مريم, عليها سبعة أرغفة وسبعة أحْوات, يأكلون منها ما شاؤوا. قال: فسرق بعضهم منها وقال: " لعلها لا تنزل غدًا!"، فرفعت.13011 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود, عن سماك بن حرب, عن رجل من بني عجل قال: صليت إلى جنب عَمار بن ياسر, فلما فرغ قال : هل تدري كيف كان شأن مائدة بني إسرائيل؟ قال فقلت: لا! قال: إنهم سألوا عيسى ابن مريم مائدة يكون عليها طعام يأكلون منه لا ينفد. قال : فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم ما لم تخبئوا، أو تخونوا، أو ترفعوا, فإن فعلتم فإنّي أعذبكم عذابًا لا أعذّبه أحدا من العالمين! قال: فما تمّ يومهم حتى خبئوا ورَفعوا وخانوا, فعذبوا عذابًا لم يعذبه أحد من العالمين. وإنكم معشر العرب، كنتم تتْبعون أذنابَ الإبل والشاء, فبعث الله فيكم رسولا من أنفسكم، تعرفون حسبه ونسبه, وأخبركم على لسان نبيكم أنكم ستظهارون على العرَب, ونهاكم أن تكنزوا الذهبَ والفضة. وايمْ الله. لا يذهبُ الليلُ والنهارُ حتى تكنزوهما، ويعذِّبكم عذابًا أليمًا.13012 - حدثنا الحسن بن قزعة البصري قال ، حدثنا سفيان بن حبيب قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة, عن خلاس بن عمرو, عن عمار بن ياسر قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نزلت المائدة خبزًا ولحمًا, وأُمروا أن لا يخونوا ولا يدَّخروا ولا يرفعوا لغدٍ, فخانوا وادّخروا ورفعوا, فمسخوا قردة وخنازير. (5)13013- حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال ، حدثنا يوسف بن خالد قال ، حدثنا نافع بن مالك, عن عكرمة, عن ابن عباس في المائدة قال : كانت طعامًا ينزل عليهم من السماء حيثما نزلوا.* * ** ذكر من قال ذلك:13014- حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا ابن أبي عدي, عن سعيد, عن قتادة, عن خلاس بن عمرو, عن عمار قال : نزلت المائدة وعليها ثمرٌ من ثمر الجنة, فأمروا أن لا يخبئوا ولا يخونوا ولا يدخروا، قال: فخان القوم وخبئوا وادَّخروا, فحوّلهم الله قردة وخنازير. (6)13015 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: ذُكر لنا أنها كانت مائدة ينزل عليها الثمرُ من ثمار الجنة, وأمروا أن لا يخبئوا ولا يخونوا ولا يدخروا لغد, بلاء ابتلاهم الله به, (7) وكانوا إذا فعلوا شيئًا من ذلك، أنبأهم به عيسى, فخان القوم فيه فخبئوا وادّخروا لغدٍ.* * *وقال آخرون: كان عليها من كلّ طعام إلا اللحم.* ذكر من قال ذلك:13016 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جرير, عن عطاء, عن ميسرة قال : كانت إذا وضعت المائدة لبني إسرائيل, اختلفت عليها الأيدي بكل طعام.13017 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم, عن شريك, عن عطاء, عن ميسرة وزاذان قالا كانت الأيدي تختلف عليها بكل طعام.13018- حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان الثوري, عن عطاء بن السائب, عن زاذان وميسرة، في: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ، قالا رأوا الأيدي تختلف عليها بكل شيء إلا اللحم. (8)* * *وقال آخرون: لم ينزل الله على بني إسرائيل مائدة.* * *ثم اختلف قائلو هذه المقالة.فقال بعضهم: إنما هذا مثل ضربه الله تعالى ذكره لخلقه، نهاهم به عن مسألة نبيّ الله الآيات.* ذكر من قال ذلك:13019 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن آدم, عن شريك عن ليث, عن مجاهد في قوله: " أنزل علينا مائدة من السماء " ، قال: مثل ضُرب, لم ينزل عليهم شيء.* * *وقال آخرون: إنّ القوم لما قيل لهم: فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ، استعفَوْا منها فلم تنزل.* ذكر من قال ذلك:13020 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة قال : كان الحسن يقول: لما قيل لهم: فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ ، إلى آخر الآية، قالوا: لا حاجة لنا فيها فلم تنزل.13021- حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة, عن منصور بن زاذان, عن الحسن: أنه قال في المائدة: لم تنزل. (9)13022 - حدثني الحارث قال ، حدثنا القاسم بن سلام قال ، حدثنا حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قال : مائدة عليها طعام، أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا, فأبوا أن تَنزل عليهم.* * *قال أبو جعفر: والصواب من القول عندنا في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أنزل المائدة على الذين سألوا عيسى مسألتَه ذلك ربَّه.وإنما قلنا ذلك، للخبر الذي روينا بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأهل التأويل من بعدهم، غير من انفرد بما ذكرنا عنه.وبعدُ, فإن الله تعالى ذكره لا يخلف وعدَه، ولا يقع في خبره الْخُلف, وقد قال تعالى ذكره مخبرًا في كتابه عن إجابة نبيه عيسى صلى الله عليه وسلم حين سأله ما سأله من ذلك: إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ , وغير جائز أن يقول تعالى ذكره: إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ , ثم لا ينزلها، لأن ذلك منه تعالى ذكره خبر, ولا يكون منه خلاف ما يخبر. ولو جاز أن يقول: إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ , ثم لا ينزلها عليهم, جاز أن يقول: فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ، ثم يكفر منهم بعد ذلك، فلا يعذّبه, فلا يكون لوعده ولا لوعيده حقيقة ولا صحة. وغير جائز أن يوصف ربنا تعالى ذكره بذلك.* * *وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة, فأن يقال: كان عليها مأكول. وجائز أن يكون كان سمكًا وخبزًا, وجائزٌ أن يكون كانَ ثمرًا من ثمر الجنة، وغيرُ نافع العلم به، ولا ضارّ الجهل به، إذا أقرَّ تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل.------------------------الهوامش :(1) انظر تفسير"آية" فيما سلف من فهارس اللغة (أيي).(2) وانظر تفسير"الرزق" فيما سلف من فهارس اللغة (رزق).(3) "أبو بكر" هو"عبد الرزاق" ، وهو: "عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري".(4) في المطبوعة ، غير هذه العبارة تغيرًا شاملا مزيلا لمعناها ، فكتب: مائدة عليها طعام ، أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا ، فأبوا أن تنزل عليهم" ، وأثبت ما في المخطوطة.أما المعنى الذي صحح الناشر الأول عليه هذا الأثر ، فهو مخالف لهذا كل المخالفة ، لأنه من قول من قال: "لم تنزل على بني إسرائيل مائدة" ، وهو قول مروي عن مجاهد فيما سيأتي رقم: 13021.(5) الأثر: 13012 -"الحسن بن قزعة بن عبيد الهاشمي البصري" ، ثقة. مضى برقم: 8281.و"سفيان بن حبيب البصري" ، ثقة ، مضى برقم: 11302 ، 11321.و"خلاس بن عمرو الهجري" ، مضى مرارًا ، منها: 4557 ، 5134 ، وغيرهما.وكان في المطبوعة: "جلاس بن عمرو" ، وهو خطأ.وهذا الخبر ، رواه الترمذي في كتاب التفسير من سننه ، بإسناده عن الحسن بن قزعة ، ثم قال: "هذا حديث رواه أبو عاصم وغير واحد ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن خلاس ، عن عمار ، موقوفًا. ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الحسن بن قزعة = حدثنا حميد بن مسعدة ، حدثنا سفيان بن حبيب ، عن سعيد بن أبي عروبة ، نحوه ، ولم يرفعه. وهذا أصح من حديث الحسن بن قزعة ، ولا نعرف للحديث المرفوع أصلا".وانظر الأثر التالي رقم: 13014 ، وهو الخبر الموقوف.(6) الأثر: 13014 - انظر التعليق على رقم: 13012 ، وكان في المطبوعة هنا أيضًا"جلاس بن عمرو" وهو خطأ.(7) في المطبوعة والمخطوطة: "أبلاهم الله به" ، وهو لا يصح ، صواب قراءته ما أثبت.(8) الأثران: 13017 ، 13018 -"زاذان الكندي الضرير" ، مضى برقم: 9508.(9) الأثر: 13021 -"منصور بن زاذان الثقفي الواسطي" ، أبو المغيرة. ثقة ، روى عن أبي العالية ، وعطاء بن أبي رباح ، والحسن ، وابن سيرين. مترجم في التهذيب.
قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًۭا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴿115﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115)قال أبو جعفر: وهذا جواب من الله تعالى ذكره القومَ فيما سألوا نبيّهم عيسى مسألةَ ربهم، من إنزاله مائدة عليهم. فقال تعالى ذكره: إني منزلها عليكم، أيها الحواريون، فمطعمكموها =" فمن يكفر بعد منكم "، يقول: فمن يجحد بعد إنزالها عليكم، وإطعاميكموها - منكم رسالتي إليه، وينكر نبوة نبيِّي عيسى صلى الله عليه وسلم، ويخالفْ طاعتي فيما أمرته ونهيته =" فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدا من العالمين "، من عالمي زمانه. ففعل القوم, فجحدوا وكفروا بعد ما أنزلت عليهم، فيما ذكر لنا, فعذبوا، فيما بلغنا، بأن مُسِخوا قردة وخنازير، كالذي:-13023 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " إني منزلها عليكم " الآية, ذكر لنا أنهم حوِّلوا خنازير.13024- حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الوهاب ومحمد بن أبي عدي, ومحمد بن جعفر, عن عوف, عن أبي المغيرة القوّاس, عن عبد الله بن عمرو قال : إن أشدّ الناس عذابًا ثلاثة: المنافقون, ومن كفر من أصحاب المائدة, وآل فرعون. (10)13025- حدثنا الحسن بن عرفة قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان, عن عوف قال : سمعت أبا المغيرة القوّاس يقول: قال عبد الله بن عمرو: إنّ أشد الناس عذابًا يوم القيامة: من كفر من أصحاب المائدة, والمنافقون, وآل فرعون. (11)13026 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: " فمن يكفر بعد منكم " ، بعد ما جاءته المائدة =" فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين " ، يقول: أعذبه بعذاب لا أعذبه أحدًا من العالمين غير أهل المائدة.---------------------------الهوامش :(10) الأثران: 13025 ، 13026 -"أبو المغيرة القواس" ، روى عن عبد الله بن عمرو. روى عنه عوف. وسئل أبو زرعة عن اسمه فقال: "لا أعلم أحدًا يسميه". ضعفه سليمان التيمي ، ووثقه ابن معين. مترجم في الكنى للبخاري: 70 ، وابن أبي حاتم 4/2/439.(11) الأثران: 13025 ، 13026 -"أبو المغيرة القواس" ، روى عن عبد الله بن عمرو. روى عنه عوف. وسئل أبو زرعة عن اسمه فقال: "لا أعلم أحدًا يسميه". ضعفه سليمان التيمي ، ووثقه ابن معين. مترجم في الكنى للبخاري: 70 ، وابن أبي حاتم 4/2/439.
وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُۥ فَقَدْ عَلِمْتَهُۥ ۚ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ ﴿116﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُقال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ," إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمِّيَ إلهين من دون الله ".* * *وقيل: إن الله قال هذا القولَ لعيسى حين رفعه إليه في الدنيا.* ذكر من قال ذلك:13028 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي: " وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " ، قال: لما رفع الله عيسى ابن مريم إليه، قالت النصارى ما قالت, وزعموا أنّ عيسى أمرَهم بذلك, فسأله عن قوله فقال: " سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب " إلى قوله: وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ .* * *وقال آخرون: بل هذا خبر من الله تعالى ذكره عن أنه يقول لعيسى ذلك في القيامة.* ذكر من قال ذلك:13029 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج, عن ابن جريج: " وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " ، قال: والناس يسمعون, فراجعه بما قد رأيت, وأقرَّ له بالعبودية على نفسه, فعلم من كان يقول في عيسى ما يقول: أنه إنما كان يقول باطلا.13030 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير, عن عطاء, عن ميسرة قال : قال الله: يا عيسى، أأنت قلت للناس اتخذوني وأمّي إلهين من دون الله؟ فأُرْعِدت مفاصله, وخشي أن يكون قد قال, فقال: سبحانك، إن كنت قلته فقد علمته = الآية.13031 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: " يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " ، متى يكون ذلك؟ قال: يوم القيامة, ألا ترى أنه يقول: هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ؟= فعلى هذا التأويل الذي تأوَّله ابن جريج، يجب أن يكون " وإذ " بمعنى: و " إذا ", كما قال في موضع آخر: وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا ، [سورة سبأ: 51]، بمعنى: يفزعون، وكما قال أبو النجم:ثُمَّ جَزَاهُ اللهُ عَنَّا إذْ جَزَىجَنَّاتِ عَدْنٍ فِي العَلالِيِّ العُلا (12)والمعنى: إذا جزى، وكما قال الأسود: (13)فَالآنَ , إذْ هَازَلْتُهُنَّ , فإنَّمَايَقُلْنَ: ألا لَمْ يَذْهَبِ الشَّيْخُ مَذْهَبَا !!ٌٌ (14)بمعنى: إذا هازلتهن.وكأنّ من قال في ذلك بقول ابن جريج هذا, وجَّه تأويل الآية إلى: فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ في الدنيا = وأعذبه أيضًا في الآخرة: " إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ".* * *قال أبو جعفر: وأولى القولين عندنا بالصواب في ذلك, قولُ من قال بقول السدي، وهو أن الله تعالى ذكره قال ذلك لعيسى حين رفعه إليه, وأن الخبرَ خبرٌ عما مضى، لعلَّتين:إحداهما: أن " إذْ" إنما تصاحب = في الأغلب من كلام العرب المستعمل بينها = الماضيَ من الفعل, وإن كانت قد تدخلها أحيانًا في موضع الخبر عما يحدث، إذا عرف السامعون معناها. وذلك غير فاشٍ، ولا فصيح في كلامهم, (15) وتوجيه معاني كلام الله تعالى إلى الأشهر الأعرف ما وجد إليه السبيل، (16) أولى من توجيهها إلى الأجهل الأنكر.والأخرى: أن عيسى لم يشك هو ولا أحد من الأنبياء، أن الله لا يغفر لمشرك مات على شركه, فيجوز أن يُتَوهم على عيسى أن يقول في الآخرة مجيبًا لربه تعالى ذكره: إن تعذّب من اتخذني وأمي إلهين من دونك فإنهم عبادك, وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم.* * *فإن قال قائل: وما كان وجه سؤال الله عيسى: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله "، وهو العالم بأن عيسى لم يقل ذلك؟قيل: يحتمل ذلك وجهين من التأويل:أحدهما: تحذير عيسى عن قيل ذلك ونهيُه, كما يقول القائل لآخر: " أفعلت كذا وكذا "؟ مما يعلم المقولُ له ذلك أن القائل يستعظم فعل ما قال له: " أفعلته "، على وجه النهي عن فعله، والتهديد له فيه.والآخر: إعلامه أنّ قومه الذين فارقهم قد خالفوا عهده، وبدّلوا دينهم بعده. فيكون بذلك جامعًا إعلامَه حالَهم بعده، وتحذيرًا له قيله. (17)* * *قال أبو جعفر: وأما تأويل الكلام، فإنه: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين "، أي: معبودين تعبدونهما من دون الله. قال عيسى: تنزيهًا لك يا رب وتعظيمًا أن أفعل ذلك أو أتكلم به (18) = ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق "، يقول: ليس لي أن أقول ذلك، لأني عبد مخلوق، وأمي أمَةٌ لك, وكيف يكون للعبد والأمة ادّعاء ربوبية؟ = (19) " إن كنت قلته فقد علمته ", يقول: إنك لا يخفى عليك شيء, وأنت عالم أني لم أقل ذلك ولم آمُرهم به.القول في تأويل قوله : تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ (116)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخبرًا عن نبيه عيسى صلى الله عليه وسلم: أنه يبرأ إليه مما قالت فيه وفي أمه الكفرةُ من النصارى، أن يكون دعاهم إليه أو أمرهم به, فقال: سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ . ثم قال: " تعلم ما في نفسي"، يقول: إنك، يا رب، لا يخفى عليك ما أضمرته نفسي مما لم أنطق به ولم أظهره بجوارحي, فكيف بما قد نطقتُ به وأظهرته بجوارحي؟ يقول: لو كنت قد قلت للناس: " اتخذوني وأمي إلهين من دون الله "، كنت قد علمته, لأنك تعلم ضمائر النفوس مما لم تنطق به، فكيف بما قد نطقت به؟ =" ولا أعلم ما في نفسك "، يقول: ولا أعلم أنا ما أخفيته عني فلم تطلعني عليه, لأني إنما أعلم من الأشياء ما أعلمتنيه =" إنك أنت عَلام الغيوب "، يقول: إنك أنت العالم بخفيّات الأمور التي لا يطلع عليها سواك، ولا يعلمها غيرك. (20)------------------------الهوامش :(12) الأضداد لابن الأنباري: 102 ، والصاحبي: 112 ، واللسان (طها) وسيأتي بعد قليل في هذا الجزء ص: 317 ، بزيادة بيت. وقوله: "العلالي" ، جمع"علية" (بكسر العين ، وتشديد اللام المكسورة ، والياء المشدودة): وهي الغرفة العالية من البيت. وأرد بذلك: "في عليين" ، المذكورة في القرآن. وقد قال هدبة من خشرم أيضًا ، فتصرف:كأنَّ حَوْطًا، جزاهُ اللهُ مَغْفِرَةًوَجَنَّةً ذاتَ عِلِّيٍّ وأشْرَاعِو"الأشراع" ، السقائف.(13) هو الأسود بن يعفر النهشلي ، أعشى بني نهشل.(14) ديوان الأعشين: 293 ، والأضداد لابن الأنباري: 101 ، من قصيدة له ، ذهب أكثرها فلم يوجد منها في الكتب المطبوعة ، غير هذا البيت ، وخمسة أبيات أخرى ، في ديوانه ، وفي العيني (هامش خزانة الأدب 4: 103) ، وهي أبيات جياد:صَحَا سَكَرٌ مِنْه طَوِيلٌ بِزَيْنَيَاتَعَاقَبَهُ لَمَّا اسْتَبَانَ وجَرَّبَاوَأَحْكَمَهُ شَيْبُ القَذَالِ عَنِ الصِّبَافَكَيْفَ تَصَابِيه وَقَدْ صَار أَشْيَبَا?وَكَان لَهُ، فِيمَا أَفَادَ، خَلاَئِلٌعَجِلْنَ، إذَا لاقَيْنَهُ، قُلْنَ: مَرْحَبَاٌ!!فأَصْبَحْنَ لا يَسْأَلْنَهُ عَنْ بِمَا بهِأصَعَّدَ فَي عُلْوِ الهَوَى أم تَصَوَّبَا?طَوَامِحُ بالأَبْصَارِ عَنْه، كَأَنَّمَايَرَيْنَ عَلَيْهِ جُلَّ أَدْهَمَ أجْرَبَا(15) انظر ما سلف من القول في"إذ" و"إذا" 1: 349 - 444 ، 493/3: 92 ، 98/6: 407 ، 550/7 : 333/9 : 627. وانظر ما سيأتي ص: 317.(16) في المطبوعة والمخطوطة: "فتوجيه" بالفاء ، والجيد ما أثبت.(17) في المطبوعة: "وتحذيره" ، غير ما كان في المخطوطة لغير طائل.(18) انظر تفسير"سبحان" فيما سلف 1: 474 - 476 ، 495/2 : 537/6 : 423.(19) في المطبوعة: "فهل يكون للعبد" ، وفي المخطوطة: "فيكون يكون للعبد" ، هكذا ورجحت قراءتها كما أثبتها.(20) انظر تفسير"علام الغيوب" فيما سلف قريبًا: 211 = وتفسير"الغيب" 1: 236 ، 237/6 : 405/10 : 585.
مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ ﴿117﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قول عيسى, يقول: ما قلت لهم إلا الذي أمرتني به من القول أن أقوله لهم, وهو أن قلت لهم: " اعبدوا الله ربي وربكم " =" وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم "، يقول: وكنت على ما يفعلونه وأنا بين أظهرهم شاهدًا عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم (21) =" فلما توفيتني" ، يقول: فلما قبضتني إليك (22) =" كنت أنت الرقيب عليهم " ، يقول: كنت أنت الحفيظ عليهم دوني, (23) لأني إنما شهدت من أعمالهم ما عملوه وأنا بين أظهرهم.وفي هذا تبيانُ أن الله تعالى ذكره إنما عرّفه أفعالَ القوم ومقالتهم بعد ما قبضه إليه وتوفاه بقوله: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ .=" وأنت على كل شيء شهيد " يقول: وأنت تشهد على كل شيء, لأنه لا يخفى عليك شيء, وأما أنا، فإنما شهدت بعض الأشياء, وذلك ما عاينت وأنا مقيم بين أظهر القوم, فإنما أنا أشهد على ذلك الذي عاينت ورأيتُ وشهدت.* * *وبنحو الذي قلنا في قوله: " كنت أنت الرقيب عليهم " ، قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:13032 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدى: " كنت أنت الرقيب عليهم " ، أما " الرقيب "، فهو الحفيظ.13033 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج, عن ابن جريج: " كنت أنت الرقيب عليهم " ، قال: الحفيظ.* * *وكانت جماعة من أهل العلم تقول: كان جواب عيسى الذي أجاب به ربَّه من الله تعالى، توقيفًا منه له فيه. (24)* ذكر من قال ذلك:13034 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن يمان, عن سفيان, عن معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ، قال: الله وقَّفَه. (25)13035- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو داود الحفري قال ، قرئ على سفيان, عن معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه طاوس قال : احتج عيسى، والله وقّفه: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، الآية.13036 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير, عن عطاء, عن ميسرة قال : قال الله تعالى ذكره: " يا عيسى أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " ؟ قال: فأُرعدت مفاصله, وخشى أن يكون قد قالها, فقال: سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ .----------------------------الهوامش :(21) انظر تفسير: "شهيد" فيما سلف من فهارس اللغة (شهد) = وتفسير"ما دام" فيما سلف 10: 185/ 11 : 74.(22) انظر تفسير"توفاه" فيما سلف 6: 455 - 461/8 : 73/9 : 100.(23) انظر تفسير"الرقيب" فيما سلف 7 : 523.(24) في المطبوعة والمخطوطة: "توفيقًا" (بالفاء قبل القاف) ، في هذا الموضع وما يليه.وهو خطأ من الناسخ والناشر لا شك فيه ، صوابه ما أثبت. يقال: "وقفت الرجل على الكلمة توقيفًا" ، إذا علمته الكلمة لم يكن يعلمها ، أو غابت عنه. أي أنها كانت من تعليم الله إياه ، لم يقلها من عند نفسه.(25) في المطبوعة والمخطوطة: "الله وفقه" ، وانظر التعليق السالف ، وكذلك ما سيأتي في الأثر التالي.
إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴿118﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنْ تعذب هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة، بإماتتك إياهم عليها =" فإنهم عبادك "، مستسلمون لك, لا يمتنعون مما أردت بهم، ولا يدفعون عن أنفسهم ضرًّا ولا أمرًا تنالهم به =" وإن تغفر لهم "، بهدايتك إياهم إلى التوبة منها، فتستر عليهم =" فإنك أنت العزيز "، (26) في انتقامه ممن أراد الانتقام منه، لا يقدر أحدٌ يدفعه عنه =" الحكيم "، في هدايته من هدى من خلقه إلى التوبة، وتوفيقه من وفَّق منهم لسبيل النجاة من العقاب، كالذي:-13037 - حثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي في قوله: " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم " ، فتخرجهم من النصرانية، وتهديهم إلى الإسلام =" فإنك أنت العزيز الحكيم " . وهذا قول عيسى في الدنيا.13038 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " ، قال: والله ما كانوا طعَّانين ولا لعَّانين.--------------------------الهوامش :(26) انظر تفسير"العباد" ، و"المغفرة" ، و"العزيز" ، و"الحكيم" فيما سلف من فهارس اللغة (عبد) ، (غفر) ، (عزز) ، (حكم).
قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴿119﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًاقال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة قوله: " هذا يوم ينفع الصادقين ". فقرأ ذلك بعض أهل الحجاز والمدينة: (هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ)، بنصب " يوم ".* * *وقرأه بعض أهل الحجاز وبعض أهل المدينة، وعامة قرأة أهل العراق: هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ ، برفع " يوم ". فمن رفعه رفعه ب " هذا ", وجعل " يوم " اسمًا, وإن كانت إضافته غير محضة, لأنه قد صار كالمنعوت. (27) وكان بعض أهل العربية يزعم أن العرب يعملون في إعراب الأوقات مثل " اليوم " و " الليلة "، عملهم فيما بعدها. إن كان ما بعدها رفعًا رفعوها, كقولهم: " هذا يومُ يركب الأمير ", و " ليلةُ يصدر الحاج ", و " يومُ أخوك منطلق ". وإن كان ما بعدها نصبًا نصبوها, وذلك كقولهم: " هذا يومَ خرج الجيش، وسار الناس ", و " ليلةَ قتل زيد "، ونحو ذلك, وإن كان معناها في الحالين " إذ " و " إذا ".* * *وكأن من قرأ هذا هكذا رفعًا، وجَّه الكلام إلى أنه من قيل الله يوم القيامة.* * *وكذلك كان السدي يقول في ذلك.13039 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي قال الله: " هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم " ، هذا فصل من كلام عيسى, وهذا يوم القيامة.* * *يعني السدي بقوله: " هذا فصل من كلام عيسى " : أن قوله: سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إلى قوله: فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، من خبر الله عز وجل عن عيسى أنه قاله في الدنيا بعد أن رفعه إليه, وأن ما بعد ذلك من كلام الله لعباده يوم القيامة.* * *وأما النصب في ذلك, فإنه يتوجه من وجهين:أحدهما: أن إضافة " يوم " ما لم تكن إلى اسم، تجعله نصبًا, لأن الإضافة غير محضة, وإنما تكون الإضافة محضة، إذا أضيف إلى اسم صحيح. ونظير " اليوم " في ذلك: " الحين " و " الزمان "، وما أشبههما من الأزمنة, كما قال النابغة:عَلَى حِيْنَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَاوَقُلْتُ ألَمَّا تَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ (28)والوجه الآخر: أن يكون مرادًا بالكلام: هذا الأمر وهذا الشأن, يومَ ينفع الصادقين = فيكون " اليوم " حينئذ منصوبًا على الوقت والصفة, بمعنى: هذا الأمر في يوم ينفع الصادقين صدقهم.* * *قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب: ( هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ) ، بنصب " اليوم "، على أنه منصوب على الوقت والصفة. لأن معنى الكلام: إنّ الله جل وتعالى ذكره أجاب عيسى حين قال: سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ، إلى قوله: فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، فقال له عز وجل: هذا القولُ النافعُ = أو هذا الصدق النافع = يوم ينفع الصادقين صدقهم. ف " اليوم " وقت القول والصدق النافع.* * *فإن قال قائل: فما موضع " هذا "؟قيل: رفع.فإن قال: فأين رَافعه؟قيل: مضمر. وكأنه قال: قال الله عز وجل: هذا, هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم, كما قال الشاعر: (29)أَمَا تَرَى السَّحَابَ كَيْفَ يَجْرِي ?هذا, وَلا خَيْلُكَ يَا ابْن بِشْرِيريد: هذا هذا, ولا خيلك.* * *قال أبو جعفر: فتأويل الكلام، إذ كان الأمر على ما وصفنا لما بينا: قال الله لعيسى: هذا القول النافع في يوم ينفع الصادقين في الدنيا صدقهم ذلك، في الآخرة عند الله = لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ، يقول: للصادقين في الدنيا، جنات تجري من تحتها الأنهار في الآخرة، ثوابًا لهم من الله عز وجل على ما كان من صدقهم الذي صدقوا الله فيما وعدوه, فوفوا به لله, فوفى الله عز وجل لهم ما وعدهم من ثوابه = خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ، يقول: باقين في الجنات التي أعطاهموها =" أبدًا "، دائمًا، لهم فيها نعيم لا ينتقل عنهم ولا يزول. (30)* * *وقد بينا فيما مضى أن معنى " الخلود "، الدوام والبقاء. (31)* * *القول في تأويل قوله : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: رَضي الله عن هؤلاء الصادقين الذين صدقوا في الوفاء له بما وعدوه، من العمل بطاعته واجتناب معاصيه =" ورضوا عنه " ، يقول: ورضوا هم عن الله تعالى ذكره في وفائه لهم بما وعدهم على طاعتهم إياه فيما أمرهم ونهاهم، من جزيل ثوابه (32) =" ذلك الفوز العظيم "، يقول: هذا الذي أعطاهم الله من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار, خالدين فيها, مرضيًّا عنهم وراضين عن ربهم, هو الظفر العظيم بالطَّلِبة، (33) وإدراك الحاجة التي كانوا يطلبونها في الدنيا, ولها كانوا يعملون فيها, فنالوا ما طلبوا، وأدركوا ما أمَّلوا.---------------------الهوامش :(27) في المطبوعة: "لأنه صار" ، أسقط"قد".(28) ديوانه: 38 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 327 ، وسيبويه 1: 369 ، والخزانة 3: 151 والعيني (هامش الخزانة) 3 : 406/ 4 : 357 ، وسيأتي في هذا التفسير 19: 88/ ثم 30 : 57 ، (بولاق) ، ورواية أبي جعفر هنا"ألما تصح" كرواية الفراء ، وفي سائر المراجع"ألما أصح". وهما روايتان صحيحتا المعنى.وهذا البيت من قصيدته التي قالها معتذرا إلى النعمان بن المنذر ، متنصلا مما قذفه به مرة بن ربيعة عند النعمان ، يقول قبله:فَكَفْكَفْتُ مِنِّي عَبْرَةً فَرَدَدْتُهَاعلى النَّحْرِ، مِنْها مُسْتَهِلٌّ ودامِعٌيقول: عاقبت نفسي على تشوقها إلى ما فات من صباي ، فقد شبت وشابت لداتي ، وقلت لنفسي: ألم تفق بعد من سكرة الصبا ، وعهد الناس بالمشيب أنه يكف من غلواء الشباب!(29) لم أعرف هذا الراجز(30) انظر تفسير"أبدًا" فيما سلف 9: 227/10: 185.(31) انظر فهارس اللغة فيما سلف (خلد).(32) انظر تفسير"الرضا" فيما سلف 6 : 262/9 : 480/10 : 144.(33) انظر تفسير"الفوز". فيما سلف 7: 452 ، 472/8 : 71 .
لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۢ ﴿120﴾
التفسير:
القول في تأويل قوله : لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أيها النصارى،" لله ملك السموات والأرض " ، يقول: له سلطان السموات والأرض (34) =" وما فيهن " ، دون عيسى الذين تزعمون أنه إلهكم، ودون أمه, ودون جميع من في السموات ومن في الأرض، فإن السموات والأرض خلق من خلقه وما فيهن، وعيسى وأمُّه من بعض ذلك بالحلول والانتقال, يدلان بكونهما في المكان الذي هما فيه بالحلول فيه والانتقال، أنهما عبدان مملوكان لمن له ملك السموات والأرض وما فيهن. ينبِّههم وجميعَ خلقه على موضع حجته عليهم، ليدَّبروه ويعتبروه فيعقلوا عنه =" وهو على كل شيء قدير "، (35) يقول تعالى ذكره: والله الذي له ملك السموات والأرض وما فيهن, قادرٌ على إفنائهن وعلى إهلاكهن، وإهلاك عيسى وأمه ومن في الأرض جميعًا كما ابتدأ خلقهم, لا يعجزه ذلك ولا شيء أراده، لأن قدرته القدرةُ التي لا تشبهها قدرة، وسلطانه السلطان الذي لا يشبهه سلطان ولا مملكة.* * *(آخر تفسير سورة المائدة) (36)---------------(34) انظر تفسير"الملك" فيما سلف 8: 480 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك.(35) انظر تفسير"قدير" فيما سلف من فهارس اللغة (قدر).(36) عند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا ، وفيها ما نصه:"آخر تفسير سورة المائدة صَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيم يَتْلُوهُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى ، تَفْسِيرُ سُورَةِ الأَنْعَامِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمينَ"
-